تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

النفط وميزان القوى يعيدان الولايات المتحدة إلى سورية

بعد أن أعلنت الولايات المتحدة، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، سحب قواتها العسكرية من المناطق الحدودية مع تركيا شمال سورية، وبعد تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذلك عبر سلسلة من التغريدات، واحتدام الخلاف داخل مراكز صنع القرار وبين السياسيين والعسكريين، في البيت الأبيض والخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون، حول ضرورة وجدوى هذا الانسحاب؛ تراجع ترامب عن قراره، وعادت قوات الولايات المتحدة لتعيد انتشارها في مناطق شمال وشرق سورية، وعكس القرار ارتباك مواقف ترامب في الملف السوري، وأكّد خلافات وجهات النظر بين الكونغرس وبعض الجنرالات في الجيش الأميركي والبيت الأبيض، وأوحى بأن خطأ ما في الحسابات قد حصل.

بعد أن حققت تركيا تقريبًا ما تريده، من وراء عملية “نبع السلام”، وطردت قوات الاتحاد الديمقراطي الكردي والعمال الكردستاني من على طول الحدود السورية بعمق 30 كم؛ تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قراره سحب قوات بلاده من شِمال شرق سورية، وكشَف وزير دفاعه مارك إسبر، في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، عن تعزيز وجودها في مناطق احتياطات النّفط في الحسكة وشرق دير الزور، بإرسال دبابات وعربات مدرعة لحمايتها من السقوط في أيدي مقاتلي تنظيم (داعش) أو إيران أو قوى أخرى مزعزِعة للاستقرار.

في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أعلن رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أن عدد الجنود الأميركيين في شمال سورية سيستقر على الأرجح عند نحو 500 عنصر، وقال الجنرال مارك ميلي: “سيكون هناك أقل من ألف (عنصر) بالتأكيد”، مضيفًا أن الرقم “سيراوح على الأرجح ما بين 500 و600 عنصر”.

إثر ذلك الإعلان، انتشرت القوات الأميركية من جديد في شرق سورية، ودخلت وحدات من القوات الأميركية، مناطق اﻵبار النفطية في محيط دير الزور (آبار الحمادة والريس والعلقة وغيرها)، وطردت المستثمرين المحليين المتعاقدين مع “قوات سوريا الديمقراطية” من المتهمين ببيع النفط للنظام عبر شركة القاطرجي التي يملكها مقرب من النظام، وفرضت سيطرتها الكاملة على تلك المواقع، ووضعتها تحت حراسة مشددة، وحذّرت من التعامل مع النظام السوري في محاولة لضبط تجارة النفط وحركة نقله إلى النظام.

وتضم منطقة شرق الفرات في سورية نحو 90 بالمئة من نفط سورية، ونحو نصف آبار الغاز، وهي بيد القوات الكردية منذ أكثر من 3 سنوات، ولم يؤثر الدخول التركي على “ديموغرافية” النفط السوري، فاستمر التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة مُسيطرًا على آبار النفط والغاز في شرق سورية، ولا يبدو أن هناك نيّة لتغيير أي شيء، فالقوات العسكرية التي تُسيطر وتحمي كل الآبار مستقرة، ولا مظاهر توحي بأنها ستنسحب أو ستسلم أماكنها لقوات أخرى، لكن يبدو أن القضية تتعلق بوقف تسربه للنظام السوري من جهة، وضبط وارداته لتسليح الأكراد بدلًا من أن يأخذونه بالمجان من جهة ثانية، حيث يدخل جيب القوات الكردية سنويًا نحو 378 مليون دولار من النفط السوري.

إثر الإعلان الأميركي عن عودة القوات العسكرية، وفرض الرقابة على آبار النفط؛ توقفت حركة نقل البضائع بين ضفتي نهر الفرات، بسبب خوف التجار المحليين من نقل النفط إلى وسطاء النظام السوري، ونشبت خلافات بين التجار ووسطاء النظام، بسبب توقف تجارة كانت تبلغ أكثر من مئة ألف دولار يوميًا، وانخفضت أسعار النفط شرقي الفرات نتيجة توقف بيعه للنظام.

يبدو أن الولايات المتحدة لا تريد لتجارة النفط أن تمرّ عبر وسطاء النظام السوري، كما كان يفعل تجّار “قوات سوريا الديمقراطية” المؤتمرة بأوامر الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، المصنف إرهابيًا.

لكن النفط بالتأكيد ليس وحده سبب تراجع الولايات المتحدة عن انسحابها العسكري من سورية، فالقضية استراتيجية وليست تكتيكية، وهي تتعلق بإجلاء شرق المتوسط من موطئ القدم الأميركي الأساس، وما يؤكد هذه الحقيقة أن القواعد العسكرية الأميركية استمرت تقريبًا كما هي، وعادت القوات الأميركية إلى قاعدتين كانت قد أخلتهما، وتسربت أنباء عن نيّة الولايات المتحدة إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في سورية في وقت قريب.

ويرى المحلل العسكري السوري، العقيد أحمد الحمادة أن النفط “ليس السبب الأساس لعودة القوات الأميركية”، وقال لـ (جيرون): “إن الإدارة الأميركية غير منسجمة مع قرارات الرئيس دونالد ترامب، ولا نتوقع أن النفط هو المشكلة، وليس هو السبب الأساس لعودة الأميركيين، بل لدى الأميركيين عدة أسباب للعودة إلى شمال وشرق سورية أهمها:

  1. حرمان النظام والروس من العائدات المادية للنفط.
  2. البقاء في المنطقة يعني مشاركتهم بالحل السياسي.
  3. الضغط على الروس وعلى النظام من خلال بقاء القوات الأميركية في سورية.
  4. تأمين مصادر دخل لـ (قوات سورية الديمقراطية – قسد) التابعة للأكراد”.

هذا السبب الأخير يُذكّر بالتكلفة المرتفعة لدعم القوات الكردية، التي تحدث عنها الرئيس الأميركي حين دافع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن قراره بسحب القوات العسكرية من شمال سورية، وقال حينها في سلسلة تغريدات على (تويتر): “الأكراد قاتلوا معنا، لكنهم حصلوا على مبالغ طائلة وعتاد هائل لفعل ذلك، إنهم يقاتلون تركيا منذ عقود”، معتبرًا أنه “آن الأوان لكي نخرج من هذه الحروب السخيفة التي لا تنتهي، والكثير منها قبلية”.

وحول هذا الموضوع قال محمد سرميني، مدير مركز جسور للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، لـ (جيرون): “لا حقيقة لعودة الولايات المتحدة من أجل النفط، إنما هو غطاء تبريري ليس إلا، لبقاء القوات الأميركية لأهداف أخرى، منها مراقبة تحركات (داعش)؛ ضبط التحركات الإيرانية؛ التأكد من محاصرة النظام اقتصاديًا ضمن جهود محاصرة إيران؛ ضمان أمن إسرائيل؛ إضافة إلى شق متعلق بالملفات الأمنية في سورية”.

إلى ذلك، يقول المحلل السياسي وليد حسن: “من الصعب التصديق أن الولايات المتحدة ستخرج من سورية، كما أنها لم ولن تخرج من العراق، فالشرق الأوسط من أهم نقاط العالم استراتيجية، ومن يسيطر عليه يسهل عليه التحكم في المنطقة ككل، مصيرها وثرواتها وقواها البشرية، وبتواجدها العسكري في سورية تحقق جملة أهداف استراتيجية، من بينها المحافظة على ضبط إيقاع توزع القوى والنفوذ في المنطقة، بما ينسجم مع أهداف وطموحات واشنطن وحليفها الأبرز إسرائيل”.

المنطقة التي تتوضع فيها القوات الأميركية غنية جدًا بالنفط والغاز، وتضم مخيمات ومعتقلات عناصر وعائلات تنظيم (داعش)، وتطل أيضًا على الحدود العراقية، وتعدّ من أهم المناطق الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية، ذلك أنها منطقة تقطع طريق إيران للتدخل في سورية، وتُعد حجر عثرة أمام الحلم الإيراني بهلال يمتد من إيران إلى البحر المتوسط.

المعادلات والتفاهمات وتطور الأحداث في شمال وشرق سورية بعد عملية “نبع السلام”، وتحرك الروس وقوات النظام السوري لنهش مناطق المعارضة السورية، فور سماع نبأ سحب الولايات المتحدة لقواتها من الشمال السوري، جعلت الولايات المتحدة تشعر بأن أحدًا يُحاول إخراجها من اللعبة الميدانية كليًا، وأنها قد تصبح بسبب ذلك أقل تأثيرًا في الملف السوري، فراجعت حساباتها واستطاع الكونغرس الحصول على ضوء أخضر بنشر القوات العسكرية مجددًا، ومن المرجّح أن لا تخرج قبل تسوية سلّة قضايا الشرق الأوسط كلّها، من إيران إلى العراق فسورية ولبنان، ومن الصعب تصديق أن الولايات المتحدة يمكن أن تترك الساحة الشرق أوسطية لروسيا كقطب وحيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق