تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الشعب العراقي في مواجهة الكاكيستوقراطية “حكم الأسوأ”

الكاكيستوقراطية بالتعريف الحرفي لها تعني أن تكون السلطة بيد الأسوأ، وأنها فئة مجردة من مبادئ المواطنة، وهي شكل من أشكال الحكم. فمنذ ثورة الشعب العراقي بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يشهد عراق ما بعد صدام حسين احتجاجات دموية لم يسبق لها مثيل، بسبب الاحتلال الإيراني وأتباعه، وبسبب فساد السلطة الحاكمة، بدأت الاحتجاجات في مدينة البصرة البروليتارية، حيث قلب الصناعة النفطية للبلاد، وعمت الاحتجاجات وسط وجنوب العراق، بالمقابل تجنبت المناطق السنية الدخول المباشر فيها، حتى لا تجد حكومة عادل عبد المهدي الحجة لاتهام الحراك الشعبي العراقي بالدعشنة، واتهام المناطق السنية بتعاملها مع (داعش)، وهي الجماعة الإرهابية التي زرعت الرعب في كامل مناطق البلاد، وكانت العون الجيد للتمدد الإيراني في مفاصل الدولة العراقية، بحجة مواجهة الخطر السني، وتحريض ميليشياتها الشيعية وضمان تبعيتهم لها، لكن الشعب العربي في العراق توضحت له اللعبة الإيرانية الخبيثة، الرامية إلى تقسيم العراق وتفتيته، لتثبيت أقدامها فيه، وتحويل العراق العربي إلى مجرد حديقة خلفية لأهدافها التوسعية بالعالم العربي. وكذلك تجنبت المناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي بالعراق، أي المناطق الكردية، الخوض باحتجاجات العراق، التي كانت قد شهدت عام 2015 احتجاجات كبيرة ضد الفساد والعشائر الحاكمة لإقليم كردستان العراق، التي تتقاسم فيما بينها الحكم الذاتي والموارد.

تجاهلت السلطات العراقية ثورة البصرة عام 2018، عندما احتل الآلاف شوارعها احتجاجًا على سوء الخدمات العامة، فقد تسمّم حوالي 18 ألف إنسان نتيجة شرب المياه من صنابير الحكومة، وانضم إلى المحتجين النساء والشباب العاطلون عن العمل، من الذين حصلوا على شهادات جامعية، ومئات الآلاف الذين يعانون من انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى عشر ساعات يوميًا، حتى أولئك الذين يعيشون في أكواخ وضيعة بمحيط حقول الذهب الأسود الكامن تحت أراضيهم، كل ذلك تسبب به نظام طائفي ثيوقراطي نيوليبرالي استبدادي فاسد في بغداد، ويمكن وصفه بشكل أدق بالنظام الكاكيستوقراطي أو حكم الأسوأ، هذا الحكم غير قادر على استيعاب أن الشعب العراقي لم يعد بإمكانه تحمل استمرارهم، فهم مجرد دمى بيد دول أجنبية وبالتحديد إيران، وأنه يراهم مجرد لصوص ومارقين على تاريخ العراق الحضاري، ولابد من استئصالهم لدرجة أن المتظاهرين أطلقوا شعار “شلع قلع” وهو تعبير عراقي شعبي يعبر عن الاستئصال الكامل من الجذور، وهو مشابه لشعار ثورة لبنان “كلن يعني كلن”، وبالمقابل حققت الثورة العراقية تماسكًا كبيرًا لدى الشارع العراقي وتعاطفًا كبيرًا بالعالم العربي، على الرغم من وجود الميليشيات المسلحة وقوات أجنبية تابعة في معظمها لإيران تحاول قمع المتظاهرين.

خلفت الاحتجاجات في شهرها الأول ما لا يقل عن 250 قتيلًا و8 آلاف جريحًا ومئات الموقوفين، مما يؤكد طبيعة النخبة الحاكمة، واستعدادها لدفع البلاد للفوضى، وقد فرضت حالة الحصار على عدة مدن وقطعت الإنترنيت، متجاهلة حقيقتين هما أن للثورات طبيعتها، فكل قمع واستغلال سيقابله تمرد، والثانية أن الغالبية المطلقة للشعب العراقي قد تحركت ضدهم.

الواضح أن منظمي الاحتجاجات هم مجموعة من الأساتذة وطلاب الجامعات، من دون الانتماء للأحزاب السياسية، تحت شعار “نازل آخذ حقي”، منادين بتقاسم الخبز، ونيل الحرية، والحصول على العمل، والشفافية، ومطالبين بإصلاحات جذرية من الحكومة المختبئة بالمنطقة الخضراء وسط بغداد والمحصنة والممنوعة عن المواطنين، مع ذلك تقدم المتظاهرون وسيطروا على المطعم التركي وأطلقوا عليه “جبل أحد”، بعد أن ملأه القناصة، ثم تقدموا يوم السبت 16 تشرين الثاني نوفمبر 2019 نحو الضفة المقابلة متجاوزين جسر السنك الاستراتيجي في بغداد، ليسيطروا على مبنى مقابل لـ “جبل أحد” مطلقين عليه “جبل عرفة”. غابت القيادات التقليدية للمظاهرات، وارتبك الحزب الشيوعي العراقي في البداية في دعمه للمتظاهرين وكان تحركه بطيئًا، بينما تمكنت شبكات التواصل الاجتماعي من إشعال فتيل الإحباط والغضب المتراكمين. وتعبئة الجماهير تلقائيًا.

الأسباب الخمسة للثورة العراقية الاجتماعية:

  1. الإحباط الاجتماعي: ناتج عن النظام الطائفي السياسي، الذي يقسم المواطنين بحسب عقيدتهم، إلى طبقات اجتماعية، والسلطة مقسمة بالتناسب بين رجال الدين على طراز نظام الملالي في طهران، بحسب كل مجتمع، وعلى حساب الأحزاب السياسية، حيث احتلت الأحزاب الطائفية الشيعية التابعة لإيران المساحة السياسية والاجتماعية، واستولت على الموارد الطبيعية، وبخاصة النفط، وكذلك وسائط الإنتاج، ووزعت الفتات من الفوائد على مؤيديها، فيما خصصت الباقي لجيوبها الخاصة، كما قامت بإنشاء مافيات حقيقية داخل الإدارات العامة للدولة لصالح “المؤمنين”، تاركين أكثر الفئات حرمانًا وضعفًا وهم يشكلون غالبية السكان من مختلف الطوائف والأعراق.
  2. الفساد الهائل: منذ عام 2003، تم اتهام إدارات مختلفة في العراق بنهب 450 مليار دولار من أموال الدولة، ووفق منظمة الشفافية الدولية فإنها تساءلت عن الأموال التي قامت الدولة بتركيب محطات توليد الطاقة بها، ووفق ذات المنظمة في تقرير لها عام 2018، فقد احتل العراق المرتبة 168 من بين 180 دولة في الفساد، إذ يتم إدخال المليارات بأسماء أشخاص “أشباح” لا وجود لهم.
  3. معدل البطالة: لم يتوقف معدل البطالة في العراق عن الزيادة، فوفق الحكومة العراقية وصل إلى 23 بالمئة، وإلى 40 بالمئة وفق صندوق النقد الدولي، وينتقد الشباب الحكومة لاستقدامها عمالة رخيصة بلغت 85 ألف عامل أجنبي، ولا توجد قوانين تُفرض على الشركات الأجنبية القاضية بتوظيف العمالة العراقية المحلية، وبالنظر إلى عدد سكان العراق البالغ 38 مليون نسمة، فإن هناك عشرين مليون تحت سن الـ 23، كما أُغلقت مئات المصانع والورشات بسبب نقص الدعم الحكومي.
  4. الفقر: يحتل العراق المرتبة الثانية في العالم باحتياطه النفطي البالغ 112 مليار برميل نفط، ومع ذلك يعاني أكثر من نصف السكان من الفقر، وبخاصة المحافظات الجنوبية حيث ما يسمى “خط النفط والشيعة”.
  5. الرؤية الاقتصادية للنظام الحاكم في العراق: للنظام الحاكم بالعراق ثلاث سمات في رؤياه الإقتصادية:

أ. ارتكازها على دخل النفط: حيث ما يزال النفط المنتج الرئيسي للعراق، ويشكل حوالي 92 بالمئة من ميزانية الدولة نتيجة بيع هذا المورد، ولكنها تتخلى عن تنمية بقية القطاعات.

ب. التقليل من أهمية التصنيع في البلاد، وخلق ما يسمى “الاقتصاد الإسلامي”، القائم على البيع والشراء، مما أدى إلى تشكيل برجوازية طفيلية تعيش على المضاربة في التكلفة وصناعة المنتجات.

ج. قلة الاستثمار من جانب الدولة، ويرجع ذلك إلى رغبة البرجوازية الحاكمة في ملء حساباتها التي لا تخلق فرص عمل، مما ينهي المساهمة في ازدهار البلاد.

ثلاث مشاكل اجتماعية أخرى في العراق:

  1. يحتاج العراق لتأمين ما لا يقل عن 700 ألف وظيفة جديدة كل عام، في حين لا يتم تأمين أكثر من 50 ألف وظيفة جديدة بالعام الواحد، حتى هذا الرقم يعبر عن وظائف غير مستقرة، أغلبها تتعلق بقطاع الخدمات، في حين آلاف خريجي الجامعات من النساء والرجال عاطلون عن العمل.
  2. مؤشر التنمية البشرية في العراق، الذي يقيس متوسط العمر المتوقع والتعليم والصحة وغيره، يضع البلاد في المرتبة 120 بين 197 بلد في العالم، وإذا أضيفت الفجوة بين الجنسين فإنه بوضع أسوأ، حيث يحتل المرتبة 147 في العالم.
  3. وجود عشرات الجماعات المسلحة الكبيرة، التي استوعبت العاطلين عن العمل والمحبطين، لحماية زعماء القرى والمحافظات في البلاد، ومنع تطبيع الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى ممارسات القتل والابتزاز والاختطاف، حيث انتشر المخربين بزي الميليشيات، فأدى ذلك إلى انعدام الأمن والفوضى في غياب الاستثمارات الجادة والأنشطة الاقتصادية. حتى بعض تلك الميليشيات رفضت الانضمام إلى الجيش العراقي الوطني.

العامل الديني:

بعد تفكيك بوش الابن للدولة العراقية القومية العربية عام 2003، حولها إلى نظام ثيوقراطي شيعي في بغداد، بالإضافة إلى فصل المنطقة الكردية السنية في الشمال عن بقية البلاد، ليضيف إلى المشكلات السابقة عاملًا جديدًا للوطن العراقي، وهو القضاء على مفهوم “المواطن”، عبر التأكيد على الهويات الثانية من عرب شيعة وعرب سنة وملحدين ورجل وامرأة، وما إلى ذلك، ليلغي التكافؤ أمام القانون، ويحدث فجوة بغاية السيطرة، كما منح امتيازات للبعض على حساب الآخرين، وبالتالي انقسمت الأحزاب إلى عرقية وطائفية (حاليًا هناك 250 حزب مسجل)، فكسر بذلك وحدة الطبقات العاملة، وخلق دولة ذات تمثيلات إثنية-طائفية، وبالتالي حكومة ضعيفة.

النظام “الشيعي” نفسه تملكه ميليشيات شيعية تابعة له، مثل الحشد الشعبي الذي تأسس عام 2014 لمحاربة داعش، ويرفض حل ذاته أو تسليم سلاحه أو الانضمام إلى الجيش الوطني العراقي، وقواتهم يبلغ تعدادها 150 ألف، ولهم جناح سياسي يدعى “حركة عطاء” بقيادة فالح الفياض، مع روابطه القوية بالحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني، مما يمنحه قوة سياسية موازية، ربما تكون أقوى من حكومة عادل عبد المهدي.

لكن الثورة العراقية رفضت هذا النظام “لا سنة ولا شيعة، كلنا عراقيون”، و”لسنا سيستانيون ولا صدريون، لماذا تطلقوا النار علينا”، ويقول شاب عراقي ساخط: “أكسب 8 دولارات باليوم، نريد أن نعيش!”. ثم تقول امرأة: “قتل ابني وهو يحارب داعش مع الحشد الشعبي فلماذا تتهموننا بالبعثيين؟”.

غابت الشعارات والأعلام الطائفية في الثورة العراقية، وعلى الرغم من ذلك تحاول الأحزاب الدينية وضع بصمتها في التظاهرات، خشية استبعادها من السلطة الاجتماعية.

أما أهم ممثلي هذه القوى الدينية فهم:

  1. آية الله السيستاني: وهو زعيم شيعي من أصل فارسي عمره 89 عام، لم يفت بجواز مقاتلة جيش الاحتلال الأمريكي، بعد سقوط صدام حسين عام 2003، وقد تلقى مبلغ 200 مليون دولار من الولايات المتحدة لأجل ذلك، بحسب مذكرات روسفيلد، وهو مخلص لأحد أهم أسس التشيع، أي الخروج من السلطة حتى ظهور المهدي، وبحسب معتقده فإن المهدي هو الإمام الثاني عشر الذي اختفى بسن الثامنة عام 874 ميلادي، مختبئٌ حتى الظهور مرة أخرى. وكانت غاية السيستاني التابع لنظام الملالي في طهران تثبيت حكم “الثيوقراطية الشيعية”، وهي المرة الأولى في تاريخ العراق التي يتولى فيها رجل دين السلطة، فالسيستاني لم يطالب باستقالة حكومة عادل عبد المهدي، بل طالبه بتنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها الشعب، ويحث على “اللاعنف” تجاه المتظاهرين من قبل قوات الأمن.
  2. مقتدى الصدر: وهو شخصية يمينية انتهازية، وبفضل مشاركته كزعيم ديني، سيطر على ثلثي مقاعد البرلمان العراقي عام 2018، ويقترح استقالة الحكومة ووزراءه جزء منها.
  3. الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني: وهو الحاكم الفعلي للعراق، وهو الذي ضغط على حكومة عبد المهدي لعدم التراجع أو الاستقالة، ولمقاومة المحتجين العراقيين.

بالنهاية، مدينة البصرة البروليتارية والشيعية بغالبيتها العظمى، بدأت الاحتجاجات السلمية ضد النظام الرأسمالي “الشيعي” في البلاد، أو ما يسمى حكم العمائم الفاشل في بناء دولة المواطنة، مما يدل على مغالطات “الحروب الدينية” والصراع “السني الشيعي”، وإلى أي مدى يحدد العامل الاقتصادي الانتفاضات الشعبية، على الرغم من دخول العالم الألفية الميلادية الجديدة، فقد تمكنت النخبة الدينية التابعة لإيران من التلاعب بالمشاعر الطائفية.

عانى من عقوبات اقتصادية، ومن حرب دولية عليه عام 1991، واحتلالين أجنبيين، أميركي وفارسي، فهل يتمكن الشعب العراقي من تقرير مصيره، بالرغم من لعنة الجغرافيا، وبحر النفط والغاز الذي يعوم تحته، فضلًا عن موقعه في قلب الشرق الأوسط الحزين؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق