سلايدرقضايا المجتمع

مؤتمر المسيحيين العرب يشدد على رفض تحالف الأقليات

اختَتم المؤتمر الأول للمسيحيين العرب أعماله في العاصمة الفرنسية باريس، بالتأكيد على ضرورة قيام الدولة الوطنية التي تنقلهم والمسلمين، من حالة الجماعة إلى حالة المواطن الفرد، حيث يتساوى الجميع أمام القانون، والتأكيد على رفض مبدأ تحالف الأقليّات الدينية والمذهبية والإثنية، ورفض مناداة الخارج القريب والبعيد للحماية والغلبة في الداخل.

وأعلن المشاركون في المؤتمر الذي حمل عنوان (إشكاليات اليوم واحتمالات الغد) انتسابهم إلى أوطانهم في عالم عربي، يساهمون في بنائه مع جميع المواطنين على قاعدة الحرية والعدالة والمعاصرة، وطالبوا بقيام الدولة المدنية الوطنية الحديثة التي ترتكز على الفصل بين الدين والسياسة، وتؤمن حقوق الإنسان والمواطن الفرد.

ودعوا شبابَ الثورات العربية إلى التمسك بالطابع السلمي للتحركات، مشيرين إلى أن تجربة الربيع العربي بطبعته الأولى، وخاصةً في سورية، أكدت أن عنف الأنظمة الاستبدادية والمجموعات الإرهابية لا يقاومه إلا شجاعة سلميّة التحركات. وشددوا على ضرورة أن يكون هناك سلامٌ بين جميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم وعرقهم، تحت مظلة أنظمة ديمقراطية معاصرة، ومن خلال أنظمة وطنية مدنية دستورية تسود فيها العدالة الاجتماعية والقانون، كما دعوا إلى الحفاظ على الهوية العربية الجامعة، بوصفها رابطة ثقافية غير أيديولوجية وغير دينية، تعززها المصالح العربية المشتركة، مع تجديد رابطة العروبة انطلاقًا من قيم المساواة والمواطنة والحق في الحياة الكريمة.

في افتتاح المؤتمر الذي شهد حضورًا كبيرًا من مختلف الدول العربية، مسيحيين ومسلمين، قال فارس سعيد، المسؤول عن المؤتمر: “نحن -مسيحيّي العالمِ العربي- يربطنا بمسلميه مشترك أعظم، في الماضي والحاضر والمستقبل. ونحن نرفضُ تحالفَ أقليات دينية في وجه الغالبية السنيّة، ونرفض الحمايات، سواء أكانت داخلية من خلال أنظمةٍ استبدادية وميليشيات نظامية، أم خارجية من خلال جيوشها الوافدة وأذرعها المقيمة، وتعلّمنا أنّ كل من ادّعى حمايتَنا إنما كان حاميًا لمصالحه، وكنّا له أكياس رمل! وقد جئنا من مشارِب مختلفة، ومن تجاربَ أليمة، ومن نجاحات قليلة وخيبات كثيرة.. ولكننا نأمل أن يكونَ لمبادرتنا هذه إسهام في خلاصنا، الذي يكون بالجميع أو لا يكون، وللجميع أو لا يكون.. لقد نظرنا إلى الثورة السورية في بداياتها بعينِ الأمل، وقرأتُ شخصيًا رسالة المجلس الوطني السوري التي أرسلها إلى مؤتمر 14 آذار/ مارس عام 2012، كعربون تضامن ووحدة حال، وتألّمنا كثيرًا عندما نجح نظام الأسد المجرم في جرّ سورة إلى حرب أهلية، ليبقى متسلطًا بالقوة والطغيان على كل مكوناتها الأهلية”.

من جهة ثانية، قال المعارض السوري ميشيل كيلو: “ليس بين مرامي لقائنا، كما أفهمه، فصل الدين عن الحياة، ووضعهما أحدهما في مواجهة الآخر، أو تغريب أحدهما عن الآخر. الدين للبشر، وكذلك مؤسساته وكنائسه، التي لا بد أن توضع مثله في خدمتهم، وتتضامن معهم، وتتبنى قضاياهم، وتحفظ حياتهم، وتنحاز إليهم ضد الظالمين والمستبدين، خاصة إن كانوا حكامًا طغاة، وتؤيد ما يضحون في سبيله خلال ما نعيشه من عصف إنساني شامل وغير مسبوق، يمارسه أناسنا، وخاصة الشبيبة وأجيالهم الجديدة، بأعلى قدر من الإصرار، لاتفاقه مع ما ينتظرونه منذ عقود، بل قرون، ولأنه يوحّدهم في الحق”، وأضاف: “نحن هنا لدعم هذه الوحدة، وما تقوم عليه من قيم، علينا أن نرى من الآن فصاعدًا معتقداتنا بمنظارها، لكيلا تذهب وتبقينا في الجانب المظلم من وجودنا، الذي يغري -على سبيل المثال- أمراء الكنيسة في سورية، بمناصرة القتلة على ضحاياهم، وقد تحوّلوا إلي أدوات في أيديهم، وأنسونا أن المسيحية ليست للمسيحيين وحدهم، بل لجميع البشر، وليست ملك أمراء كنائسها، أمراء الدين الخاضعين لأمراء الاستبداد، الذين لو رأوا أنفسهم بأعين مسيحية؛ لآثروا أن ينزلوا إلى الشوارع مطالبين بحقوق السوريين، بدل امتطاء دبابات الأسد وإطلاق النار على هؤلاء، والمشاركة في سفك دمائهم”.

فيما قالت الباحثة السورية المعارضة سميرة مبيض: “إن تقسيم المجتمع إلى أقليات هو أحد الأمراض الأسدية التي هيمنت في سورية طوال عقود، وتحاول إيران أن تعيد تدويرها واستخدامها في عموم المنطقة العربية. ومن أخطر عوامل تهديد الهوية الوطنية تصنيف السوريين المسيحيين كأقلية، إضافة الى مواقف بعض رجال الدين الخاطئة في دعم النظام الاستبدادي مبتعدين من تمثيل السوريين المسيحيين، ومواقفهم الوطنية والإنسانية، وصوتهم، الذي ينعكس اليوم في هذا المؤتمر، والذي سينهض بمسؤوليتهم عن إعادة الروابط الإنسانية والوطنية إلى المجتمع السوري”، وأضافت: “لقد تحمل مسيحيو سورية نتائج هذا التوجه الطائفي، والصراعات التي تضع الفئات السورية المختلفة في خدمة الاستبداد وسياساته، وتتجاهل حقهم الأساسي في العيش الآمن على أرض وطنهم وأرض أجدادهم، وتجعل الانتماء الأقلوي عائقًا أمام بناء المواطنة، وبناء هوية سورية جامعة تتضاءل في ظلها صعوبات الوصول إلى دولة القانون والمساواة”.

إلى ذلك، قال المعارض السوري جورج صبرة: “ليس للسوريين المسيحيين أي قضية خاصة خارج القضية الوطنية العامة للشعب السوري، وليس لديهم مظالم أو مطالب فئوية بعيدًا من مطالب شعبهم في الحرية والكرامة. وهم يحلمون بسورية الجديدة وطنًا حرًا لكل أبنائها، التي تحقق ما ساد تاريخيًا من تآلف وتعاون في فضاء وطني، ينمي حقهم في العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. وطن هم جزء أصيل من شعبه، وليسوا أقلية تخدم المستبدين أو تسمح بالتلاعب بها من الخارج. فالثورة لجميع السوريين، وفي انتصارها المنشود حياة جديدة وواعدة”.

وقال الأب فادي ضو: “لا حقوق خاصة للمسيحيين ليست للآخرين، وعلى المسيحيين مع سائر المواطنين النضالُ من أجل حقوق كل إنسان، بما فيها الحق في الاختلاف وحرية الفكر والمعتقد والتعبير، ولا ضمانات مطلوبة للمسيحيين، لأنهم هم ضمانة العروبة كأفق ثقافي منفتح على التنوّع والمثاقفة والعيش معًا، ونعم لنضال المسيحيين مع سائر المواطنين، من أجل بناء دولة المواطنة الحاضنة للتنوع، وابتداع أنماط ناجحة من إدارة التنوّع الثقافي والديني بشكل عادل وخلاق، بعيد كل البعد من التقوقع والتحالفات الأقلوية، ونعم لنضال المسيحيين مع سائر المواطنين من أجل تحرير العروبة من الذكورية والبطريركية، كما فعل صبايا الانتفاضات في لبنان والعراق والسودان، ونعم لدور المسيحيين في إحياء اللغة العربية، وتطوير الدور الثقافي العربي وكل اللغات والثقافات الأخرى داخل دولهم”.

فيما قال النائب عماد جاد: “الحل النموذجي للمسيحيين في بلاد المشرق العربي هو الاندماج في إطار الجماعة الوطنية، والعمل على بناء الدولة الوطنية التي تنهض على حكم القانون والمواطنة”، وأضاف: “إن بناء الدولة الوطنية المدنية الحديثة التي تنهض على دستور مدني وحكم القانون هو الخيار الوحيد للتعايش والعيش المشترك في هذه المنطقة… ولا مجال مطلقًا للحديث عن تحالف أقليات أو استقواء بالخارج”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق