تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“حزب الله”: الحاكم المعارض والمعارض الحاكم

يقول السياسي والكاتب اللبناني لقمان سليم، في توصيف “حزب الله”: “لا يمكن أن نعتبر سارقًا دخل منزلًا، بالكسر والخلع، فردًا من أفراد الأسرة”، وتابع: “ولا يمكن اعتبار حزب الله حزبًا سياسيًا، طالما أنه حزب مسلح، ولا يمكن اعتباره لبنانيًا استنادًا إلى الدعم الذي يحصل عليه من إيران، وإلى أن أهدافه لا تخص الشعب اللبناني، ومرجعيته ليست مرجعية لبنانية”.

ما قاله الكاتب اللبناني يُظهر على نحو جلي عمق الأزمة في لبنان، فهي لم تعد أزمة وقود ودولار وبعض المطالب المعيشية، بل تعدّت ذلك لتصل إلى الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي في لبنان، على الرغم من إصرار السلطة على وصف ما يجري -من باب التقزيم- بأنه “مجرد تظاهرات مطلبية”.

الملفات العالقة في لبنان لا يمكن معالجتها في ظل النظام السياسي والقضائي والتشريع الحالي، والمبني على قادة المحاصصة حتى في الفساد، والجميع متورط في ظل عدم وجود سلطة قضائية محايدة ونزيهة، وقد أشار الكاتب اللبناني صراحة إلى أن “حزب الله” يحمي الفاسدين، وأعطى مثالًا على ذلك (حركة أمل)، علمًا بأن محاسبة المسؤولين قضائيًا تحتاج إلى موافقة ثلثي البرلمان، وهذا ما يستحيل تحقيقه لصالح أي طرف من الأطراف، وكان مضحكًا أن تقوم الجهات القضائية الأسبوع الماضي باستدعاء بعض المسؤولين السابقين للاستماع، وترك المسؤولين الذي يمارسون الآن دورًا في السلطة، فماذا يعني أن نُحاسب شخصًا كان وزيرًا قبل عشرة أعوام، ونترك وزيرًا يُمارس الفساد الآن؟! وقد أرادت السلطة، من خلال هذا التحرك الخجول للقضاء، أن تمتص غضب الشارع ولو بشكل جزئي، ولكن الوعي الشعبي لم تمر عليه هذه الأساليب القديمة والمعروفة.

يمثل “حزب الله” اليوم حالة سياسية غير مألوفة في الحياة السياسية في العالم، بل حالة شاذة عن الأعراف السياسية، فهو يمثل في لبنان حزبًا حاكمًا ومعارضًا في آن واحد، لكونه يؤيد أي قرار حكومي يصب في مصلحته، ويعارض أي قرار لا يرضيه، بغض النظر عن مصلحة لبنان الدولة والشعب، وبمعنى آخر: يريد “حزب الله” تطويع الدولة اللبنانية، بأجهزتها التشريعية والتنفيذية والعسكرية كافة، لمصلحته كحزب، وليس لمصلحة لبنان كدولة، ما يشكل انتقاصًا من سيادة الدولة على الصعيد الخارجي، وإرهاقًا للحياة الاقتصادية والسياسية في لبنان.

إن وجود “حزب الله”، بوصفه حزبًا مسلحًا يستحوذ على قرار الحرب والسلم في لبنان، القرار الذي يجب أن يكون حقًا سياديًا للدولة، يؤثر سلبًا وبشكل مباشر وعميق في الحياة الاقتصادية في لبنان، وخير مثال على ذلك عزوف الشركات العربية والعالمية عن الاستثمار في لبنان، الذي يؤدي إلى خلق فرص عمل واسعة لشعب لبنان الذي يعاني معدلات بطالة قياسية، علمًا أن لبنان لا يمتلك كثيرًا من المتطلبات لأي مستثمر عدا حالة عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي التي يتسبب فيها سلاح “حزب الله”، وندلل على ذلك بما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، وقد ذكر لبنان مرةً واحدة، حين قال بأنه “لا يمكن الاستثمار بهذا البلد؛ طالما أن هناك سلاحًا خارج سلطة الدولة”.

اليوم، بات اللبنانيون أمام أحد خيارين: إما الدولة اللبنانية لجميع أبنائها، وإما دويلة “حزب الله” التي تبتلع الدولة اللبنانية، وما هو ظاهر من الحراك الثوري أن اللبنانيين قد اختاروا الدولة اللبنانية، وبقي لدول العالم الحر أن تدعم طموح الشعب اللبناني وتطلعاته لبناء لبنان كدولة جديدة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق