تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مخزون هائل من الفاجعة

أصعب ما واجهته الثورة السورية، منذ إعادة سيطرة النظام على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة المعارضة، هو ذاته أصعب ما جابهه الشعب السوري منذ تسعة أعوام، وتمثل في انفراد النظام وحلفائه بالمضي في ارتكاب المذابح، وتطبيق سياسة الأرض المحروقة بغرض إعادة السيطرة، التي أدت إلى دمار وتهجير، مع مجازر لا يلتفت إليها العالم المنافق، وبحكم طبيعة الهجمات التي يشنها النظام، مع الحليفين الروسي والإيراني، في الشمال بأرياف إدلب، تتضح أكثر الصور المأسوية التي تنتظر آخر المناطق المنتظر لحاقها بركب التدمير الأسدي الروسي.

اندفاع النظام وموسكو، بهجمات وحشية على الشمال السوري، يأتي غداة انتهاء جلسات جنيف لبحث الدستور، وقبل جلسات أستانة في نسختها الرابعة عشرة المزمع عقدها في 11 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، كل الجلسات تترافق مع اعتداءات فرض السيطرة الأمنية، ويتصوّر النظام أن تؤدي، في ما تؤدي إليه، إلى إضعاف موقف المعارضة السورية، ثم إخراجها من الحلبة نهائيًا، أو إدخالها إليها ضعيفة مستخذية وراضية بأن تصير شاهد زور، على عقابيل تسوية سياسية أعدتها موسكو وطهران، بمباركة دولية وإقليمية، لا تعطي السوريين من وليمة الاستسلام إلا ما هو أقلّ من الفتات.

الضغوط الوحشية التي تمارس على الشعب السوري، من أنواع ومستويات مختلفة، استهدفت الإثقال عليه، وتضع التسوية كلها في المأزق الذي تلج فيه الآن، وهو المأزق المهدد لمصير النظام كله، قبل اندلاع الثورة، فما بالنا اليوم، وهذه المآزق تتعاظم مع جرائم الحرب والإبادة الجماعية، واندفاع الوالجين للبحث عن وسائل تمكّن الأسد من السيطرة ولن تنقذه من جرائمه. لقد حمل السوريون في ذاكرتهم لعقود قادمة كلّ التفاصيل، من أسماء الشهداء، إلى وقائع المذابح خلف كل تل ورابية وسوق، كل الزنازين والجلادين، الأفران والمشافي والجسور، كل أثر في سورية بات يدل على همجية الأسد، فكيف يستحيل على السوريين العودة لقمم الأسدية؟!

الأسباب التي ترد في معرض الإجابة عن هذا السؤال عديدة، ومتداولة، وبينها الحقيقة التي تأكدت على مدار تسعة أعوام، حقيقة أن الشعب السوري، داخل سورية وخارجها، كرّس أن الطاغية الأسدي سيبقى عائقًا للولوج نحو مستقبل ينشده كل السوريين في الكرامة والمواطنة والحرية والعدالة، وباتت هذه المفردات هي المعبر الوحيد عن الطموحات الوطنية، والمسؤولة عن تحقيق مطالبهم، فضلًا عن صياغتها، وأن الشعب السوري، يزداد بدوافع يفهمها أعداؤه من الأسدية حتى البوتينية والخامنئية، تمسكه تمامًا بهذه الحقيقة، لذلك تبقى التحالفات التي أقامتها الأسدية مع أعداء الشعب السوري بهذا المقدار من الحقد والهمجية لإسناده بهما محصورة في عدم انهيار الأسد السريع.

لدى السوريين مخزون هائل من الفاجعة، ولديهم مقدرة “عجيبة” في ذروة انقضاض الأسد عليهم، أن يقولوا لا كبيرة في وجه الأسد، درعا نموذج الفاجعة الحيّ وحمص وحلب ودير الزور وكل الأزقة والحواري والمدن التي نالت نصيبها من فاشية النظام، مخزونها من القدرة على المواجهة لن ينضب، هذه ليست تفاصيل لتحفيز الآمال، هي حقائق يدركها عدو السوريين قبل غيره، وإذا أمكن الوقوف بعيدًا من التفاصيل التي تحفز الآمال، والأخرى التي تستثير الشكوك؛ فإننا سنكتفي بوقفة أهالي كناكر بريف درعا الذين نظموا وقفة احتجاجية للأهالي، طالبوا فيها بطرد إيران من البلاد وخروج المعتقلين من سجون النظام. وتعتبر الوقفة الاحتجاجية في بلدة كناكر بريف دمشق هي الأولى في المحافظة بعد سيطرة النظام، بدعم جوي روسي، على كامل المنطقة في منتصف عام 2018.

هنا تبرز، أكثر مما برزت في أي مجال، أهمية التحركات المدنية في مناطق سيطرة النظام، وتبرز مقابلها عوامل تتضاعف لاستمرار الثورة، بعيدًا من اليأس الذي يبثه أعداء السوريين، كي يصبح سلاح الحذر من الثورة على النظام بديلهم من التهيب مجددًا، لتسويغ كل العقود التي تعيد للسوريين حريتهم وكرامتهم، وذلك مخزونهم ومؤونتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق