قضايا المجتمع

اضمحلال دور المدينة في الثورة السورية

عصام الخفاجي: "لم يُحرّض الفقر السوريين على الثورة، بل سياسة النظام المتهورة الطائفية"

في بحث مُطوّل للأكاديمي عصام الخفاجي المختص بالعلوم السياسية والاقتصادية، صدر عن مؤسسة (مبادرة الإصلاح العربي)، وحمل عنوان (اضمحلال دور المدينة في الثورة السورية)، أكد الباحث على أن الثورة السورية ليست تمامًا ثورة لأغلبية سنية تسعى للإطاحة بنظام طائفي علوي، بل هي بجذورها ثورة اجتماعية اقتصادية أيضًا، ويحاول الغوص بالتركيبات الاجتماعية والسكانية داخل المجتمع السوري، ويُحلل علاقة العشائر وسكان المدن والأرياف والمهمشين في العشوائيات بالثورة، ويُفسّر أسباب اختلاف درجة المشاركة في الثورة بين سكان هذه المناطق.

على الرغم من تأكيده في المنطلقات النظرية لبحثه على أن الثورة السورية قامت بها الأكثرية السكانية السُّنية في سورية ضد هيمنة الأقلية العلوية داخل السلطة لنحو خمسة عقود، غير أنه يرى أن هناك جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية لتفسير أسباب الثورة، مستندًا إلى الفوارق الاجتماعية بين المدن والعشوائيات والمناطق القبليّة، ويؤكد في هذا السياق على أن الثورة السورية منذ انطلاقتها كانت مختلفة تمامًا عن الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن، ذلك أن المحافظات الصغرى لا العاصمة أو حلب، هي التي قادت الثورة، على عكس بقية الثورات العربية التي كان للعواصم والمدن الكبرى الدور القيادي في تحديد مصير أنظمتها الحاكمة، كما يبحث بشكل معمّق بالطريقة التي تفاعل وِفقها سكان المدن والأرياف مع الثورة.

جغرافية البؤس:

ينطلق الخفاجي، مستشار برنامج الأمم المتحدة للتنمية للشأن السوري، بدراسته من آخر تقرير أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن حالة الفقر وعدم المساواة في سورية في الفترة ما بين 1997 ـ 2007، أي قبل سنوات قليلة من انطلاق الثورة، ويشير إلى أن الإنفاق الاستهلاكي في المحافظات الساحلية العلوية كان أعلى بنحو 150% من بقية مناطق سورية، فيما انخفضت حصّة شمال وشرق البلاد إلى نحو منتصف المتوسط الوطني.

في تلك الفترة التي سبقت الثورة، وفق التقرير، كان أكثر من ثلث سكان سورية من الفقراء (6.7 مليون من أصل 23 مليونًا)، بينهم 2.4 مليون بحالة فقر شديد، وكان لشمال وشرق سورية نصيب كبير بهذا الفقر بينما كانت المحافظات العلوية الساحلية أقلها فقرًا، وللمفارقة فقد كانت العاصمة دمشق والمنطقة الجنوبية لسورية تحتل المرتبة الثانية بمستوى الفقر الذي انتشر في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية على مستوى البلد.

ويلفت كذلك إلى أن انتشار عدم المساواة في سورية، حيث استهلك عام 2004 الـ 20 بالمئة الأدنى من السكان 7 بالمئة فقط من مجمل النفقات في سورية، في حين استهلك الـ 20 بالمئة الأكثر ثراءً 45 بالمئة، هذا بغض النظر عن عدم شفافية النظام الاقتصادي والسياسي السوري، الذي يمتلك طرقًا لإخفاء ثروات الأغنياء الحقيقية، ويشير إلى أن الجفاف تسبب بتغييرات ديموغرافية وتسبب بمغادرة أكثر من مليون شخص شمال شرق سورية، وإلى ارتفاع نسبة البطالة من 24 بالمئة عام  2004 إلى 39.4 بالمئة في نفس عام انطلاق الثورة.

لكن الباحث لا يرى أن الكوارث الطبيعية أو الفقر بذاته لم تكن مبررات كافية لتحريض السوريين على الثورة، ويلفت إلى أن أهم أسباب الثورة السورية هو سياسة النظام المتهوِّرة، بذريعة الأمن الغذائي، وقد استنزفت موارد المياه الشحيحة في سورية، متجاهلة التحذيرات التي أطلقتها هيئات عديدة منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وتخلّت عن الفقراء الجدد النازحين إلى ضواحي المدن الكبرى، تاركة إياهم يواجهون مصائرهم، فضلًا عن مراقبة الجموع الفقيرة لتكاثر الثروات بيد ذوي الامتيازات وأصحاب السلطة، ومظاهر الثراء في المناطق العلوية تحديدًا، وكل هذا، برأيه، من شأنه تحويل المظالم الشعبية إلى مظالم طائفية.

منطلقات مختلفة للثورة:

يرى الباحث أن مصطلح (الثورة) بمعناه الدقيق قد ينطبق على المنطقة الغربية المكتظة سكانيًا والممتدة من إدلب في الشمال إلى درعا في الجنوب، في حين وجدت المناطق الشرقية والشمالية (دير الزور، والحسكة، والرقة) نفسها في خضّم نوع مختلف كليًا من الاضطرابات، حتى الجماعات المسلحة المقاتلة ضد النظام في هذه المناطق بدت منفصلة، ومع تنحية الأكراد الذين وضح منذ البداية أن معركتهم ليست موجهة ضد النظام، إنما بهدف إقامة حكم ذاتي بصرف النظر عن أية تسوية سياسية ناتجة، فإن القبائل العربية لم تظهر اهتمامها بإيصال القتال إلى دمشق، وانخراط المناطق الشرقية والشمالية الشرقية في الثورة أتى بعد سيطرة جبهة النصرة ولاحقًا داعش على المنطقة.

وفي تبريره لانطلاق الثورة من درعا على الرغم من أنها ليست الأفقر في سورية كمدينة الرقة، وعدم وجود هيكلية قبلية عالية، يرى أن سكان هذه المدينة كانوا مسيسين إلى درجة عالية، فربطوا تدهور أوضاعهم الاقتصادية مع تراجع مرتبتهم السياسية داخل النظام.

بالمقابل يشير إلى أن العشائر حول المدن التي يغلب عليها الطابع العشائري كدير الزور والحسكة والرقة لم تستجب للثورة ولم تنضم إليها كما فعل سكان المدن، على الرغم من أن مناطقهم من أكثر المناطق فقرًا في سورية، ويبرر سلبية هذه العشائر إزاء الثورة بأنها نتيجة عقود من سياسة الأسد التي استغلت التناحر بينها وفاقمته، فضلًا عن تحالفها مع من يحميها ويؤمن لها مكاسب أوفر.

وعلى الرغم من اعترافه باستحالة تحليل الخلفيات الاجتماعية للمتظاهرين الذين دعموا الإطاحة بنظام الأسد، إلا أن الباحث يعتقد أن قسمًا كبيرًا من الطبقة الوسطى في المدن والبلدات الريفية الكبرى قد لعب دورًا فعالًا في إشعال الانتفاضة، ويشير إلى وجود أعداد كبيرة بينها من المثقفين والفنانين والرجال والنساء الجامعيين ونشطاء المجتمع المدني، ويلفت أيضًا إلى غياب رجال الدين عن بدايات الثورة.

العسكرة وضروراتها:

يتوقف الباحث عند مسألة العسكرة طويلًا، ويقول: “يجب التأكيد على أنه لم يكن اللجوء إلى الوسائل العسكرية خيارًا في سورية، بل ضرورة، فدمشق ليست القاهرة ولا تونس، وليس فيها جيش محترف غير مسيّس ليقف إلى جانب الشعب الذي استبسل كي يحافظ على سلمية ثورته، فالقوة القهرية ذات العقائدية الإملائية الراسخة، عنصر لا غنى عنه في أي نظام استبدادي، وكما ساقت مجريات الأحداث إلى عسكرة الثورة؛ بدأت ذهنية راديكالية جديدة بالظهور، وهي ذهنية تنبش الأسوأ في أي مجتمع تم تسطيح ثقافته السياسية على مدار عقود من الحكم الأحادي”.

ويرى كذلك أن اللجوء إلى استراتيجية الحرب التقليدية لإبعاد جميع الأنشطة العسكرية الأخرى عن داخل المدن له مضامينه الكبيرة، إذ كان إنذارًا مبكرًا إلى حقيقة انحسار دور المدن أو حتى زوالها في المعركة ضد الأسد، وقد وجدت وحدات الجيش المنشقة التي كانت مهمتها الأساسية تأمين حماية المظاهرات السلمِية أن من المستحيل مواجهة آلة الحرب الساحقة للنظام، وتحولت بدلًا من ذلك إلى تحرير البلدات خارج المدن الرئيسية، تاركة المظاهرات في الضواحي المتناثرة لمصيرها، ومع هذا التطور أصبحت الثورة السورية مرادفة للمعارك الدائرة على الأرض وليس للاحتجاجات الجماهيرية أو غيرها من أشكال النشاطات اللاعُنفية، فأتت الحرب بقادة جدد ليحتلوا مراكز الصدارة، وكل منهم ينادي بشعاراته الخاصة المستقاة من المهمشين اجتماعيًا واقتصاديًا في البلدات الفقيرة وعشوائيات المدن، وكان لعسكرة الثورة تأثير كبير على المسار اللاحق للأحداث، إذ أحدثت شرخًا عميقًا بين سكان المدن والبلدات الريفية والأحياء الفقيرة، وربما تكون قد وجهت ضربة قاضية للدعوات الأولى المتطلِّعة إلى إقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي.

ولفهم هذه الفرضية، يشدد على ضرورة التمييز بين سكان الأرياف وسكان الأحياء الفقيرة وسكان المدن، لا سيّما الفقراء منهم، كما يُحذّر من الخلط بين فقراء المدن وأهالي البلدات الريفية وسكان الضواحي في المدن الكبرى والنازحين في العشوائيات تحت عنوان “الفقراء”، فبرأيه، إن فقراء المناطق الحضرية الذين يعيشون في ضواحي المدن يتشاركون في القيم مع غير الفقراء من سكان هذه المدن أكثر مما يتشاركونه مع الفقراء من سكان المناطق الريفية، فالفقر وحده ليس شرطًا كافيًا لخلق شعور التضامن، ففقراء الحواضر ينتمون للطبقات العاملة وترتبط مجالات نشاطهم ارتباطًا وثيقًا بالمدينة ويتفاعلون مع أشخاص من أصول إثنية ودينية متعددة، ولا تهدف وسائلهم بالتعبير عن احتجاجاتهم إلى تدمير النسيج الاجتماعي بأكمله، بينما كان المهاجرون وسكان الريف الفقير غير منسجمين مع سكان المناطق الحضرية من حيث الإثنية والتدين والمستويات العلمية وأنماط الحياة، وتصورهم عن الجهة التي تقوم باضطهادهم يركزّ على الاختلاف الإثني والدِّيني، فتجنح أيديولوجياتهم وأساليبهم في المعارضة إلى نسف المعايير الحالية.

إطلاق الجنّي:

يلفت الخفاجي إلى وجود نمطين فكريين متعارضين بين أصحاب عسكرة الثورة في سورية، ويقول إن العديد من ضباط الجيش السوري الحر ينحدرون من الريف، ويضمرون مشاعر الاستياء من سيطرة نظرائهم العلويين على مواقع الامتيازات، إلا أن استقرارهم وعملهم في المدن، ربما جعلَهم أقرب إلى أسلوب حياة المدنية، وهكذا عكس الخلاف بين الجيش السوري الحر والميليشيات الإسلامية هذه الطرق المتباينة في رؤية الثورة وتحديد العدو والأهداف التي سعى كل منهما لتحقيقها، ما أدى إلى صدام بين عنصري المعارضة المسلحة، وأدى لانقسام الجيش الحر وتخليه عن استراتيجياته، ليتوافق مع قِيم المقاتلين المهمشين الذين تفوق أعدادهم كثيرًا عدد عناصر الجيش الحر ذي التوجهات الحضرية، ورأى أن ذلك قد يُفسّر عدم ترحيب كثيرين من سكان المدن بالمقاتلين الذين تمكنوا من الدخول إلى مدنهم وبلداتهم، على الرغم من أنهم غير مناصرين للنظام السوري، ويؤكد هنا على أن الهوية الطبقية، وليست الهوية السُّنية، هي من باعدت بين العالَمين، مشيرا أيضًا إلى أن الديناميكيات المبنية على أساس طبقي قد ولّدت نظرة سلبية عن المعارضة بين العديد من السُّنة الذين ظلوا موالين لنظام الأسد.

لكنّه في نفس الوقت يُحذّر من الاعتماد على التحليل الطبقي المختزل لفهم التأثيرات الاجتماعية على الأحداث السورية، فقبل الانتفاضة أظهر جزء من البرجوازية السورية عداوة للنظام بسبب المحسوبية والفساد الذَين خنقا أعماله، في حين شكل آخرون تحالفات ودعموا النظام بتفان شديد.

اليوم التالي:

يحاول الباحث نسج فكرة مُتخّيلة عن التركيبة الاجتماعية بعد أي تسوية سياسية في سورية، ويؤكد بداية على صعوبة الوصول إلى تسوية من دون إشراك المجموعات المسلحة (الإسلامية) و(المعتدلة) الرئيسية على الأقل، ومنحِها حصّة في هيئات صنع القرار وإدارة البلاد، وهذا ليس فقط تكريسًا لعلاقات القوة العسكرية ـ السياسية السائدة بين نظام الأسد ومعارِضيه، بل هو تكريس لعلاقات القوة الجديدة بين المدن والضواحي والمهمشين، أو بعبارة أخرى، إن توازن القوى المترتب عن ذلك، يعكس التغيرات الاجتماعية العميقة التي كانت قد بدأت قبل ثورة 2011 ووجدت متنفَّسها السياسي خلال السنوات الخمس الماضية.

كما يعتقد أن المدن السورية الكبرى قبل الحرب، ستخضع لعملية ترييف كاسحة، وأن الطبقات المتوسطة والفقيرة من المدن الكبرى ستجد نفسها مُحَيَّدة، وأن طبقة رجال الأعمال السُّنيين المحافظين الذين استطاعوا خلال عقود من حكم العلويين إيجاد منافذ لهم وتطوير أعمالهم وإقامة شراكات مع متنفذين، سيستطيعون تطوير تحالفات مع الأغنياء الجدد مُعتمدين على العامل المذهبي، كما يعتقد كذلك أن لن يكون هناك سبب إيديولوجي لاحتكاك سكان المدن مع النخبة السياسية الجديدة، أي أن الصِّدام سيكون بين الإسلاميين والعلمانيين بعيدًا عن سكان المدن.

ويرى أن الفقراء في المناطق الحضرية ذوو مصالح مشتركة مع المهمشين حيث كلاهما يعاني الفقر والاستبعاد، كما أن بعض سكان المدن السّنيين الذين يفهمون عداءهم مع نظام الأسد من منظور طائفي يشتركون أيضًا مع المهمشين بالشعور المعادي للعلويين، إلا أن مسار الثورة/ الحرب السورية، قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن أيًا من هذه القواسم المشتركة لا يستطيع أن يطغى على الانقسامات المجتمعية العميقة بين سكان المدن والضواحي والقبائل والأرياف والمهمشين، على الرغم من أن هذه الهويات لم تكن أبدًا إقصائية لبعضها البعض.

ويخلص في بحثه إلى أن الانتفاضة المدنية في سورية ضد الاستبداد والفساد كشفت عن ثورة المهمّشين ليس فقط ضدّ النظام السياسي القائم ولكن أيضًا ضدّ النظام الاجتماعي القائم، فالعاطلون والمُستبعَدون والمُعدَمون والمُهانون والفقراء الذين نشؤوا في سورية التي لم تقدّم لهم أي معنى للانتماء، باتوا الآن مسلحين ويشعرون أن الوقت قد حان لإصلاح العالم كي يتوافق مع تطلُّعاتهم، ومع شبح الجهاديين في الأفق، والمواجهات المسلحة التي تُفاقِم الانقسام بين المدينة والبلدات النائية، لم يعد سكان المدن يجدون أنفسهم واقفين إلى جانب نظام الأسد أو منحازين للمعارضة المسلحة، لقد أصبحوا ببساطة يشعرون أنّهم منحشرون بين جموع من الأطراف المتحاربة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق