مقالات الرأي

دول المجاز… سورية مثالًا

يُستخدم مصطلح “الدولة”، في منطقتنا راهنًا، استخدامًا مجازيًا، وهو يُطلق على كيانات ظهر معظمها بعد الحرب العالمية الأولى، بناءً على توافقات وحسابات بين الدول المنتصرة في الحرب.

ومن المفارقات في هذا السياق، أن أقدم الدول ظهرت في هذه المنطقة، خاصة في بلاد ما بين النهرين ومصر، حيث فرضت موجبات الري الاصطناعي وجود جهاز إداري يضبط عمليات التنظيم، وتوزيع الأعمال والأرزاق، وحماية الطرق التجارية، وسنّ التشريعات من أجل تحديد الحقوق والوجبات.

وقد كانت هناك عوامل متعددة تفاعلت فيما بينها، ساعدت في تشكل الدولة، واستمراريتها عبر مختلف المراحل التاريخية؛ وهي العوامل التي تناولتها نظريات أصل نشوء الدول المختلفة، ومنها: النظرية التيوقراطية، ونظريات القوة والتطور العائلي، ونظرية التطور التاريخي، وصولًا إلى النظرية الديمقراطية وغيرها.

الأمر الذي يدعو إلى التأمل والتمعن، بالنسبة إلى منطقتنا، هو توزع دولها، وهي في معظمها دول مستحدثة، أنشِئت في شكلها الحالي بعد الحرب العالمية الأولى، بين مجموعتين، وذلك وفق النظام السياسي الذي تم اعتماده ضمن كل مجموعة.

المجموعة الأولى، تبنّت النظام الملكي أو الأميري الوراثي؛ واعتمدت في ذلك قواعد محددة تم التوافق عليها، والأخذ بها في معظم الأحيان، مع استثناءات محدودة، غالبًا ما كان يتم تجاوزها ضمن نطاق الأسر الحاكمة بهذه الطريقة أو تلك.

أما المجموعة الثانية فقد أخذت دولها بالنظام الجمهوري، الذي من المفروض أنه يستمد شرعيته من إرادة الناس، ويقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وتوزيع المسؤوليات، ويقرّ بعملية الانتقال السياسي السلمي للسلطة، وهي العملية التي من المفروض أن تتم عبر الانتخابات الحرة النزيهة.

ولكن ما حصل في منطقتنا هو أن هذه الأنظمة جاءت إلى الحكم بناءً على إرادات الدول المؤثرة في ميدان السياسة الدولية، وهي القادرة على التحكم في مسارات بلدان الأطراف. ومع ذلك تمكنت أنظمة المنطقة، في أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من ممارسة قسط من الحرية النسبية، وتجسّد ذلك في الانقلابات العسكرية التي عرفتها كل الأنظمة الجمهورية تقريبًا؛ وكان ادعاء الشرعية الثورية هو القاسم المشترك بين الانقلابيين عمومًا، هؤلاء الذين قدّموا أنفسهم بوصفهم سلطة العمال والفلاحين، خاصة في ظل الأنظمة القوموية الثوروية التي شهدتها مصر وسورية والعراق. وغالبًا ما كان تهميش الخصوم الواقعيين والمحتملين، وتغييبهم -سجنًا أو اغتيالًا- من بين الوسائل التي استخدمها الانقلابيون، لإبعاد التهديدات والمخاطر من جانب الخصوم؛ وذلك في سياق حركة التصفيات الداخلية التي كانت تجري داخل زمر الحكم نفسها. أمّا عامة الشعب، فقد كانوا ضحية التضليل الأيديولوجي، والشعارات العاطفية الكبرى التي كانت من أجل التغطية على ما يجري.

في سورية، باعتبارها موضوعنا الأساس هنا، تمكّن نظام حافظ الأسد من إزاحة خصومه جميعًا، سواء عبر اعتقالهم أم تصفيتهم أم نفيهم، أم إلزامهم بالصمت. وتمكن في الوقت ذاته من تحييد الأحزاب الموجودة، بعد أن هيمن بصورة مطلقة على حزب البعث، وحوّله إلى حزب تمجيدي، وُظف ليكون واجهة وأداة من أدوات ضبط الدولة والمجتمع، والتحكّم في جميع مفاصلهما عبر منظومة متشابكة العلاقات والمهمات، مكونة من المنظمات الشعبية والنقابات والاتحادات، إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية.

ولإضفاء مسحة شرعية متناغمة، شكليًا، مع روحية العصر، اعتمد النظام المذكور بدعة الاستفتاءات المعروفة النتائج سلفًا، وهي استفتاءات 99,99% من المؤيدين، إلى جانب انتخابات مجلس الشعب، والمجالس المحلية، وهي الانتخابات التي كان يخطط لها، ويتم الإشراف على تنفيذها، من الألف إلى الياء، من قبل الأجهزة الأمنية التي لم تكن تترك أي تفصيل من التفصيلات للمصادفة.

وقد تمكّن حافظ الأسد، بحنكته السياسية، واستنادًا إلى ما حصّله من أسباب القوة السلطوية على الصعيد الداخلي، من المحافظة على العلاقات المتوازنة مع المحيطين الإقليمي والدولي. كما تمكن من انتزاع دور إقليمي عبر جملة من الأوراق، منها الورقة الفلسطينية واللبنانية والكردية والعراقية. وما ساعده في ذلك هو انعزال مصر عن محيطها العربي، بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد في أيلول/ سبتمبر 1978؛ والمأزق الذي وصل إليه نظام صدام حسين في العراق، بعد غزو الكويت في آب/ أغسطس 1990.

لقد وظّف حافظ الأسد كل ذلك في سبيل الهيمنة المطلقة على الدولة، حتى باتت مجرد جهاز خاضع تابع، يتم التحكم فيه، وتوجيهه من قبل الرئيس وحده. أما الواجهات التي تمثلت في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فقد كانت مجرد ديكور تزييني، خصص لإعطاء انطباع زائف بوجود تقاسم للسلطات والمهام.

وإمعانًا منه في تجديد ظاهرة الحاكم المؤله في المنطقة، تمكّن حافظ الأسد من فرض تثبيت ابنه في الحكم، وذلك بناء على التوافقات بين المتنافسين المحتملين الذين أسهموا جميعًا في تكريس حكم “وريث الجمهورية”، وإن اختلفت اعتباراتهم وحساباتهم.

ولم يتمكن “الرئيس الوريث” من الاستمرار في نهج مؤسس النظام الذي كان صاحبه يتقن ضبط الإيقاعات في الداخل، على مستوى أركان النظام والقوى المجتمعية؛ كما يضبطها في الخارج على المستويين الإقليمي والدولي. ومن أبرز مؤشرات الانهيار في مرحلة بشار أنه اعتمد على الحليف الإيراني في عملية التخلّص من الخصوم الداخليين ضمن النظام نفسه؛ وتراجعه السريع عن وعوده الإصلاحية. وإفساده العلاقة مع محيطه العربي؛ وتعامله مع الدولة وكأنها ملكه الشخصي، ونظرته إلى السوريين بوصفهم تلاميذ مدرسة ابتدائية، يتحفهم من حين إلى آخر بخطابات إنشائية مدرسية، لا تحظى بأي صدقية أو قدرة واقعية على إيجاد الحلول للمشكلات، سواء تلك القديمة المتراكمة، أم الحديثة التي استجدت وتفاعلت.

ومع انطلاقة ثورات الربيع العربي، سلّم بشار الأسد أوراقه كاملة إلى النظام الإيراني، وبدأ تفعيل شعار “الأسد أو نحرق البلد”، الذي طُبّق حرفيًا بكل أنواع الأسلحة، حتى الطائرات والصواريخ والأسلحة الكيمياوية. ولم يكتف بذلك فحسب، بل استقدم كل الميليشيات المذهبية، خاصة ميليشيات “حزب الله”، والميليشيات العراقية، فضلًا عن “الحرس الثوري” الإيراني، كل ذلك لقتل السوريين وتهجيرهم، وتدمير مدنهم وبلداتهم، وتمزيق النسيج المجتمعي الوطني، مدّعيًا أنه يمثل الدولة، ومن “حقّه” أن يفعل بالناس ما يريد، طالما أنهم يثورون عليه، ولا يلتزمون بفرمانات فساده واستبداده.

اليوم، بعد أن تمكّن النظام من التمدد، ولو شكليًا، في مختلف المناطق السورية، بفعل الدعم الروسي والإيراني، والصمت الأميركي، والانضمام التركي البراغماتي إلى المحور الروسي الإيراني، والعجز العربي، وانطلاقًا من وضعية التماهي التي تُقام بين النظام والدولة؛ نرى أن بشار الأسد يستخدم أجهزة “الدولة” ومؤسساتها وتشريعاتها، لاستنزاف ما تبقى من طاقة لدى السوريين، حتى في المناطق التي كانت خاضعة بالكامل لسيطرته منذ بداية الثورة السورية. كما يريد السيطرة على ممتلكات كل السوريين الذين يرى فيهم خصومًا راهنين أو محتلمين. وقد حوّل في الوقت ذاته ممتلكات الشعب السوري العامة إلى مرتع لصالح حفنة من زمرته، مقابل ما مارسوه من قتل وتدمير لتثبيته في الحكم، هذا في حين أنّ عليه أن يدفع الفواتير الباهظة للروس والإيرانيين، بعد أن حوّلوا الدولة السورية التي يزعم بشار أنه حامي سيادتها، إلى أكذوبة لا تمتلك من مقومات الدولة سوى الاسم، هذه الدولة التي باتت عنوان المذابح والمقابر، وملايين المشردين، والتدمير الشامل للمدن، وبات المثال السوري يُستخدم من قبل الفاسدين والمستبدين، في العديد من دول المنطقة، فزّاعةً لترويع الشعوب بمصير يشبه مصير سورية التي كانت في يوم ما مهد حضارة الأبجدية، وستظل كذلك بعد القطع النهائي مع سلطة الاستبداد والفساد والإفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق