مقالات الرأي

البحث عن سورية المستقبل أولوية سياسية ملحة

أحدثت الثورة السورية، وما تلاها من حروب مركبة في سورية، تصدعات عميقة في الذهنية السورية تجاه الدولة السورية الحالية، على المستويات السياسية والقيمية الاجتماعية كافة، وهو ما يستدعي ضرورة التفكير والتحليل قي تصورات السوريين عن سورية المستقبل.

تعرضت بنى سورية وتكويناتها المادية والاجتماعية للدمار الشامل من قبل ميليشيات النظام السوري الرسمية والرديفة، ومن أمثالها موضوعيًا من تنظيمات سلفية إرهابية (داعش، جبهة النصرة وأخواتها)، إضافة إلى التداخلات المركبة الإقليمية والدولية في الصراع السوري بشكل غير مسبوق في تاريخ السياسات الدولية، من التدخل العسكري الإيراني المباشر منذ الأيام الأولى للثورة السورية، إلى التدخل العسكري الروسي الرسمي عام 2015، والسيطرة شبه المطلقة على سورية، إضافة إلى التدخل التركي في الشمال السوري، والأميركي في الشمال الشرقي لسورية، حتى وصلت سورية -دولة ومجتمعًا- إلى انهيار شامل.

هذا الانهيار الشامل يستدعي من السوريين كافة طرح الأسئلة الجوهرية والمصيرية، حول شكل الدولة السورية التي ينشدونها في المستقبل، بدءًا من الدعوة إلى بناء عقدٍ اجتماعي جديد فيما بينهم، بوصفهم سوريين قبل كل هوية أخرى، يتجاوز الهويات الفرعية الأخرى، العرقية والدينية والمذهبية والطائفية والقبلية، من دون اجتثاثها، نحو بلورة الهوية السورية في العقد الاجتماعي المستقبلي، ثم تحديد طبيعة نظام الحكم المستقبلي: هل هو رئاسي، برلماني أم مختلط، اسم سورية المستقبل، هل الجمهورية العربية السورية، أم الجمهورية السورية، أم غير ذلك، المركزية أم اللامركزية هي الأمثل، رئاسة الدولة ومحدداتها، وهل يعد الشعب السوري مستقلًا بحد ذاته أم هو امتداد للعالم العربي والإسلامي، قانون الأحزاب السياسية الجديد هل يسمح بأحزاب دينية أو عرقية، عدم تبعية أي حزب لأحزاب خارج سورية (عربية، كردية، إسلامية، اشتراكية). استبعاد الأديان والأيديولوجيات من هوية ومؤسسات الدولة، مسألة الحقوق الثقافية المشروعة للمكونات القومية غير العربية في سورية، الإقرار بالتعددية لجميع الاتجاهات الفكرية والسياسية، حق منظمات المجتمع المدني في الرقابة على عمل الحكومة، دولة تضمن الحقوق لجميع المواطنين، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين والمذهب والطائفة… إلخ (دولة المواطنة)، التزام الدولة الجديدة بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان، التأكيد والعمل على وحدة الأراضي السورية كما كانت عليه قبل عام 2011، حرية تأسيس الحركات السياسية والاجتماعية والثقافية السورية، استقلالية عمل النقابات المختلفة عن النظام السياسي الاستبدادي والأحزاب السياسية، نمط التعليم الأمثل، نمط التنمية والتخطيط الاقتصادي المطلوب، المركزي أم المحلي، الذي يعتمد على موارد وقدرات واحتياجات كل منطقة إدارية…. الخ.

إن إعادة النظر في جوهر بنية الدولة السورية مستقبلًا ليست استثناء في تجارب التاريخ للدول الخارجة من حروب مدمرة، بل هي ضرورة وأولوية سياسية من خلال تجاوز التابوهات القمعية التي وضعها النظام السوري، والتي عملت على هيمنة النظام السوري على الدولة السورية طوال خمسين عامًا، وما زالت تفعل فعلها حتى الآن.

نعم، السوريون بأمس الحاجة إلى التفكير بالدولة السورية المستقبلية، التي من المفترض أن تتوافق عليها القوى السياسية والاجتماعية السورية كافة، خاصة أن مفهوم الدولة السورية مفهوم ملتبس لدى معظم السوريين، حيث يتماهى مفهوم الدولة بالنظام السياسي الاستبدادي لدى البعض، خاصة لدى موالي النظام السياسي الاستبدادي الحالي، حيث إن العديد منهم، وبعضهم أكاديميون في الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، كانوا في بداية الثورة يوجهون الشتائم إلى زملائهم الذين وقفوا إلى جانب الثورة، تحت مقولة “كيف يقبضون رواتبهم وهم معارضون!”، أو عبارة “تعلموا في هذه الجامعات، وحصلوا على الشهادات العليا، ويعارضون الدولة! (النظام السياسي الاستبدادي الحالي)”، وعبارات عديدة مماثلة.

هذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على عدم التمييز بين الدولة ونظام الحكم السياسي، فهناك تطابق بينهما لدى هؤلاء الأكاديميين، وبالمقابل وجدنا بعض المعارضة السورية استهدف بنى الدولة تحت عنوان استهداف النظام السياسي الاستبدادي، من خلال إقامة بنى بديلة للدولة، كما هي الحال في مناطق سيطرة “جبهة النصرة” وأخواتها، قوات (ب ي د) الكردية وغيرهما.

ربما ما عزز هذا الالتباس لمفهوم الدولة السورية، سيادة ثقافة أيديولوجية لحوالي مئة عام، لدى معظم التيارات السياسية (القومية، الشيوعية، الإسلامية السياسية) بأن سورية الحالية دولة مرحلية، وهي من صنع الاستعمار وسايكس بيكو، ولا بد من تجاوزها نحو دولة الأمة، بالمعنى العروبي أو الإسلامي، وفي الوقت نفسه، تكون دولة متجاوزة للمكونات ما قبل الوطنية (الدينية، المذهبية الطائفية والقبلية)، وفي الواقع المعاش، أقامت بنى ومؤسسات سياسية واجتماعية خاصة بالنظام السياسي الحاكم، موازية لمؤسسات الدولة السياسية والاجتماعية، وبالتالي لم تتمثل مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية (دولة المواطنة) كما هي الحال في الدول الديمقراطية، خاصة الأوروبية.

أيضا ما عزز التباس مفهوم الدولة بعد ثورة 2011، توجه النظام السياسي الاستبدادي الحالي نحو الاستقواء بالخارج (إيران، روسيا) في مواجهة ثورة الشعب السوري 2011، تحت شعار محاربة الإرهاب والحفاظ على الدولة (النظام السياسي الاستبدادي الحالي)، كذلك الأمر في الضفة الأخرى (بعض المعارضة السورية) أسرعت بالتوجه إلى الخارج أيضًا للاستقواء به، بهدف إسقاط النظام.

هكذا كان هناك حضور كبير للعامل الخارجي في الحالة السورية (روسيا، إيران، تركيا، الولايات المتحدة الأميركية مباشرة، وإسرائيل بشكل غير معلن). في ظلّ استمرار الولاءات التقليدية ما قبل الوطنية، وغياب مطلق لمؤسسات المجتمع المدني والسياسي، وبالتالي يمكن القول إن سورية، كدولة ومجتمع، في حالة تفكك سياسي واجتماعي قيمي قابلة للحرب الأهلية في أي لحظة يختارها الفاعل الخارجي.

هنا يحضر السؤال الرئيس: كيف نفكر في إعادة النظر بسورية المستقبل، دولة ومجتمعًا، في ظل هذا الواقع السوري الهش، وفي ظل هيمنة خارجية عليها؟! إن التحديات الداخلية والخارجية كبيرة جدًا، وربما محبطة جدًا، ولكن لا مفر للسوريين كافة من الانطلاق من هذا الواقع المؤلم المعاش لسورية، متجاوزين الأنماط الأيديولوجية السائدة، فاتحين أبواب الاجتهاد والحوار حول دولة سورية المستقبل، من خلال نقد وتفكيك تابوهات النظام والمعارضة كافة، باتجاه البحث عن سورية المستقبل، وهو الأمر الأهمّ حاليًا.

أخيرًا، إن الانتقال من الحديث المتواري حول سورية المستقبل، إلى دائرة الاجتهاد والنقاش السياسي الرصين والعلني، هو أمرٌ ملحّ وضروري في هذا الوقت، لوضع مستقبل الدولة السورية على طاولة البحث العلمي النقدي والمعرفي الذي غيّبه النظام الاستبدادي طويلًا، وهو بداية الحل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق