سلايدرقضايا المجتمع

تحسين مستوى معيشة أم حقنة مهدئة!

بعد انتظار طويل، أتت زيادة الرواتب، ولكنها قطعًا لم تكن كما كان يأمل الموظفون، على الرغم من الأرقام التي قد تبدو كبيرة بصيغتها المجردة، ومن الضجة الإعلامية التي أثيرت حولها وما يزال صخبها عاليًا، ومن كل بهلوانيات المسؤولين، وفي طليعتهم وزير المالية الذي لا يمكن وصف حديثه إلا بالجهل أو الاستجهال، وهذا هو الأرجح.

ليس السبب الوحيد، لكون هذه الزيادة في الأجور محبطة، هو تدني قيمتها الفعلية على مستوى القوة الشرائية، بعد أن فقدت الليرة السورية منذ بداية الأزمة قيمتها بنسبة أكثر من 16 مرة، وما زال انهيارها مستمرًا بخطوات سريعة، ولا هو في كون الأسعار تضاعفت بتلك النسبة أو أكثر، فيما لم تبلغ قيمة كل الزيادات قبل الأخيرة -منذ بداية الأزمة- القيمة التي تجعل الراتب يتضاعف مرة واحدة، بل يضاف إلى ذلك أيضًا أن هذه الزيادة الهزيلة هي بحد ذاتها خادعة، وبدرجة كبيرة! وبمختصر الكلام: هي خديعة أكثر منها زيادة، ولكيلا نعطي فرصة للمزاودين، باتهامنا بتزييف الحقائق، سنتحدث بلغة الأرقام!

هذه الزيادة تضمنت إضافة عشرين ألف ليرة على الراتب المقطوع، وقد تم أيضًا دمج تعويض المعيشة مع الراتب المقطوع، وفي الوقت الذي كان الموظف فيه يأمل أن تكون الزيادة فعليًا عشرين ألف ليرة كاملة على راتبه، وذلك عبر إعفائها من الضرائب فينطبق عليها مثل الصرة التي تسند الجرة بأضعف الإيمان، حدث هو العكس، فهذه العشرون ألف المزادة لم تعف من الضرائب، وليس هذا وحسب، بل أخضع معها 11500 ليرة أخرى للضرائب والحسوم، ما يعني أن الموظف أصبح يدفع ضرائب ورسوم إضافية على مبلغ 31500 ليرة.

وبما أن نسبة ضريبة الدخل تصاعدية، فقد جاءت العواقب وخيمة على معظم الموظفين، ولا سيما القدماء منهم، حيث التهمت الضرائب عند كثيرين منهم ثلثي الزيادة التي حصلوا عليها، وهذا ما سنقدم عليه لاحقًا بعض الأمثلة!

في نظام ضريبة الدخل السوري، تعفى أول خمسة عشر ألفًا من الراتب الشهري، من الضريبة، فيما تبلغ نسبة الضرائب كما يلي:

من 15-20 ألف 5%

من 20-25 ألف 7%

من 25-30 ألف 9%

من 20-38 ألف 11%

من 38-50 ألف 13%

من 50-65 ألف 16%

من 65-75 ألف 19%

من 75 ألف فما فوق 22%

وبعد الزيادة الأخيرة؛ أصبح الحد الأعلى للرواتب المقطوعة للفئة الأولى هو 80,240 ليرة، وذلك بعد دمج تعويض المعيشة، أما الحد الأدنى لها فهو 47,675 للفئة الخامسة.

فلننظر الآن -على سبيل المثال- في الحسوم التي تعرض لها راتبا مهندسين من الفئة الأولى، بدأا العمل في أواخر عام 1996:

الأول:

قيمة آخر راتب مقطوع مع التعويضات قبل الزيادة: 66842 ل.س.

الصافي للدفع: 486133 ل.س.

قيمة الراتب المقطوع مع التعويضات بعد الزيادة: 86842 ل.س.

وهناك فعليًا زيادة على الورق بقيمة 20 ألف ل.س.

أما مجموع الحسوم الثابتة قبل الزيادة فقد كان 18709 ل.س.

وأصبح بعد الزيادة 29138 ل.س.

أي أنه دفع 10474 ليرة إضافية بعد الزيادة!

ولن ينتهي الأمر هنا، فكونه يقيم في سكن عمالي ضريبته الشهرية هي 8% من الراتب المقطوع والتعويضات الثابتة، فسيتم في الشهر القادم حسم مبلغ إضافي يعادل 31500*8%= 2520 ليرة، لأن الراتب المقطوع ازداد، وهكذا يصبح مجموع الحسوم الإضافية لهذا الموظف هو: 12994 ليرة، أي أن ما تبقى له من العشرين ألف المزادة هو 7006 ليرات فقط، أي ما نسبته 35% منها فقط.

وقد دفع هذا الشخص 2205 ليرات إضافية كتأمينات اجتماعية، و1890 ليرة إضافية كرسم لنقابة المهندسين، و4992 ليرة إضافية كضريبة دخل، إضافة إلى الفرق في رسم السكن العمالي المذكور أعلاه، وإضافة إلى إضافات أخرى متفرقة ارتفعت بدورها.

أما تعويضات هذا الموظف، كغيره من الموظفين، فما زالت على قيمها المزرية أصلًا قبل الأزمة، ولم يطرأ عليها أي تعديل، ومنها:

تعويض عائلي: 450 ل.س.

طبيعة عمل: 2044 ل.س.

اختصاص: 2214 ل.س.

ساعات إضافية: 5000 ل.س.

فالحسوم وحدها التي تحسب نسبها من الراتب الحالي، أما التعويضات فلا، ويمكن أن تحسب وفقًا لرواتب أعوام خلت أو عقود خلت، كما كانت حال التعويضات قبل تعديلها الوهمي عام 2004!

أما نسبة الزيادة الفعلية على راتب هذا الموظف فقد بلغت تقريبا 15%.

الثاني:

راتبه المقطوع بعد الزيادة: 75531 ل.س.

الصافي للدفع قبل الزيادة: 47027 ل.س.

الحسوم قبل الزيادة: 18031 ل.س.

الفرق في الحسوم: 10302 ل.س، وسيضاف إليها بالطبع 2510 فرق سكن، وقد صار يدفع:

4845 ل.س فرقًا في ضريبة الدخل، و2205 ل.س فرقًا في التأمينات، و1890 ل.س فرقًا في رسم نقابة المهندسين.

أما تعويضاته فهي:

تعويض عائلي: 450 ل.س.

طبيعة عمل: 1957 ل.س.

اختصاص: 2120 ل.س.

ساعات إضافية: 5000 ل.س.

وقد بلغت نسبة الزيادة لهذا الموظف أيضًا قرابة 15% فقط.

وكما نرى، هذان الموظفان، اللذان يعملان في القطاع العام منذ ربع قرن، لم يتبق لهما من الزيادة المزعومة إلا ثلثها تقريبًا، وهما لن يستفيدا طويلًا من الترفيعة الدورية في الرواتب التي تبلغ 9% كل سنتين، لأنهما قريبين من سقف راتب فئتيهما، وبذلك لا ينطبق عليهما ادعاء وزير المالية بأن دمج تعويض المعيشة مع الراتب هو لمصلحة الموظف، حيث سيفيده في نسبة الترفيع الدوري، وعدا ذلك فأي ترفيعة دورية سينالها أي موظف، هي الأخرى ستخضع بدورها لنفس نسب الضرائب والرسوم، ولن يتبقى منها إلا قرابة الثلث للموظفين القدماء.

ما تقدم هو فقط مثال على وضع شريحة من الموظفين، أفنت عمرهما في العمل في القطاع العام، ولكن وضع غيرها من الشرائح ليس أفضل حالًا بكثير، حتى الشريحة الدنيا من السلم الوظيفي لن تسلم من فكي نظام الضرائب والحسوم السائد. حيث إن صاحب الأجر الأدنى من الموظفين سيدفع أكثر من 2500 ل.س. فرقًا في ضريبة الدخل، وسيدفع الفرق نفسه في رسوم السكن، إن كان يقيم في سكن عمالي، و2205 ل.س فرقًا في التأمينات، ما يعني أنه بدوره سيفقد قرابة ثلث الزيادة الاسمية التي حصل عليها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل هذه الفروق في الحسوم، لن يحصل مقابلها الموظفون على خدمات وفوائد إضافية، فهي حسوم زائدة بلا مقابل، حتى التأمينات منها، فهي بدورها مؤجلة إلى ما بعد التقاعد، وكثيرًا ما يبلغ معظم الموظفين سقوف رواتبهم قبله بسنوات.

خلاصة الأمر أن هذه الزيادة راوحت بين أقل من 10% لأصحاب الشرائح العليا من الرواتب، وحوالي 30% لأصحاب الشرائح الأدنى منها، هذا في الوقت الذي خسرت فيه الليرة، في الشهرين الأخيرين وحدهما، أكثر من ربع قيمتها، وأكثر من نصف قيمتها خلال العام الحالي، وقد ارتفعت الأسعار بنسبة مشابهة على أقل تقدير.

وإذا ما نظرنا إلى قيمة الرواتب الحالية؛ فسنجد أنها تراوح بين 50 و75 تقريبًا بسعر الدولار الحالي، وإذا ما استمر تدهور الليرة وبلغ صرف الدولار ألف ليرة سورية، مع نهاية هذا العام، كما هو متوقع، فستراوح عندها بين 40 و 60 دولارًا، وهذا أدنى بكثير من خط الفقر العالمي، البالغ 1.90 دولارًا للشخص في اليوم.

وبشكل عام، يمكن القول إن مستوى الحياة في سورية انخفض اقتصاديًا بنسبة ثماني مرات، على أقل تقدير، حتى الآن بالنسبة إلى موظفي القطاع العام، وما يزال الانخفاض مستمرًا بوتيرة سريعة.

من التبريرات المثيرة للاشمئزاز، حول ارتفاع نسبة الحسوم بعد الزيادة الأخيرة عند النسبة الأكبر من الموظفين، قول أحد المسؤولين إن هذا الأمر جاء بسبب (ارتفاع) رواتبهم، وهذا ليس ذنب الحكومة! كما أن معدلات الضريبة في سورية تعتبر منخفضة، بالمقارنة مع العديد من دول العالم!

وربما يجب على “الشعب الناكر للجميل” أن يشكر أمثال هذا المسؤول، لأنهم لا يفرضون عليه ضرائب رفاهية، أو لا يفرضون عليه ضرائب قد تتجاوز 60% التي تفرضها أحيانًا بعض الدول الرأسمالية على أصحاب مليارات الدولارات بغية إعادة توزيع الثروة!

لا ندري ما هي المعايير التي يعتمدها هذا المسؤول وأمثاله، عندما يتحدثون عن “رواتب مرتفعة” في سورية، وجلّ السوريين يقعون الآن تحت خط الفقر، ولا سيّما موظفي القطاع العام منهم، وفي مثل هذه الظروف يجب على أي حكومة تحترم نفسها وشعبها، أن تعفي موظفيها ومن هم في مستواهم الاقتصادي من بقية المواطنين إعفاءً تامًا من الضرائب، ولكن هذا الاحترام المسؤول لا وجود له عمومًا في قواميس المسؤولية الرسمية عند المسؤولين السوريين، الذين تعودنا من غالبيتهم العظمى على مواقف ومعايير سلوكية بعيدة من المنطق والأخلاق، بُعد المريخ عن الأرض!

أما القفزات العالية الأخيرة في سعر الدولار، فقد وجدت تبريرًا لها في “الانتفاضة اللبنانية”، التي يعتبرها كثير من الموالين، ولا سيّما في مواقع (المسؤولية) جزءًا من المؤامرة على سورية، وهذا الجزء ضرب هذه المرة “الخاصرة الرخوة لسورية” أي لبنان، وكأن الأمور قبل بداية الانتفاضة اللبنانية كانت على ما يرام، ولم يكن سعر الدولار قد تجاوز الـ 600 ليرة.

وعلى أي حال، فهذا التبرير لا يخرج من إطار (لغة المؤامرة) التي تعود جل المسؤولين السوريين استخدامها لتبرير كل عوراتهم وعواقب مفاسدهم الوخيمة، واعتبارهم للانتفاضة اللبنانية جزءًا من المؤامرة على سورية، هو مجرد حلقة من مسلسل اعتبارهم لكل انتفاضات الربيع العربي مؤامرة، هدفها الأكبر والأهم الوصول إلى سورية “قلعة المقاومة والمانعة” والنيل منها!

أما السبب الفعلي لتواصل ارتفاع الدولار، فيمكن اعتباره نتيجة طبيعية لحالة التدهور الاقتصادي الكارثية المستمرة منذ بداية عام 2011، لكن بعض التحليلات الاقتصادية تذهب إلى أن هذه سياسة متعمدة ينتهجها المصرف المركزي في سورية، لتغطية العجز الحاد في الميزانية، ووفقًا لبعض التحليلات، سيحقق المصرف المركزي -عبر خفض قيمة الليرة من 600 إلى 750 ليرة مقابل الدولار الواحد- وفرًا أوليًا قدره 167 مليون دولار، في كتلة رواتب العام 2020 المقدرة بـ 501 مليار ليرة.

طبعًا، لا يمكن الجزم بشكل مؤكد بصدقية هذا الطرح، ولكن الحديث عن تخفيض مفتعل لسعر الليرة من قبل الجهات المعنية ليس جديدًا، وهو لا يصدر فقط عن معارضين، فقد تحدث قدري جميل نفسه، وهو اقتصادي موال، منذ عدة سنوات، عن مثل هذا الأمر في حالة مماثلة، كان سعر الدولار فيها يتصاعد بوتيرة عالية!

خلاصة الكلام أن الزيادة الأخيرة المزعومة لن تُحسّن قطعًا حال الموظف السوري، ولن تدفع قدمًا عجلة الاقتصاد، كما ادعى وزير المالية، الذي يبدو أنه لا يبصر أو لا يريد أن يبصر الواقع، فهذه الزيادة البائسة التهمت الضرائب والرسوم معظمها، وما تبقى منها التهمه ارتفاع الأسعار الصاروخي أضعافًا قبل وبعد الزيادة، ما يعني في المحصلة أن هذه الزيادة الاستعراضية والبهلوانية ليست في حقيقتها أكثر من “حقنة مهدئة” للشعب الذي يكتوي بنار الانهيار الاقتصادي، وسواها من نيران الأزمة الكارثية، وهي في المحصلة ليست “زيادة”.. بل “نقاصة”، بكل المعايير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق