مقالات الرأي

مسيحيو المشرق هم ملح هذه الأرض

بمناسبة انعقاد المؤتمر الأول للمسيحيين العرب في باريس، بحضور نخبة من المثقفين والسياسيين العرب من دول عربية، وخاصة من بلاد الشام والعراق، يدور نقاش وحوار، بين أبناء المنطقة، حول الوجود المسيحي وتاريخه ودوره، وعن حقيقة التحديات التي تعترض المسيحيين وتجبرهم على الهجرة، وعن دورهم في معركة الصراع بين الحرية والاستبداد.

منذ آلاف السنين، سكنت منطقة بلاد ما بين النهرين، وخاصة في شمالها (سورية) الممتدة في مساحات واسعة، جنوبها هو فلسطين والأردن، وشرقها جزء من العراق الحالي، وشمالها يشمل مناطق واسعة من جنوبي تركيا، وغربها البحر الأبيض المتوسط.

وعندما نتحدث عن المسيحيين في المشرق العربي، لا بدّ من أن نذكر أقدم شعب في المنطقة، وهم السريان، ولغتهم الآرامية لغة السيد المسيح عليه السلام. والسريان أقدم شعب سكن منطقتنا، ثم اعتنقوا المسيحية، ونشروها في العالم حتى وصلوا إلى الهند والصين وإلى روسيا وأوروبا وأفريقيا.

لعب السريان دورًا مهمًا جدًا في بداية الدولة الأموية، حيث كان الحُسّاب والمترجمون والعلماء أغلبهم من السريان المسيحيين، وكانت تُوكل إليهم أهمّ المناصب المتعلقة ببيت مال المسلمين والترجمات والطب، وكانوا رُسل الدولة الأموية وسفراءها. وتذكر كتب التاريخ أن الصين، قبل ألفين سنة، كانت تستعين بالسريان ليكونوا سفراء لها، لأن السريان كانوا النخبة المثقفة والمتعلمة والخبيرة، وكانوا يكتبون باللغة الآرامية، التي تحدث بها السيد المسيح -عليه السلام- وكانت لغة المجتمعات الراقية، وما زال سكان مدينة معلولا السورية يتحدثون بها حتى اليوم.

وتذكر العالمة الروسية بيغوليفسكايا (المختصة بتاريخ السريان وثقافتهم) أن السريان والثقافة السريانية لعبا دورًا عظيمًا للغاية إبان القرون الميلادية السبعة الأولى في التطور الحضاري لمنطقة الشرق الأدنى (المعروف بالأوسط حاليًا). فقد لعب السريان دور حلقة الوصل، بين حضارات وثقافات ذلك العصر، وبخاصة الحضارتين الفارسية واليونانية، وبين أقوام الهلال الخصيب (العراق، سورية، لبنان، الأردن، وفلسطين). وقد تنامى هذا الدور، وتعاظم في القرنين السابع والثامن الميلاديين، عندما حدث الاحتكاك الحضاري والديني، في بدء نشوء الخلافة الإسلامية، بين القوتين الأعظمين المسيحية ومعها الغرب والبيزنطيون، وبين الشرق الإسلامي. وقد لعب السريان دورًا وسيطًا، وساهموا في تبادل الثقافات والفلسفة بين المشرق والغرب، وكان دورهم متميزًا ونادرًا، كونهم ارتبطوا بالعرب من ناحية العيش المشترك والتاريخ والثقافة، وبالغرب من الناحية الدينية.

في العصر العباسي (ق 9 م) اشتهرت دار الحكمة[1]، التي تشبه أكاديمية العلوم في العصر الحديث، حيث تمركز كبار العلماء المسلمين وغير المسلمين، العرب وغير العرب، ومنهم السريان، وكان منهم عائلات بأكملها تقوم بترجمة أمّات الكتب العلمية من اليونانية والهندية إلى السريانية ثم العربية، في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها.

عصر الترجمة العربية، وهو الأساس الذي انطلقت منه كل الحضارة العربية الإسلامية، بدأ بجهود العلماء السريان المسيحيين، وقد كانوا دائمًا يعتبرون أنفسهم جزءًا أصيلًا من تلك الحضارة، وكانت تسمى حضارة إسلامية (كون الدولة إسلامية) أو عربية (كون اللغة والثقافة عربية)، لكنها في الحقيقة هي نتاج إبداع وإسهام عقول تنتمي إلى أقوام وشعوب وديانات ومذاهب من أصقاع العالم كافة. أي أن مصطلح الحضارة العربية الإسلامية هو مصطلح ثقافي جغرافي مدني (انتماء إلى الدولة) أكثر منه اثنيًا أو دينيًا.

لست مؤرخًا، ولا أريد الخوض في نقاش مسألة مسيحيي المنطقة أهم عرب أم سريان. وهل جميع شعوب المنطقة -السامية- تعود لأصل واحد هو العربي القادم من الجزيرة العربية.

ما يهمني أنه خلال آلاف السنين، انصهرت الثقافات واختلطت الشعوب وتأسست حضارات عظيمة في منطقة الهلال الخصيب، وقدّمت للبشرية مكتشفات كبرى: فأول أبجدية في التاريخ ظهرت في أوغاريت (تل شمرا) قرب اللاذقية، وانتقلت الموسيقى من سورية إلى العالم، وتأثر عالم الفلك كوبرنيكوس بنظرية الفلكي الدمشقي ابن الشاطر، وانتقلت الأرقام العشرية الهندية إلى أوروبا من خلال كتاب الخوارزمي (ق 9 م) الشهير (الكتاب الكبير في سند هند). علمًا أن المصادر التاريخية تشير إلى أن قسيسًا مسيحيًا اسمه سيفر سيبوخت عاش في القرن السابع الميلادي، في سورية على ضفاف الفرات (في مدرسة حران)، تحدث عن طرق الحساب الهندي قائلًا: “لن أتكلم عن علم الهنود، عن اكتشافاتهم الذكية، تلك التي تفوق التي وصل إليها الإغريق والبابليون، وعن طريقتهم الفريدة في الحساب. سأشير فقط إلى أن حسابهم يتم بواسطة تسعة رموز”. أي أنه عرف الأرقام العشرية عن طريق التواصل بين رجال الكنيسة، قبل الخوارزمي بمئات السنين. ويعتبر ذاك القس العلاّمة وريث مدارس سريانية علمية عظيمة في نصيبين وجنديسابور والرها وحران وغيرها الكثير، انتشرت قبل الإسلام وكانت مصدر إشعاع علمي ومعرفي في الفلسفة واللاهوت والطب والرياضيات وغيرها.

وعلينا أن نشير إلى دور العلماء السريان في نقل علوم الطب بأنواعها في مدينة الإسكندرية[2] التي عمل فيها العلماء الإغريق، وكوّنوا علومهم القيمة، ثم انتقلت لاحقًا إلى المدارس السورية (السريانية). وكان المسيحيون جنبًا إلى جنب مع العرب وبقية الشعوب على مرّ التاريخ في بناء الحضارة والمجتمع في منطقتنا وبشكل خاص في سورية.

وفي عصر النهضة العربية ضد الحكم العثماني، كانت النخب المسيحية المثقفة في طليعة رواد النهضة، فهم دافعوا عن اللغة والثقافة العربية، وعُلقت مشانقهم في دمشق وبيروت.

ولكن -مع الأسف- مرّت فترات عصيبة على المسيحيين تعرضوا فيها للاضطهاد، واضطروا إلى الهجرة القسرية. فالمؤرخ المعروف ألبرت حوراني يقول: إن المسيحيين في الهلال الخصيب ومصر شكلوا 90 بالمئة من مجموع السكان، عندما انتقلت الدولة من دمشق الأمويين إلى بغداد العباسيين عام 750م، وإن تراجع نسبتهم في تلك البلاد من 90 بالمئة إلى 50 بالمئة استغرق قرنين ونصف القرن بعد ذلك. وقد شكلت هذه التركيبة السكانية التي عاشت في سلام وأمن اجتماعي الحاضنة للعطاء الحضاري العربي في مناحي الحياة كافة، وخاصة في الثقافة والعلوم والاقتصاد. ولكن عندما انتقل الحكم إلى وافدين أتراك غير عرب لألف عام، وكانوا اعتنقوا الإسلام، كالسلاجقة والمماليك والعثمانيين، ترعرعت ثقافة الخصومة حتى الاضطهاد أحيانًا بين المسلمين والمسيحيين، النابعة من حاجة الحاكم غير العربي إلى تنمية التماهي والعصبية مع المسلم العربي، بهدف الحصول على ولائه واستبعاد المسيحي العربي.

وشكّل المسيحيون حوالي 20 بالمئة من سكان بلاد الشام ومصر، عند نهاية الحرب العالمية الأولى. بينما الآن لا يزيدون عن 7 بالمئة. فالغرب يشجع الهجرة المسيحية بمنح التأشيرات والتسهيلات الحياتية لهم. وقد انخفضت نسبة المسيحيين الآن في فلسطين الانتداب أي “إسرائيل” والأراضي المحتلة إلى أقل من 2 بالمئة فقط. وفي المجمل يعيش حوالي 40 مليون عربي مسيحي في المهجر والاغتراب.

هذا وضع مأسوي يخلق خللًا بنيويًا في التركيبة الديموغرافية والثقافية والدينية والتاريخية للمنطقة. ولكن تاريخ سورية المعاصر مليء بالتجارب المشرقة في التعايش والتسامح بين الأديان، وبخاصة في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، عندما كان أبرز قادة سورية وزعمائها هم من أتباع الدينية المسيحية مثل فارس الخوري، الذي لم يكن فقط شخصية حكومية وبرلمانية وطنية بارزة، بل كان وزيرًا للأوقاف الإسلامية بترشيح من النواب المسلمين (مصطفى السباعي قال إننا نثق بفارس الخوري أكثر من غيره). تلك كانت مرحلة ديمقراطية حقيقية، كان السوريون يتعاملون على مبدأ المواطنة، ولم يميزوا بين الناس على أساس الانتماء الديني والقومي.

ولكن أوضاع السوريين، ومن ضمنهم المسيحيون، تدهورت منذ أواسط الستينيات مع انتزاع السلطة من قبل حزب البعث وثم عائلة الأسد. علمًا أن مؤسس حزب البعث، ميشيل عفلق، كان مسيحيًا إلا أنه كان قوميًا عربيًا، وصاغ أفكارًا شوفينية.

وقد شهدت فترة حكم الأسد الأب والابن تمييزًا واضحًا وتفرقة بين القوميات والطوائف والأديان، وقد استخدم التمييز ورقةً ضد التلاحم الشعبي وللاستمرار في تخويف الناس ومقايضتهم بالتمتع ببعض الحقوق والأمان النسبي، مقابل الولاء والصمت عن جرائمه، وإلا فعليهم الهجرة ومغادرة البلاد. وهذا ما حدث حيث غادرت الملايين من المسيحيين والعرب والكرد وغيرهم البلاد، هربًا من القمع وبحثًا عن مكان آمن.

أما مقولة النظام الكاذبة بأنه “حامي الأقليات” فقد أثبتت مرحلة الثورة زيفها. فالمسيحيون أولًا ليسوا أقلية بل هم جزءٌ أصيل من الشعب السوري بعربه وسريانه، علمًا أن العديد من رجال الدين المسيحي -مثلهم مثل رجال الدين الإسلامي- باعوا أنفسهم لعصابة الأسد، وأعلنوا أكثر من مرة تأييدهم للمجرم بشار الأسد، بدافع الخوف أو المصلحة الخاصة، ولكن هناك رجال دين مسيحيين وطنيين وقفوا إلى جانب الحق والحرية ضد الظلم، وبعضهم اختفى مثل الأب الإيطالي باولو (الذي اعتبر نفسه سوريًا) والمطران يوحنا إبراهيم الذي أدلى بتصريح قبل اعتقاله أزعج النظام، بأن المسيحيين يُقتلون في سورية ليس على أساس ديني، وإنما كغيرهم من الناشطين والسوريين.

وقد شارك شباب مسيحيون في مقدمة التظاهرات في الأشهر الأولى للثورة، التي كانت تنطلق من الجوامع. واستشهد نخبة من الناشطين والأحرار المسيحيين، في مقدمتهم باسل شحادة الذي حضر من أمريكا لكي يقوم بواجبه الوطني لدعم الثورة من خلال التصوير.

فسيفساء سورية يتطلب أن يتحد السوريون جميعًا، بمكوّناتهم الدينية والقومية كافة، ضد الاستبداد والظلم من أجل الحرية والكرامة، من أجل التعايش السلمي والتسامح والانفتاح وقبول الآخر، ونبذ التعصب والتشدد بكل ألوانه، قوميًا كان أم دينيًا أم طائفيًا.

تاريخ بلادنا هو مزيج من الحضارات والثقافات والديانات المختلفة، وهذا مصدر جمالها، لكن نظام الاستبداد الأسدي أعاق تبلور هوية وطنية للشعب السوري ومسخ الثقافة والفكر والسياسة وكرس المفاهيم الطائفية والعشائرية والقومية، وهذا ما أعطى مفاعيله المأسوية في السنوات الماضية من عمر الثورة.

من المهمّ أن ندرك، وهذا ما أكّده مؤتمر المسيحيين العرب في باريس الذي انعقد في 23/ 11/ 2019، أنّ الصراع في سورية والمنطقة ليس صراعًا دينيًا، وإن اتخذ هذا الشكل ظاهريًا، بل هو صراع بين الحق والظلم، بين الحرية والاستبداد، صراع الشعب كله ضد النظام الفاسد. وقد ورد في بيان المؤتمر تأكيد على رفض فكرة “تحالف الأقليات” (لكيلا يستخدم ضد الأكثرية العربية السنية) وأن المسيحيين جزء من أوطانهم، وينشدون الحرية والأمن والعدالة والمعاصرة والسلام.

أثبتت ثورة الشعبين الشقيقين في لبنان والعراق، التي فجّرها ناشطون من مختلف الديانات والطوائف، أن الصراع ليس طائفيًا بل هو صراع بين الشعب كله وبين النخب السياسية الفاسدة التي تتخفى خلف الشعارات الطائفية والدينية وتستغل أبناء طائفتها.

المسيحيون كانوا، وسيبقون، ملح الوطن وجزءًا جميلًا من فسيفسائه. ولا تكتمل الحياة بدونهم، ولا بدون المكونات الدينية والقومية الأخرى.

توحدنا في سورية الهوية الوطنية الجامعة، التي لا تُلغي التنوع الثقافي والديني والاجتماعي، والمهم أن نبني دولة مدينة ديمقراطية يتساوى أمامها المواطنون السوريون كافة.

_____

[1] من أوائل الأطباء السريان الحارث بن كلدة، وابنه النضر، وقد ورد اسمهما في كتاب ابن سينا (القانون في الطب) وكان الخليفة المنصور قد دعاه إلى بغداد، وجعله طبيبه الخاص، وبقيت أسرة بختيشوع طوال قرن من الزمان ذات مكانة كبرى لدى الخلفاء. ومن بين الأطباء الآخرين المشهورين في جنديسابور يوحنا بن ماسويه الذي هاجر إلى بغداد في القرن التاسع الميلادي، وجعله الخليفة المأمون مشرفًا على بيت الحكمة، بعد أن التقى به وعرف علمه ومؤلفاته، وتوفي في بغداد عام 857 م. وقد اشتُهر علماء ومترجمون في الرياضيات والطب والمنطق، مثل حنين ابن إسحق الذي ألف 37 كتابًا وترجم نحو 100 كتاب. وقسطا بن لوقا الأنطاكي الذي ألف كتبًا مهمة في الرياضيات.

[2] مدرسة الإسكندرية كانت جامعة حقيقية، التقت فيها التيارات الفكرية لليهودية والمسيحية، ومعهما الفلسفة الإغريقية، ثم هيمنت الثقافة المسيحية وتخرج فيها علماء وفلاسفة سريان، وفيها درسوا الطب والرياضيات والفلسفة والأدب والشعر والموسيقى، وكان هناك تفاعل كبير بين هذه المدرسة والمدارس السريانية بلاد الشام، حيث انتقلت العلوم والفلسفة. وقد انتقلت مظاهر الفكر العلمي والثقافي في العصر الوسيط، من روما إلى الإسكندرية ومن الإسكندرية إلى أنطاكيا، ومن ثم إلى مدرستي نصيبين والرها، وظلت هذه المدارس حافلة بالعطاء الفلسفي والعلمي حتى نهاية القرن الثامن الميلادي، حيث احتلت مكانها دار الحكمة وغيرها من المدارس الإسلامية. وأغلقت مدرسة الإسكندرية عام 489 م. فانتقل علماؤها إلى سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق