مقالات الرأي

إيران: هل اقتربت الساعة؟

في أوج أزماتها الاقتصادية والسياسية، ضمن حمّى صراعها للبقاء مع إدارة البيت الأبيض اليوم، كان آخر ما تتوقعه سلطة ولاية الفقيه الحاكمة بإيران أن تثور عاصمتان جوهريتان، بيروت وبغداد، من مجموع العواصم الأربع، في مشروعها لتحقيق حلمها الإمبراطوري، التي سبق أن اعتبر كبار مسؤوليها أنّ القرارات الخاصة بها باتت بين يدَي الولي الفقيه بطهران، وأن ترى هذه السلطة في ثورتَيهما تحدّيًا لها وتهديدًا ينذر مصيرها بالأسوأ إن لم تقم بوضع نهاية لهما بصورة أو بأخرى، وفي أسرع وقت ممكن، قبل أن تستفحل الأمور وتنقلب إلى حرب لا نهاية لها إلا في قلب طهران ذاتها.
كان التحدي صريحًا في العراق، لا لأن الشعب العراقي بطوائفه كلها أعلن ثورته على الفساد الشامل الذي طبع الحكم والحكام على اختلاف مستوياتهم منذ الغزو الأميركي للعراق، وتسهيل انزلاق إيران إلى الهيمنة على مراكز القرار السياسي فيه فحسب، بل لأن المرجعية الشيعية العليا نفسها في العراق أعلنت، إضافة إلى ذلك أيضًا، دعمها لثورة الشعب العراقي وندّدت، في الوقت نفسه، بالتدخلات الإقليمية والدولية التي تريد الإساءة إلى ثورة على الفساد والفاسدين ومن وراءهم.

ولم يكن هذا التحدي أقلّ صراحة في لبنان، حين تجسَّدَ ملخَّصًا في كلمات ثلاث (كلهن يعني كلهن) على ألسنة الشعب اللبناني الذي نزل نصفه إلى الشوارع في كل أرجاء لبنان، في وحدة مواطنية غير مسبوقة، يطالب بالتغيير الجذري والخروج من نظام الطوائف والمحاصصات والسرقة الموصوفة تحت حماية السلاح أو في ظله.

لم يكن تزامن هاتين الثورتَين الجذريتَين في تطلعاتهما ومطالبهما مجرد صدفة، ولا سيما أنه كان يقول المشكلة الأساس في ما وراء مطالب القضاء على الفساد، وتغيير النظام القائم برجاله ورموزه والقانون الذي سمح له بالوجود، من أجل استعادة بلدٍ هيمنت ولا تزال تهيمن على مقدراته حفنة من السياسيين الانتهازيين الذين قبلوا ممارسة مختلف ضروب العمالة لبلد وجد فيهم ضالته لتحقيق مآربه وأحلامه بإمبراطورية جديدة، إشباعًا لجشعهم. أي، بعبارة أخرى، استعادة البلد عن طريق الخلاص من إيران وعملائها ووكلائها الذين عاثوا في أرض البلدين فسادًا وإفسادًا جاعلين من العراق بلد الثروات موطن الفقراء، ومن لبنان، الذي كان بلد الإشعاع الثقافي في العالم العربي وواحة واعدة للحرية وللديمقراطية، بلدًا تحكمه ميليشيا يموِّلها بلدٌ أجنبي باعتراف رئيسها وحاكمها الفعلي الذي لا يخاطب جمهوره إلا من وراء حجاب الشاشة.

جاء الرد في العراق سريعًا وصفيقًا وبلا قفازات. فقد كان قمع المتظاهرين بقوة الرصاص الذي تنصلت الحكومة القائمة من المسؤولية عنه، هو، في واقع الأمر، الحلّ الذي اختارته إيران على أن يقوم بتنفيذه العاملون لحسابها علنًا في الحشد الشعبي، أو خفاء داخل الدوائر الأمنية خصوصًا. سقط القتلى بالعشرات في البداية ثم بالمئات، ولن يتوقف، كما يبدو، العمل بهذا الخيار، لأن تحقيق مطالب المتظاهرين يعني كف يد إيران عن العراق أو إخراجها من دوائر القرار فيها كلها، وهو أمرٌ لا يمكن لإيران قبوله ما دامت، وهي تناور في معركتها مع البيت الأبيض بواشنطن التي تأمل الانتصار فيها، بصورة أو بأخرى، ولا سيما مع خروج الرئيس الحالي منه، كما ترجو، في الانتخابات الرئاسية القريبة القادمة، ومن ثم أن تحتفظ بما تعتبره مكتسباتها التي حصلت عليها في مفاوضاتها مع الدول الست حول برنامجها النووي.

أما في لبنان، وبعد محاولات في الترويع عن طريق استخدام القوة، من قبل ممثلي إيران والعاملين لحسابها، أي رجال حركة أمل و”حزب الله”، التي سرعان ما تم التراجع عنها والتبرؤ منها، فقد بدأت محاولات الالتفاف على ثورة الشعب اللبناني بمختلف الطرق: اتهام السفارات بتمويل المتظاهرين، أو تبني مطالب الحراك الشعبي مع اتهام القائمين به بأنهم مجرد أقلية، أو التهديد بتظاهرات موازية كتلك التي قام بها أنصار التيار الوطني الحر أمام قصر الرئاسة في بعبدا، أو التظاهر بالانصياع لمطالب الحراك في تأليف حكومة من الخبراء شريطة أن تطعَّمَ بالسياسيين.. وصولًا إلى التصريح العجيب على لسان رئيس الجمهورية: “إذا ما في عندهم أوادم بالدولة يروحوا يهجّوا (أي يهاجروا أو يغادروا)، ما رح يوصلوا للسلطة”!

من الواضح أن الحراكين، كالعادة دومًا، كانا قد أعميا بصر وبصيرة كلِّ من يحتل موقعًا في السلطة، سواء في العراق أو في لبنان. وكان قوام هذا العمى ما كانت خطاباتهم تعكسه، إضافة إلى الكذب والغباء وركاكة اللغة وتفاهة المضمون، من استغباءٍ للناس ولقدراتهم في الفهم والإدراك. حتى إن إطلالاتهم لمخاطبة الثائرين التي كانت تثير مشاعر الغضب والرفض لديهم تبدو وكأنها أكثر فائدة في تأجيج الثورة ورفع سقف مطالبها بدلًا من الحدِّ منها!

أرادت إيران أن تروج حول الحراكين العراقي واللبناني، وقد أدركت أنها المستهدفة، بأنهما صناعة أميركية/ إسرائيلية محضة. وجاءت أحاديث وكلائها في لبنان، خصوصًا عن السفارات والتمويل الخارجي للحراك استغباء لكل من خرجوا بإرادتهم وحدها يعلنون رفضهم للنظام الطائفي وللفساد ولحماة الفساد الذي يعانون آثاره، صغارًا وكبارًا، في حياتهم اليومية.

سوى أن الجميع يدركون، في العراق كما في لبنان، وكما في العالم العربي أو في كل مكان في العالم، أن أحدًا لا يستطيع أن يحرك شعبًا بأكمله لحساب مصالحه مهما بلغ من القوة والجبروت، سوى حكم الاستبداد أو الفساد أو كلاهما معًا. مثلما يدركون أيضًا أن القوى الإقليمية أو الدولية ذات المصالح في كلا البلدين يمكن أن تنتهز الفرصة لاستثمار ما في هذا الحراك الشعبي أو ذاك. ولا شك أن أحدًا لن يستغرب أن تنتهز الولايات المتحدة الفرصة لاستغلال، ومحاولة توظيف الحراكين في العراق وفي لبنان من أجل دعم معركتها في تحجيم إيران ووضع حدود لدورها في المنطقة بدءًا بالموضوع النووي وانتهاء باستراتيجية تحقيق حلمها الإمبراطوري المرفوض إقليميًا ودوليًا.

قد يكون من المبكر الحديث عن عدٍّ عكسي لدور إيران الجاري أداؤه اليوم في المنطقة العربية. سوى أن ناقوس الخطر يقرع اليوم وبشدّة. وهو يقرع للأطراف جميعها: لأرباب الثورات المضادة التي انقلبت على ثورات الربيع العربي، وللاستعماريين الجدد، وكذلك خصوصًا للطامحين من الدول الإقليمية في إعادة بناء إمبراطوريات بات مجرد ذكر إمكانها اليوم يثير السخرية في العالم أجمع،. وليس ذلك كله إلا إعلانًا صريحًا وواضحًا أن اليوم لن يكون -على وجه اليقين- كالأمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق