تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

من دولة لبنان الكبير إلى دولة لبنان الجديد

منذ اليوم الأول للحراك الثوري في لبنان، رفع الجمهور شعارًا فريدًا وهو (كلن يعني كلن) وهذا الشعار ينطوي في عمقه على أسماء لايجرؤ أحدٌ في لبنان على ذكرها بشكل منفرد، كـ “حزب الله” أو حركة (أمل) أو حسن نصر الله، بينما يستطيع أي لبناني أن ينتقد بل أن يوجه الشتيمة إلى رئيس الجمهورية ميشيل عون أو رئيس الحكومة بالاسم، ونقرأ كل يوم مثل هذه الانتقادات والشتائم على صفحات التواصل لمواطنين لبنانيين يسكنون في لبنان، بينما من تجرأ في حالات نادرة على توجيه إصبع النقد إلى حركة (أمل) و”حزب الله” شاهدناهم في اليوم التالي على شاشات التلفاز معتذرين، بعد تغييرات واضحة على وجوههم بفعل إقناعهم بضرورة الاعتذار من “سماحة السيّد” في إشارة إلى حسن نصر الله، أو من “الأستاذ” في إشارة إلى زعيم حركة (أمل) ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري.

المسألة في لبنان، وإن بدى أن لها أوجهًا كثيرة، أصلها واحد، وهي أن “حزب الله” يختطف الدولة اللبنانية، ويسيطر على قرارها، بعد أن استطاع بالقوة فرض شعار (الجيش والشعب والمقاومة) على الدولة اللبنانية، وتضمين هذا الشعار لكل بيانات تشكيل الحكومات المتعاقبة، فهو من طرف يُلزم هذه الحكومة بتبني خياراته، ومن جهة أخرى يحرم الدولة من أي نوع من أنواع السيطرة على ميليشياته التي تنفذ ما تطلبه إيران لا ما يطلبه لبنان.

أحد أهم أسباب الثورة في لبنان هو الوضع الاقتصادي، لكن أسباب الوضع الاقتصادي هي سياسية بالأصل، ونستطيع حصر سببين من هذه الأسباب:

السبب الأول هو الفساد، وله أشكال كثيرة في لبنان، منها نهب ميزانيات الوزارات والصناديق الخاصة، والتهرب الضريبي، والاستيلاء على أملاك الدولة، والتلاعب بالجمارك وغيرها الكثير.

يزعم “حزب الله” أنه غير مشارك في هذا الفساد، وهذا صحيح جزئيًا، فهو يتلقى سنويًا ما يقارب سبعمئة مليون دولار من إيران، إضافة إلى إيرادات أخرى من تهريب المخدرات وتزييف العملات في لبنان ودول كثيرة حول العالم، فالحزب ليس بحاجة إلى فساد داخلي صغير، هذا إذا اعتبرنا أن تمويل “حزب الله” اللبناني من دولة خارجية ليس فسادًا، وبسبب هذه البحبوحة التي كان يعيشها الحزب، منذ انضمامه إلى العمل السياسي في لبنان مع انتخابات عام 1992، اتخذ منهج الإفساد والتستر على الفساد، بمعنى أنه كان يعلم ويوثق فساد الساسة في لبنان، ولكن ليس من مصلحته محاسبتهم، لذلك كان يحتفظ بملفات الفاسدين من أجل ابتزازهم سياسيًا، وهذا أشد من الفساد نفسه، إذ أدى هذا الأسلوب إلى إغراق لبنان بالديون، ووصلت ديونه الخارجية إلى مئة مليار دولار.

السبب الثاني هو العقوبات الأميركية التي استهدفت “حزب الله”، وبدأت تؤثر في لبنان ككل، بسبب ضعف السيولة من النقد الأجنبي في بنوك لبنان، التي تم تهريب جزء منها إلى النظام السوري لإنقاذه من ورطته بفقدان السيولة بالقطع الأجنبي، بدوره “حزب الله”، بسبب شح الموارد الإيرانية ومحاصرة الموارد غير الشرعية للحزب، انكفأ وبدأ يبحث عن حصته من أموال لبنان التي أهملها لأكثر من ربع قرن، لكن الحزب وصل في لحظة يوشك فيها لبنان على إعلان إفلاسه.

لبنان اليوم على مفترق طرق كبير وخطير، والمخرج الوحيد هو إنهاء “دولة حزب الله” لصالح دولة لبنان الجديد، لبنان فوق طائفي لكل أبنائه، لبنان السيادة فيه فوق سيادة الميليشيات والأحزاب والطوائف، فهل سيتفهم “حزب الله” هذه الحقيقة، ويتخذ ما يلزم من قرارات؟ أم أنه سيهرب إلى الأمام، ويأخذ معه لبنان إلى الهاوية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق