تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

شكوك حول “تأديب إسرائيل” لإيران في سورية

قصف الجيش الإسرائيلي عشرين هدفًا تابعًا لقوات النظام السوري وإيران، داخل الأراضي السورية، وتحديدًا في محيط العاصمة السورية دمشق، صباح الأربعاء 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، ردًا على صواريخ أُطلقت قبل يوم من سورية على “إسرائيل”.

إحدى الغارات استهدفت قائدًا في حركة (الجهاد الإسلامي)، وهو أكرم العجوري، لكنها لم تقتله، وأكد أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أن الغارات استهدفت عشرات الأهداف العسكرية التابعة لـ “فيلق القدس” الإيراني داخل الأراضي السورية، تشمل صواريخ أرض – جو، ومقار قيادة ومستودعات أسلحة وقواعد عسكرية.

لم يكن هدف الغارة الإسرائيلية إحباط هجمات إيرانية وشيكة، أو تحضيرات لوجستية خطرة يقوم بها “حزب الله”، بل كانت جزءًا من عمل روتيني إسرائيلي طويل الأمد، يهدف إلى منع تأسيس أي وجود عسكري قريب من “حدود إسرائيل”، وهو ما لا علاقة للنظام السوري به، بل تضلع به إيران و(حزب الله) وبعض الحركات الفلسطينية المجنّدة لخدمة المشروع الإيراني ودعم النظام السوري.

لم تتوقف الهجمات الجوية والصاروخية الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سورية، منذ سنتين تقريبًا، وهي تشمل مستودعات أسلحة ومقار تدريب لـ “حزب الله” ومقار عسكرية للحرس الثوري، فضلًا عن أماكن قيل إنه يجري تصنيع صواريخ متوسطة المدى فيها؛ فتحولت الأرض السورية، بفضل إيران وفضل النظام السوري الذي فسح لها المجال لتستبيح السيادة السورية، إلى ساحة حرب بين إيران و”إسرائيل”، لا علاقة للشعب السوري بها.

لم يعد النظام السوري ومسؤولوه يقولون إن نظامهم سيرد في الوقت المناسب والزمان المناسب، على الغارات الإسرائيلية، ولم تعد وسائل الإعلام السورية، سواء الحكومية أو تلك الموالية للنظام، تتوعد كثيرًا “إسرائيل” وتتهجم عليها نتيجة غاراتها، ويعتقد كثيرون أن هذا التراخي ناتج عن كثرة الغارات وتكرارها وعدم توقفها، حيث تحولت إلى أعمال روتينية تأقلم معها النظام السوري.

لكن الأمر في عمقه مختلف عن ذلك، فقبل عام 2017، كان الهدف الرئيس لـ “إسرائيل”، من وراء الهجمات الجوية والصاروخية داخل سورية، هو قوات النظام السوري التي حاولت تسهيل مهام “حزب الله” في جنوب غرب سورية، وقامت بتصنيع صواريخ طويلة المدى، وأنشأت مراكز أبحاث عسكرية لتطوير الأسلحة الكيمياوية، لكن الهدف الرئيس للهجمات الجوية والصاروخية الإسرائيلية داخل سورية، بعد عام 2017، صار الحرسَ الثوري الإيراني، وفرعه “فيلق القدس”، وقادة “حزب الله”، وبعض الفصائل الفلسطينية التي تسيّرها إيران.

الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة التي لم تنقطع منذ نحو عامين، قتلت أعضاء من قوات الحرس الثوري الإيراني، وأجبرت الجنرال قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس”، القوة الأكبر في الحرس الثوري الإيراني، على تغيير وتيرة وآلية نشر القوات والأسلحة في سورية من وقت إلى آخر، لكنها لم تمنعه من مواصلة سعي إيران للهيمنة على الأراضي السورية، وبخاصة في الغرب والجنوب، وتحديدًا على طول الحدود مع “إسرائيل”.

خلال السنوات الأولى بعد انطلاق الثورة السورية، التزم المسؤولون العسكريون والسياسيون الإسرائيليون الصمت، ولم يتحدثوا عن الغارات التي قامت بها القوات الإسرائيلية، ورفضوا تحمّل مسؤوليتها، وفرضوا التكتّم حولها، لكنهم في السنتين الأخيرتين أطلقوا تصريحات متكررة ونارية، ضد إيران وضد “حزب الله”، وتفاخروا بغاراتهم، على الرغم من وجود روسيا كحام للنظام وحليف لإيران في سورية.

للولايات المتحدة دورٌ في تصعيد الموقف الإسرائيلي، خاصة أن الأولى تريد أن تلجم إيران في الشرق الأوسط، ربما انطلاقًا من سورية، لكونها الحلقة الأكثر ضعفًا لإيران في المنطقة، وليس كما هي الحال في العراق ولبنان، حيث تتحكم إيران في مصير الدولتين، على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي.

لم تستطع أي جهة تحديد ما قصفته “إسرائيل” في سورية، وكل ما قيل يُنقل عن إعلام النظام أو عن إشاعات تتداولها مصادر غير وثيقة، ولم يعرف أحد حجم الخسائر الحقيقية التي سببتها الغارات الإسرائيلية لإيران في سورية، ولم تقم “إسرائيل”، كما تقوم الولايات المتحدة عادة، بتصوير الأهداف قبل وبعد قصفها، ولا بمتابعة حيّة لمسار الصواريخ، ومن هذا المنطلق، يمكن لأي متابع أن يُشك في الأمر برمّته.

هل قصفت “إسرائيل” مرتكزات إيرانية في سورية؟ وهل أوجعتها؟ وهل تسببت في خلل في التوازن العسكري، أو أحدثت بعشرات الغارات ومئات الصواريخ خرقًا يُحسب له حساب؟

على الرغم من العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، فإنها “تُبقي دائمًا الباب مواربًا في علاقتها مع النظام الإيراني، وتوحي الأحداث بأن ثمّة علاقة من تحت الطاولة، إن اقتضى الأمر، ولم تقم الولايات المتحدة بأي خطوة لمنع التخريب والتوسّع الاحتلالي الإيراني، لا في لبنان ولا العراق ولا اليمن ولا سورية، وأعلت الصوت دون أن تُعلي العصا، وكذلك فعلت “إسرائيل”، التي طالما تراجع المسؤولون الإيرانيون عن القول بأنها شيطان وأنهم سيبيدونها، إذ لم تقم بتأديب إيران، أو على الأقل لم تُثبت أنها “أدّبت” إيران في سورية، بالدليل الملموس.

يمكن أن نفهم التصعيد الأميركي والإسرائيلي ضد إيران في سورية، لكن من الصعب أن نصدّقه؛ ما لم يأخذ منحًى تأديبيًا قاسيًا موجعًا وملموسًا وعلنيًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق