تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

النظام يحشر خيارات الأمم المتحدة بطريق واحد من خلال المحكمة الدستورية

تفاجأ السوريون، قبل أيام، بخبر قصير أوردته وكالة (سانا) للأنباء مفاده وجود “محكمة دستورية” في سورية، وأن رئيس البلاد قد لجأ إلى هذه المحكمة معترضًا على عدد من مواد مجلس الدولة، وقد كسب القضية، وتم إلغاء هذه المواد وإعادتها إلى مجلس الشعب، فثارت النقاشات والحوارات بين السوريين عن ماهية هذه المحكمة التي كانت على الرف منذ تشكيلها، وهنا نحاول إلقاء الضوء -من خلال آراء بعض القانونيين- حول هذه المحكمة:

المحكمة الدستورية العليا هي هيئة قضائية مستقلة مقرها دمشق، مكونة من أحد عشر عضوًا، أحدهم رئيس المحكمة، يسميهم جميعًا رئيسُ الجمهورية، وتكون مدة العضوية أربع سنوات قابلة للتجديد اعتبارًا من تاريخ أداء العضو للقسم الدستوري.

حدد الدستور اختصاصات المحكمة كما يلي:

الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة.

إبداء الرأي، بناء على طلب من رئيس الجمهورية، في دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية وقانونية مشروعات المراسيم.

الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية وتنظيم الإجراءات الخاصة بذلك.

النظر في الطعون الخاصة بصحة انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء أعضاء مجلس الشعب، والبتّ فيها.

محاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى.

وإضافة إلى الاختصاصات المذكورة في الدستور، يسمح الدستور بإضافة اختصاصات أخرى يقرها القانون، حيث نص المرسوم التشريعي رقم 35 لعام 2012 على اختصاصات أخرى هي:

قبول طلبات الترشح لرئاسة الجمهورية.

فحص طلبات الترشح لرئاسة الجمهورية والبت فيها.

الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية وتنظيم الإجراءات الخاصة بذلك.

النظر في الطعون المتعلقة بصحة انتخاب رئيس الجمهورية والبت فيها.

البت في طعن من لم يفز بعضوية مجلس الشعب، وما يتعلق بصحة انتخاب الأعضاء الفائزين.

دستورية القوانين قبل إصدارها، بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو خمس أعضاء مجلس الشعب.

دستورية المراسيم التشريعية، بناء على طلب خمس أعضاء مجلس الشعب.

دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية، بناء على طلب رئيس الجمهورية.

قانونية مشروعات المراسيم، بناء على طلب رئيس الجمهورية.

البت في الدفوع المحالة من المحاكم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستور نص  قانوني.

ومن خلال البحث عن معلومات أكثر حول المحكمة الدستورية، كتب القاضي رياض علي، في المنتدى القانوني السوري، ملاحظاته على المحكمة الدستورية ومنها:

“التعيين والإقالة: ثمة نماذج عدة متبعة لتعيين أعضاء المحكمة الدستورية، منها نموذج الأغلبية التشريعية الساحقة، حيث تقوم الهيئة التشريعية بانتخاب أعضاء المحكمة، وهذا النموذج متبع في ألمانيا وفي تونس بموجب دستور عام 2013، وثمة نموذج المجلس القضائي، حيث يُعهد إلى مجلس القضاء مهمة تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، كما في جنوب أفريقيا، ويوجد النموذج القضائي التنفيذي، إذ تتوزع سلطة تعيين قضاة المحكمة الدستورية على الفرعين القضائي والتنفيذي، كما في مصر والعراق، وثمة نموذج الأطراف المتعددة الذي يهدف إلى إشراك مؤسسات متعدّدة في عملية التعيين، بما في ذلك مختلف فروع الحكومة، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني في بعض البلدان، وهذا الأسلوب متبع في إيطاليا وتركيا، وثمة ما يسمى بالنموذج التنفيذي، حيث تتفرد السلطة التنفيذية بتعيين أعضاء المحكمة من دون إشراك أي سلطة أو جهة أُخرى، كما في سورية”.

وتابع: “العيب الأساسي الذي يعتري المحكمة الدستورية في سورية هو طريقة تعيين أعضائها، إذ إن هذه الصلاحية مناطة برئيس الجمهورية، إضافة إلى أن قضاة المحكمة سيؤدون القَسَم أمامه (الرئيس)، وهذا مخالف لأبسط القواعد القانونية التي تقتضي ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وذلك لأن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية في البلاد، وهذا يخالف أيضًا نصّ عليه بأن المحكمة الدستورية هي هيئة قضائية مستقلة”.

وأوضح علي: “بهذا يكون الدستور السوري قد أخذ بأسوأ النماذج المعروفة في تسمية قضاة المحكمة الدستورية وأكثرها دكتاتورية (النموذج التنفيذي)، حيث إن قيام رئيس السلطة التنفيذية بتسمية قضاة المحكمة يعدّ تدخلًا سافرًا في شؤون السلطة القضائية، ويسلب المحكمة صلاحياتها في مراقبة دستورية القوانين، خاصة إذا كان رئيس السلطة التنفيذية قد مَنحَ نفسه صلاحيات تشريعية واسعة، وهذه هي الحال في سورية، إذ كيف يمكن تصور أن تقوم المحكمة بإلغاء مرسوم أو قرار صادر عن شخص يملك صلاحية تعيين أعضائها، بداعي عدم دستوريته؟! مع الأخذ بعين الاعتبار أن مدة ولاية المحكمة أربع سنوات قابلة للتجديد إلى ما لا نهاية. وهذا التجديد غير المقيد سيؤثر سلبًا في عمل المحكمة وأدائها، وسيزيد تَغوُّل السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الجمهورية على السلطة القضائية، لأن قضاة المحكمة سيسعون غالبًا إلى كسب رضا ولي نعمتهم (رئيس الجمهورية)، خاصة أنهم يتمتعون بمزايا مادية ومعنوية لا يتمتع بها غيرهم من القضاة، وسيتولد لديهم شعور بأن إغضاب الرئيس قد يكلفهم منصبهم، أو على الأقل لن تتجدد ولايتهم، وبالتالي ستتحول النصوص المتعلقة بالمحكمة إلى مجرد ديكور يجمِّل منظر الدستور، وهكذا تكون السلطة التنفيذية قد حصنت نفسها من المساءلة الدستورية”.

وتابع: “إضافة إلى كل ما ذكر، فإن الملاك العددي للمحكمة حدده القانون رقم 7 لعام 2014، ومن السهل جدًا استبدال قانون آخر به من قبل السلطة التنفيذية ولا سيما إنها تمتلك صلاحيات تشريعية هائلة، وبذلك يكون بإمكانها تغيير عدد القضاة في المحكمة بحسب إرادتها، إذا كانت تتمتع بسلطة واسعة، ويمكن أن تضيف قضاةً جددًا إلى المحكمة، من أجل ضمان قيام الأغلبية بالحكم لصالحها دائمًا، وإذا كان القانون رقم 7 لعام 2014 يحاول ذرَّ الرماد في العيون، من خلال إعطاء غالبية الهيئة العامة للمحكمة سلطة إقالة أحد أعضائها؛ فإن هذه الصلاحية ليست إلا صلاحية شكلية غير مجدية، لأنه وبكل بساطة يمكن لرئيس الجمهورية أن يوحي لباقي أعضاء المحكمة بإقالة العضو غير المرضي عنه، ولن يتردد باقي الأعضاء بإجابة الطلب كي يضمنوا تجديد الولاية القادمة، أو على الأقل كي يضمنوا عدم حرمانهم من حيواتهم أو حرياتهم مستقبلًا، زِدْ على ذلك أنه من غير المتصور في سورية أن يقوم أحد الأعضاء بشق عصا الطاعة على رئيس الجمهورية، لأن الأخير لا يقوم أصلًا إلا بتسمية وتعيين الشخص المرضي عنه من قبل الأفرع الأَمنية الموالية للرئيس، والتي تعيش في سورية خارج القانون بل فوقه”.

تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2012 كان قد صدر المرسوم التشريعي رقم 35 الناظم لعمل المحكمة الدستورية، وكان يمنح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين أعضاء المحكمة وإقالتهم وقبول استقالاتهم، لكن هذا القانون أُلغي بموجب المادة 70 من القانون رقم 7 لعام 2014، الذي منح المحكمة بهيئتها العامة صلاحية الإقالة، وأبقى التعيين والبتّ بطلب الاستقالة بيد رئيس الجمهورية، وهذا يدل على رغبة السلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية بالتحكم في كل شيء في الدولة، حتى في أدق التفاصيل في عمل السلطة القضائية التي يفترض أن تكون مستقلة.

وحول العيوب المتعلقة بصلاحيات المحكمة، كتب العلي: “كل متتبع للشأن العام في سورية يعلم أن القوانين والمراسيم لا تصدر إلا بموافقة ومباركة الفروع الأمنية المسبقة، ولم يحدث في تاريخ سورية، وخاصةً منذ عام 1973، أن تم الاعتراض على مشروع قانون أو مرسوم، لا من قبل رئيس الجمهورية ولا من قبل خُمس أعضاء مجلس الشعب، وبالتالي لم يتم إلغاء قانون أو مرسوم بسبب عدم دستوريته، مع أن الكثير من القوانين والمراسيم التي طبّقت، والتي ما تزال مطبّقة في سورية، غير دستورية وتشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية”.

وفي ما يتعلق باختصاص المحكمة بإبداء الرأي حول مدى دستورية مشاريع القوانين والمراسيم التشريعية، بناءً على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب بحسب الحال، كتب: “هي بمثابة طلب رأي من صاحب القرار لمن لا يملك حق الاختيار، ونرى أن المواد التي ذكرت هذا الأمر جاءت قاصرة، لأنها لم تبيّن هذا الرأي أهو مُلزم للجهة الطالبة أم لا، ومع عدم وجود النص ومع اتباع القاعدة الفقهية التي تقول “المطلق يجري على إطلاقه”، فإن رأيها الاستشاري يعدّ غير ملزم، وبإمكان الجهة الطالبة إصدار القانون أو المرسوم خلافًا لرأي المحكمة، إن افترضنا أن الأخيرة خرجت عن المألوف وذكرت أن المشروع غير دستوري، ونعتقد أن الأمر ليس سهوًا من المشرع، بل كان مقصودًا، بدليل أن رأي المحكمة يبلغ إلى رئيس مجلس الشعب دون نشر!”.

بدوره كتب المحامي ميشيل شماس، على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) رأيًا في المحكمة الدستورية، أشار فيه إلى أنها مجرد مسرحية، وطالب المحكمة بإلغاء بعض المراسيم المخالفة للدستور، وكتب: “يحاولون إظهار الأسد بمظهر الحريص على دستورية القوانين والتشريعات، ويقول المتل (إلحق الكذاب لوراء الباب)، وحيث إن (سيادته) -كما يروّج خاصة في الإعلام الروسي- أصبح حريصًا على دستورية القوانين والتشريعات، لا أريد أن أسأله عن عشرات القوانين التي تخالف حتى دستوره، بل سأكتفي بسؤاله عن مرسومين تشريعيين أصدرهما هو شخصيًا:

1 – المرسوم التشريعي 55 تاريخ 21/4/2011: حيث أضفى هذا المرسوم صفة الضابطة العدلية على كافة الأجهزة الأمنية إضافة إلى عناصر الشرطة المدنية، ومنحها حق التوقيف الاحتياطي لمدة ستين يومًا.

2- المرسوم التشريعي 63 لعام2012: منح أجهزة الأمن والشرطة في معرض التحقيقات التي تجريها بشأن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الطلب خطيًا إلى وزير المالية اتخاذ الإجراءات التحفظية على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهم.

فإذا كان الأسد حريصًا على دستورية القوانين؛ فليطعن بهذين المرسومين أمام محكمته الدستورية، حتى نصدق ما يروج اليوم من أنه أصبح حريصًا، وإن كنت أشك في ما يروج ولا أصدّقه أبدًا”.

وتعليقًا على الهدف من إثارة موضوع المحكمة الدستورية في هذا التوقيت، وردًا على سؤال لـ (جيرون) قال الأستاذ الحقوقي محمد صبرا: “من النكت السمجة في سورية، وجود محكمة اسمها المحكمة الدستورية العليا… لأن هذه المحكمة لم تنظر في دستورية أي قانون أو تشريع منذ إنشائها في عهد حافظ الأسد حتى الآن، سوى الحكم الذي صدر عنها البارحة”.

وأضاف: “النظام يهدف من وراء ذلك إلى تثبيت ثلاث قضايا لاحقًا:

– وهي أن تفعيل أي إنجاز للجنة الدستورية يجب أن يكون وفق دستور عام 2012، ووفق الآليات التي نص عليها دستور عام 2012، وفي اللائحة الإجرائية للجنة الدستورية ما يسمح بذلك.

– حشر خيارات الأمم المتحدة بطريق واحد، لتفعيل ما سينتج عن اللجنة الدستورية وهو عن طريق الاستفتاء الذي يدعو له بشار؛ لأن القوانين التي تنتج عن الاستفتاء محصنة من ولاية المحكمة الدستورية ولا تستطيع المحكمة الدستورية النظر فيها.

– أخذ خطوة استباقية ومؤسر مهم على أن النظام لن يسمح بأي تفاهم سياسي، بل سيكون كل شيء وفق منظومة قوانين النظام، وهذا الأمر يجب أن لا نستهين به كالعادة.

مع الأسف، خطوة النظام لا يمكن الرد عليها وفق خطاب المعارضة الحالي الذي يقرّ بشرعية النظام وبشرعية ما يصدر عنه، والحل هو أن تتمسك المعارضة بإعلان دستوري مؤقت، يتم إقراره باتفاق سياسي، وليس عبر الآليات القانونية أيًا كان مصدرها ومستند شرعيتها”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق