تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اللجنة الدستورية السورية: مقدمات غير مشجعة

قبل أيام، أنهت اللجنة الدستورية السورية أولى اجتماعاتها، واتفقت على أن تعود للاجتماع الثاني في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، لتتابع ما بدأته، على الرغم من أنها لم تتوصل في الاجتماعات الأولى إلا إلى اتفاق على “مدونة سلوك” لطريقة إدارة الجلسات، وعدم فسح المجال للتجاوزات اللفظية والمسلكية خلال الاجتماعات والنقاشات.

اللجنة الدستورية السورية التي اتفقت الأمم المتحدة مع روسيا على تشكيلها، لدراسة وضع الدستور السوري وتعديله أو كتابة غيره، مكلفة عمليًا بإعداد دستور يقود إلى إجراء الانتخابات على ضوئه.

ومع أن النظام السوري يُشيع في إعلامه أن اللجنة ستدرس تعديل الدستور الحالي، فإن المعارضة قالت إن أحدًا لم يُقر بعدُ ما هو الهدف، تعديل أم كتابة دستور جديد كليًا، وحول هذه الإشكالية نفى عضو اللجنة الدستورية عن مجموعة المعارضة السورية عبد الحكيم بشار، في تعليق لـ (جيرون) أن تكون المعارضة قد وافقت على تعديل الدستور الحالي (دستور 2012)، وقال إن المشاورات ما زالت قائمة للتوصل إلى قرار حول هذا الشأن.

وقال بشار: “إن أحمد الكزبري (أحد الرئيسين المشتركين للجنة، وممثل مجموعة النظام) قال في كلمته الافتتاحية: إننا نُشدد على أن يكون النقاش على دستور عام 2012، لأنه صيغ بقرار سوري واستفتاء شعبي شرعي، بحسب قوله، لكنّه أكد في الوقت نفسه أن لا مانع لدى هذه المجموعة من كتابة دستور جديد للبلاد”، وأضاف: “لذلك حتى الآن هذا الموضوع قيد البحث، ولمسنا هذه المرة جدّية أكثر من قبل وفد النظام، ويبدو أن هناك ضغطًا روسيًا فعّالًا باتجاه إنجاز حل سياسي في سورية، أو على الأقل للسير في هذا الاتجاه”.

يبدو أن طرفي اللجنة الدستورية الأكثر خلافًا، المعارضة والنظام، متوافقان هذه المرة على نحو غير اعتيادي، فطرف النظام يعمل ببطء ويحاول شغل المعارضة السورية ببديهيات يحتويها أي دستور حضاري في العالم، ويشغلهم بالحديث عن المؤامرة والإرهاب، ورشق الاتهامات، بينما ممثلو المعارضة، الذين لم يلقوا تأييدًا شعبيًا وفُرضوا فرضًا بشكل نسبي، فإنهم يبدون أكثر رخاوة من المتوقع، وكانت كل كلماتهم التي ألقوها في الاجتماع الأول عمومية ونظرية، وليس فيها ما يدين النظام ولا ما يُطالب بشدة بالمعتقلين أو بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب أو بضرورة تغيير النظام السياسي الحالي، إلا ما ندر، وبهذا المعنى تقارب الوفد الممثل للنظام مع الوفد الممثل للمعارضة السورية.

من مستوى الحوارات والكلمات التي جرت خلال الاجتماع الأول، يخشى الشارع المعارض أن تتفق الأطراف على دستور وسطي، لا يخلخل قوة النظام السوري الحالية، وقوة رأسه، ويضمن، في الوقت نفسه، الحد الأدنى من الحرية السياسية، بعد استقرار سورية وانتهاء الحرب نهائيًا بعد زمن قد يطول.

يقول الباحث عماد غليون: “لقد تجاوز تشكيل اللجنة الدستورية قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بعملية انتقال سياسي وفق القرار 2254، وعلى الرغم من إضافة أعمال اللجنة لمحتوى القرار المذكور، فإنها بقيت غير معبرة عن الإرادة الحرة للشعب السوري، لكنها مثلت تحولًا جذريًا في الموقف الدولي تجاه الملف السوري، حيث يجرى تمييع وتحجيم شروط الحل السياسي نحو مجرد إصدار دستور جديد وإجراء انتخابات على أساسه، من دون الإشارة إلى كيفية تحقيق العدالة الانتقالية ومصير نظام الأسد، وانعكس ذلك بوضوح في كلمات أعضاء اللجنة مع افتتاح أعمالها، حيث تجنبت ذكر الأسد ورموز أجهزته الأمنية القمعية دون تحميلهم مسؤولية مباشرة عن مأساة السوريين، واتجهت لتحميل كل الأطراف مسؤولية مشتركة في أفضل الأحوال، وهو ما يشير إلى توجهات اللجنة وتأثير الضغوط الخارجية المباشرة على أعضائها ومسار عملها بشكل يرضى عنه نظام الأسد”.

ما زال الشارع السوري المعارض يعتقد أن تشكيل اللجنة الدستورية غير شرعي، ويرفض تسمية أعضاء اللجنة من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري والداعمة والراعية، سواء لنظام الأسد أو المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، ويحتج على هدر اللجنة للوقت بلا طائل، بل وصل إلى قناعة بأن دورها المرسوم لها هو تعويم نظام الأسد من دون تحقيق انتقال سياسي حقيقي.

ويرى غليون أن “تركيبة اللجنة الدستورية توحي بأنها تبحث عن نصوص سائبة أو محايدة يقبل بها نظام  الأسد، بينما يستدعي الحفاظ على المصلحة الوطنية وضع نصوص تؤكد وتمجد وقائع الثورة السورية وشهدائها، ومسؤولية نظام الأسد الرئيسية عن أعمال القتل والتعذيب والتدمير والتهجير واستجلاب قوى الاحتلال الخارجي”.

بدأت عملية كتابة الدستور السوري من لجنةٍ اختارتها الدول ذات التأثير الأكبر في القضية السورية، وبدأت اللجنة أعمالها قبل أن يحصل أي تغيير سياسي في سورية، فالأسد على رأس السلطة، ونظامه يُمسك بمفاصل القوة في الدولة، وأجهزته القمعية والاستخباراتية مُطلقة اليد بحرية كاملة، وقادرة على اعتقال السوريين جميعًا، لو شاءت، بمن فيهم أعضاء اللجنة الدستورية نفسها.

بدأت عملية كتابة الدستور السوري، بينما تعج البلاد بقوى احتلال خارجي متعددة، وقواعد عسكرية برية وجوية وبحرية للأجانب، تنتهك كامل السيادة الوطنية، وسط انقسامات كبيرة ضمن فئات الشعب السوري، مذهبية وقومية ومناطقية.

هذه البدايات لا توحي بنتائج مثالية، ولا بنتائج راسخة يمكن أن تستمر طويلًا، لكن السوريين مستمرون بأملهم أن تضغط الدول الكبرى، روسيا وأميركا، في نهاية المطاف، لصياغة دستور يضمن الانتقال السياسي على عكس رغبة النظام السوري، وهو الأمل الوحيد الذي يمكن أن يُخرج اللجنة الدستورية من دائرة العبث.

يقول المعارض السوري سمير نشار، لـ (جيرون): “إن جوهر الصراع في سورية ليس خلافًا على طبيعة الدستور، فسورية كان فيها دستور، ومع بداية حكم حافظ الأسد وضع دستور عام 1973، الذي منح صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية وجمع صلاحيات السلطات الثلاث بيده، وفي عام 2012 بعد انطلاق الثورة، تم إجراء تعديلات دستورية لكن جوهر التعديلات لم تتناول صلاحيات الرئيس”.

وأضَاف: “المعضلة بجوهرها هي التقيد باحترام وتنفيذ نصوص الدستور، حيث إن الأسدين أرادا أن لا يكون هناك قيد أو رقيب على ممارستهم المطلقة للسلطة، لذلك فوجود بشار الأسد في السلطة هو عائق ومانع لأي دستور جديد أو تعديل دستوري، ومرتكزات السلطة الآن تقوم على قوة الأجهزة الأمنية والعسكرية التي لا تخضع لأي سلطة مدنية قانونية او دستورية”.

وأضاف: “إذا حصل أي إنجاز على صعيد عمل اللجنة؛ فسيكون مرهونًا أساسًا بتوافق دولي بين الروس والأميركيين وموافقة الدول الإقليمية المتدخلة بالملف السوري، وهي إسرائيل وإيران وتركيا. وتحقيق مصالح تلك الدول هو الذي يحدد مدى نجاح اللجنة الدستورية، وللأسف لن يكون هناك دور للسوريين من الجهتين، نظام ومعارضة، في تحقيق أي إنجاز، وهم ضرورة (ديكورية) لا أكثر”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق