مقالات الرأي

معاداة الصهيونية ليست معاداةً لليهودية

تبنّت الجمعية الوطنية الفرنسية، يوم الثلاثاء 3 كانون الأول/ ديسمبر، قرارًا ضد معاداة السامية، قدّمه النائب سيلفان ماير، من حزب الأغلبية الحاكمة “الجمهورية إلى الأمام”. وقد سبق هذا التصويت نقاشات حادة بين نواب الحزب نفسه، وتمّ تبنيه بغالبية ضئيلة للغاية، حيث صوّت له 154 نائبًا من أصل 577 نائبًا، مع تصويت 73 نائبًا ضده. وقد بدا واضحًا أن الموضوع قد شكّل تحديًا أحرج العدد الأكبر من النواب؛ لأن أكثر من 550 منهم كانوا حاضرين قبل ساعتين من عرض اقتراح التصويت على هذا القرار، واستنكفوا عن متابعة الجلسة. وقد استغل النائب الماكروني موقفًا واضحًا لرئيسه أدلى به في العشاء السنوي الأخير الذي أقامه المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، حيث عدّ الرئيس الفرنسي حينذاك أن “معاداة الصهيونية تمثّل شكلًا حديثًا لمعاداة السامية”، فأثار بذلك كثيرًا من اللغط، وقام مفكرون فرنسيون وعرب بكتابة نصوص تدحض هذا الخلط.

وكما يرد في تعريف “التحالف الدولي لذاكرة الهولوكوست”، فإن معاداة السامية هي “موقف محدد من اليهود، يمكن له أن يتبدّى من خلال الكره تجاههم. والمظاهر العقائدية والفعلية لمعاداة السامية تستهدف أفرادًا يهودًا أو/ وأملاكهم، ومؤسساتهم الدينية ودور عبادتهم”. وبما أن هذا التعريف خلا من أي إشارة إلى معاداة العقيدة الصهيونية العلمانية البعيدة من الدين، على الأقل بحسب أصحابها الأوائل؛ فإن الجدل يبقى مفتوحًا لدى بعض من يودّون خلق بُعد آخر لهذا التعريف الواسع وغير الدقيق. وذلك وصولًا إلى الحسم بأن معالجة مسألة الدولة الإسرائيلية “غير عادلة”، وأن مطالبتها بالتصرف بطريقة معينة، خلافًا لما تُطالب به دول “ديمقراطية” أخرى، تمييزية.

وعلى الرغم من أن 127 مثقفًا يهوديًا وقّعوا نصًا في جريدة اللوموند، يدينون فيه هذا القرار، فإن صوت النفاق سُمع أكثر، والتقى في إصداره نوابٌ من الأغلبية مع نواب اليمين المعتدل، في سابقة نادرة. وقد رفض نواب اليسار -بمختلف تلاوينهم- القرارَ، وصوّتوا ضده معتبرين أن منطقًا كهذا سيزيد من القيود على حرية التعبير، وسيحدّ من إمكانية انتقاد سياسات “دولة إسرائيل”، ولن يقدم أي جديد لقضية معاداة السامية والعنصرية. وللدفاع عن اقتراحه، شدّد النائب مايار على أنه لا يدعو إلى عدم “انتقاد إسرائيل”، عندما يكون هذا مبررًا سياسيًا، بحسب قوله، ولكنه يرى أن التشكيك في وجود الدولة وتأسيسها يُعدّ “معاداة للسامية” لا جدال فيها.

في وجه هذا النفاق غير المسنود، يشقى عدد كبير من المثقفين العرب واليهود غير الصهاينة، في دحض مزاعم الدمج المشوّه، ويشدّدون على ضرورة التمييز بين ديانة توحيدية، وعقيدة سياسية سبق لروّادها أن طوّروها بناء على أسس شديدة العلمنة. مقابل هذه الجهود الحثيثة، نجد بعضًا من عامّة العرب والمسلمين يستسهلون الخلط، ويرفضون أي تمييز بين الصهيونية واليهودية، ليصل بهم الأمر إلى تأييد مُنكري وقوع الهولوكوست والمشككين في ما تعرّض له اليهود في أوروبا، خلال الحرب العالمية الثانية من فظائع. وفي حين يسعى العقلاء إلى رفع الشبهات التي تُحيط بهم والتي تدّعي أن في عدائهم لسياسات المحتل الإسرائيلي الاستيطانية تمويهًا لمعاداة لليهودية، يقوم بعضهم الآخر بالاحتفال بكتابات يمينيين متطرفين يشككون في السردية التاريخية لمأساة اليهود في أوروبا.

يمكن مؤقتًا فهم ردات فعل العامة وتعليقاتهم، على الرغم من أنها تُستخدم من قبل الصهاينة لكي يستمروا في لعب دور الضحايا، وتبرير عدائيتهم وعنفهم وانتهاكاتهم واحتلالهم واستيطانهم. بالمقابل، فمن الصادم أن ينضمّ مفكرون وباحثون وأكاديميون إلى جوقة التزييف والإنكار، وأن يروّجوا لكتاب “حكماء صهيون” الذي أنتجته مخابرات القيصر في روسيا في بداية القرن العشرين، كما يحتفون بنكرات متطرفة، كالمهرّج الفرنسي ديودونيه الذي يعادي السامية ويدّعي مناصرة القضية الفلسطينية العادلة.

في لقاء علمي عربي، حول العدالة الانتقالية، تطرّق أحد الباحثين إلى مسألة الذاكرة من الناحية النظرية، واستعرض أهمّ مفاهيمها، مستندًا بذلك إلى كتابات أوروبية خصوصًا وغربية عمومًا، من دون الرجوع إلى الكتابات العربية في هذا الحقل، التي صارت -على الرغم من ندرتها في الأزمان البعيدة- على كل لسان، مع اندلاع الثورات العربية وبدء عمليات القمع الدموي التسلطي. وفي معرض مداخلته الثرية والممتعة، على الرغم من جفاف الإلقاء، احتاج باحثنا إلى المقارنة (التي لا يمكن لها أن تكون مفيدة دومًا) إذ استعرض ما سمّاه “الذاكرة اليهودية/ الصهيونية” في فرنسا. فخِلت أن التعبير قد خانه، وظننت أنه سيتدارك الأمر ويتنبه إلى ضرورة التمييز في ما سيلي من حديث أسهب فيه. إلا أنه عاد وكرر التعبير بتأكد وثقة، من دون أن يرف له جفن. وعندما نبهته إلى ضرورة التمييز بين اليهودية كديانة والصهيونية كعقيدة سياسية، حتى لا يقع كلامه كتوابل نفيسة في صحون المغرضين من الصهاينة ومحبّي الاحتلال الإسرائيلي؛ أصرّ -بشدة انتابها عنف التعبير الجسدي- على المزج بينهما، مستندًا إلى تعاطف جزء لا بأس به من القاعة. فبماذا يختلف باحثنا، في عمق تفكيره، عن النائب الفرنسي “مايار” بسعيهما إلى خلط المفاهيم؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق