أبحاث ودراساتسلايدر

دستور شعب سورية… بدايات ونهايات صعبة

راهنت النخبة في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية على نتائج الحركة الدستورية العثمانية، واستخدمت تعابير “الوطن العثماني” و”الأمة العثمانية”، وكان من أبرز أعلام هذه النخب سليمان البستاني والشيخ رشيد رضا. حيث وصف البستاني دستور 1908 العثماني بأنه “أعجوبة القرن العشرين”، وأشاد بالمبادئ التي ضمِنها لمواطني الدولة، من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية [1]. وشاركه في رأيه رشيد رضا، الذي كان من أكثر النخب العربية التي أشادت بذلك الدستور، وقد اعتبر يوم صدوره يومًا تساوى فيه معظم سكان الدولة العثمانية، وشعروا بأن لهم هوية جامعة على اختلاف لغاتهم وتباين مذاهبهم [2]. وفي الواقع، مثلت الإصلاحات الدستورية العثمانية (1839 – 1908) إنجازًا تأسيسيًا للحركة الدستورية العربية التي تَبنتها النُّخب في العشرينيات من القرن الماضي، فقد نقلت تلك النخب مفاهيم جديدة إلى الثقافة السياسية العربية، كالدولة/ الأمة، والمواطنة، والتمثيل النيابي، والاقتراع، وتوازن السلطات، وغير ذلك.

بعد انهيار الدولة العثمانية، أعلن فيصل بن الحسين (قائد الجيوش العربية الشمالية في قوات الحلفاء الأوروبيين) تشكيل حكومة مستقلة في دمشق، باسم والده الشريف حسين، تشمل جميع البلاد السورية، في تشرين الأول/ أكتوبر 1918 [3].  أراد فيصل في البداية تنظيم البلاد دستوريًا، فدعا السوريين إلى عقد مؤتمرٍ يمثل بلاد سورية الطبيعية [4].وجرى انتخاب المؤتمر على أساس القانون الانتخابي العثماني على درجتين، من الشعب أولًا ومن النواب ثانيًا، فكانت أول انتخابات نيابية شعبية في تاريخ سورية الحديثة [5].

وبعد ذلك، عقد المؤتمر ثلاث جلسات رئيسية، بين شهري حزيران/ يونيو 1919 وتموز/ يوليو 1920، وضعت خلالها لجنة الدستور مشروعًا مؤلفًا من 148 مادة لـ “المملكة العربية السورية”. وقد اختارت اللجنة الشكل النيابي الدستوري في حكومة ملكيةٍ نيابية (المادة 1)، والحكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي (المادة 29) [6].وكانت الملكية في مشروع الدستور مُقيدة، والسلطة التشريعية موزعة على مجلسين: “النواب والشيوخ”، واقتبستها من نموذج الملكيات الدستورية الأوروبية [7]. كذلك صاغ دستور المؤتمر السوري الأول مفهوم المواطن، بغض النظر عن أي تحديد ديني أو اثني له، حيث أطلقت صفة (مواطن) على جميع أفراد المملكة السورية العربية (المادة 10)، فالمواطن السوري هو كل فرد من أهل المملكة السورية العربية، وليس من يتكلم العربية فقط (المادة 10) [8].

كان الدستور السوري الأول دستورًا علمانيًا، حدد دين الملك بالإسلام، وتجلت فيه الهوية العربية أكثر من الإسلامية، واستوعبت مواده التغيرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على البلاد، بعد خروج الأتراك العثمانيين منها. وقد شكلت قضاياه منطلقًا للجدل والنقاش الشعبي والنخبوي الذي استمر بعد الاستقلال الوطني [9]. وعدّ الباحث جمال باروت الدستور السوري الأول وثيقةً مبكرة عن بنية قضايا الخلاف التي ستظهر في الحياة الدستورية، وفي علاقات النخب، وصراعاتها في سورية طوال القرن العشرين [10].

انتهت التجربة الدستورية التي عاشها السوريون في مرحلة الحكم الفيصلي، بدخول القوات الفرنسية بقيادة غورو دمشق في 1920، إذ فرضت فرنسا ـوفق معاهدة سان ريمو وقرار عصبة الأمم المتحدةـ الانتداب على سورية ولبنان [11].ومنذ البداية عمل الفرنسيون على التأسيس لبناءات سياسية متعددة الإدارات الذاتية [12]، وعملوا على تجزئة البلاد إلى دويلات اثنية وإقليمية، هي حلب ودمشق والزور وجبل الدروز وجبال العلويين ودولة لبنان الكبير. وكي تسهل السيطرة عليها، أصدر الجنرال الفرنسي ويغان مرسومًا في 1924 بإنشاء دولة اتحادية في سورية، يستثنى منها لبنان الكبير وبلاد العلويين والدروز [13].فنتج عن تلك السياسة الفرنسية التفريقية، تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وبلغت أوجها في اندلاع الثورة السورية عام 1925. ولأجل أن تحتوي فرنسا الموقف، وافق المفوض الفرنسي على عقد انتخابات لجمعية تأسيسية سورية تضع دستورًا جديدًا للبلاد [14].

بعد انتخاب الجمعية التأسيسية عام 1928، عقدت الجمعية خمسة عشر اجتماعًا، وفي شهرٍ واحد، أعدت الدراسات داخل اللجنة التحضيرية، وفي لجنة الدستور. وقَدم فوزي الغزي (مقرر اللجنة) بيانه حول الخلفيات التي أوجبت وضع الدستور، بالقول: “كان للنهضات السياسية والاجتماعية التي غذت روح الحضارة الأوروبية أثرها البارز في حياة المشرق العربي”. فاللجنة درست المشروع دراسة مستفيضة، واستعانت بأرقى الدساتير العالمية [15]. وقد ركزت مواد الدستور في مجملها على قضايا الاستقلال والسيادة الوطنية، ووحدة سورية الطبيعية. وآثرت الجمعية شكل الحكم الجمهوري على الملكي (م3)، لأن معظم الأمم الحديثة اعتمدته بعد الحرب العالمية الأولى [16].

كان دستور 1928 دستورًا تقدميًا، حيث وسع من صلاحيات البرلمان، ولكنه جاء ليعبر عن إرادة النخبة التي وضعته، والتي تبنت مفهومًا ديمقراطيًا فيه، واستجابت للمزاج الاجتماعي العام، وخاصة في ما يتعلق بكون دين رئيس الجمهورية الإسلام، فلم يكن بالإمكان تغيير المادة، على الرغم من اعتراض المسيحيين على تعيين الدين في الدستور، وذلك بسبب شدة تأثير الأوساط الدينية والتجارية المدينية في قرارات الكتلة الوطنية، التي كان لها الدور البارز في إنجاز دستور 1928 [17].

سعت الكتلة الوطنية لتكثيف جهودها لنيل التأييد الشعبي للدستور، من خلال المهرجانات واللقاءات الوطنية في دمشق وحلب وغيرها [18]. إلا أن المفوض الفرنسي علَّقَ الدستور، ورأى أنه يخالف بنود نص الانتداب، وأصدر في أيار/ مايو 1930 قرارًا بنشر دستورٍ سوري “مُعدل”. حيث دخل الدستور إلى وزارة الخارجية الفرنسية، وخرج معلقًا في ذيله دساتير للواء إسكندرون، واللاذقية وجبل الدروز [19]. وتضمن الدستور الجديد مواد دستور 1928 نفسها، وأضاف إليه المادة 116، إذ إنه “عدل وحوَّر” المواد، كما يوافق مصالح فرنسا، وجعل الحكم في سورية “تحت رحمته، وطوع مشيئته” [20]. ومع ذلك، فإن مواده كانت أكثر متانة من دستور 1928، والسبب أن مشرعي دستور 1928 كانوا متحفزين لوضعه بسرعة كبيرة، وهو ما سبب ركاكة في عدد من مواده [21].وهذا لا يعني أن منح فرنسا دستورًا لسورية جعلها تتخلى عن النهج الأقلوي لتفريق السكان المحليين، وهو ما أكدته الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1931، بموجب مرسوم المفوض الفرنسي؛ إذ تَكوَّن البرلمان السوري من سبعين عضوًا، على أساس اثني ومناطقي، بينهم اثنان وخمسون نائبًا سُنيًا، وأربعةَ عشر نائبًا من جميع الأقليات [22].

لم يتوقف الكفاح البرلماني في سورية ضد المراسيم والقوانين الفرنسية، وقد عبّرت عن ذلك كلمة جميل مردم، وزير خارجية سورية، في تعليقه على المادة 116 من دستور 1930، خلال جلسة برلمان 1943، بالقول: “أما في ما يتعلق بالمادة 116 فإن البلاد لم تعترف بها في يوم من الأيام… ولقد مارسنا الحياة الدستورية في عام 1932 و1933، فاعتبرنا هذه المادة في حكم التحفظ. ولقد مارسنا الحياة الدستورية في عام 1936، فاعتبرنا هذه المادة في حكم التحفظ أيضًا. ولقد أقدمنا على مُمارسة الحقوق الدستورية في عهد الرئيس شكري القوتلي، واعتبرنا هذه المادة لا علاقة لها بالدستور السوري مطلقًا” [23]. فأظهرت كلمته تنامي شدة الكفاح السياسي في سورية، لإثبات حقوق السوريين في بناء دولة دستورية مستقلة، والتأكيد على المبادئ التي جاء بها دستور 1928، الذي وضعته جمعية سورية منتخبة من الشعب بطريقة حرة وديمقراطية.

في تلك المرحلة، تشكلت نخبة سورية برجوازية زراعية/ تجارية، حصلت على ثقافة غربية، فأدار أبناؤها المهن الحديثة، والمناصب العُليا في ظل المؤسسات البيروقراطية الجديدة التي شيدها الفرنسيون. حيث ابتكروا الهيئات الرسمية للدولة الليبرالية الحديثة، ومنها البرلمان السوري، والمؤسسات الأخرى [24]. وتولى البرلمان دوره الريادي في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى إن فارس الخوري (رئيس البرلمان السوري) أشاد -على إثر عودته من سان فرانسيسكو الأميركية- بالدور الذي لعبه البرلمان في خوض معركة الاستقلال، وذلك في 24 نيسان/ أبريل 1946، قائلًا: “وهذه ضبوط مجلس النواب حافلة كلها بصفحات نيرة وخطب فياضة بالحماسة الوطنية والعزة القومية” [25].

وهكذا نجد أن سورية، على الرغم من ازدهار الحركة الدستورية فيها، وأنها كانت سباقة إلى تطوير ثقافة دستورية وطنية، واستفادت من تجارب غربية وشرقية متعددة، افتقرت منذ البداية، إلى وجود قيادة سياسية قوية وموحدة، تساهم في ردم الفوارق الطبقية، وتسعى لترسيخ القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولذا بقيت عاجرةً عن تأمين الاستقرار الداخلي. واستمر الخلاف والنقاشات السياسية والدستورية التي شغلت الساحة السورية، خلال العهد الانتدابي الفرنسي والاستقلال الوطني، ومن ثم في عهد البعث، وتتكررت تلك الإشكالات في المرحلة الراهنة؛ مثل النقاشات التي دارت حول علاقة الدين بالدولة، وحقوق الأقليات، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، والحيلولة دون أي تدخلات خارجية في شؤونها، ولكن هل تحقق ذلك فعليًا؟ يبدو أن الإصلاح الحقيقي اليوم بات مرتبطًا بإرادات المتصارعين (اللاوطنيين)، وضاعت طموحات المطالبين بالإصلاح والتغيير بين ميدان الدم وأروقة اجتماعات السياسة والدسترة ومتاهاتها.

____________

[1] سليمان البستاني، عبرى وذكرى “الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده”، تحقيق خالد زيادة، (بيروت، دار الطليعة، 1978)، 244.

[2] رشيد رضا، مختارات سياسية من مجلة المنار، تحقيق وجيه كوثراني، (بيروت، دار الطليعة، ط1 1980)، 137 ـ 138.

[3] محمد جمال باروت، المؤتمر السوري العام (1919 ــ 1920 ): الدستور السوري الأول، في: الدستور في الفكر العربي الحديث “تواريخ وقضايا”، (الدوحة)، مجلة تبين، العدد 3، المجلد الأول، شتاء 2013، 23 ـ 25.

Majid Khadduri,”Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950,”Middle East Journal, Vol.5, no.2(Spring,1951), p.138 [4]

[5] محمد عزة روزة، حول الحركة العربية الحديثة: تاريخ ومذكرات وتعليقات، (صيدا، المطبعة العصرية، 1951)، مج1،  351 ــ 352.

[6] باروت، المرجع نفسه 36 ــ 37

Majid, Ibid, p.p.138 – 140. [7]

 [8] باروت، المرجع نفسه، 37 ـ 39.

[9] يتحدث الأستاذ محمد عزة دروزة عن الكيفية التي تمت بها مناقشات الدستور، فيقول: “لقد كان في المؤتمر عددٌ غير قليلٍ من مثقفين وخريجي مدارس عالية وباحثين وعلماء دين. فكانت المناقشات حادة وجدية، وإن النقاشات التي بلغت أوجها كانت حول النص على مساواة المرأة بالرجل، سياسيًا ومدنيًا وانتخابيًا وتمثيلًا، كما نادى بعض التقدميون، وعارضهم التقليديون. انظر في: دروزة، المرجع السابق، مج 1،  461 ــ 462.

[10] باروت، المرجع نفسه، 48.

 [11] نص قرار الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان في 24 تموز/ يوليو  1922 على الأمور الآتية:

م1: تضع الدولة المنتدبة نظامًا أساسيًا لسورية ولبنان خلال ثلاث سنوات، ويعد هذا النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات الوطنية، وينظر فيه بعين الاعتبار إلى حقوق الأهلين في الأراضي المذكورة، وإلى مصالحهم، وأمانيهم.

م2: اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تسهل لسورية ولبنان النمو والتقدم، وتؤيد الدولة المنتدبة الاستقلال الإداري المحلي بكل ما تسمح به الأحوال.

م8: تضمن الدولة المنتدبة للجميع حرية التفكير التامة كما تضمن حرية القيام بجيع الشعائر الدينية التي تتفق مع النظام العام والآداب. للمزيد: انظر في: يوسف إيبش ويوسف قزما خوري، البيانات الوزراية السورية ومناقشاتها في المجلس النيابي (1918 ـ 1958)، (بيروت، دار بيسان للنشر، ط 1 2000)، 708 ــ 709.

[12] لونغريغ، المرجع السابق، 151.

[13] لونغريغ، المرجع السابق، 167

  Majid, Ibid, p.140. [14]

[15] وجيه الحفار، الدستور الجديد في الجمهورية السورية، تقديم جميل مردم، (دمشق، مطبعة الإنشاء، د.ت)، 49 ــ 50.

[16] وجيه  الحفار، المرجع نفسه، 52.

[17] فيليب خوري، سورية والانتداب الفرنسي “سياسة القومية العربية”، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية، (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1 1997)، 385.

[18] فيليب خوري، المرجع نفسه 389 ـ 390.

[19] لونغريغ، المرجع نفسه، 241.

[20] الجريدة الرسمية، تقرير رئيس لجنة دستور 1950، الجلسة الحادية والعشرون في 15 نيسان/أبريل 1950، العدد 22، في تاريخ 23 حزيران/يونيو 1950، 4.

Majid, Ibid, p.144. [21]

 [22] تضمن القانون الانتخابي الفرنسي في سورية في 1931 انتخاب مجلس نيابي. وتوزعت المقاعد النيابية فيه، إضافة إلى مقاعد المسلمين السنة، على جميع الاثنيات، فكان هناك عضوان من الروم الأورثوذكس، وواحد من اليهود، وواحد من الإسماعيليين، وواحد من الأرمن الأورثوذكس، وواحد من الروم الكاثوليك، وواحد من السوريين الأورثوذكس، وثلاثة من الشيعة، وأربعة من القبائل البدوية، انظر: لونغريغ، المرجع نفسه، 241.

[23] الجريدة الرسمية للجمهورية السورية، تقرير جميل مردم حول وضع المادة 116 في دستور 1930، الدور التشريعي الثالث، 27 كانون الأول/ ديسمبر 1943،  408.

[24] رايموند هينبوش، تشكل الدولة الشمولية في سورية البعث، المرجع السابق، 61 ـ 63.

[25] أكرم الحوراني، مذكرات، (القاهرة، مكتبة مدبولى، ط 1 2000)، ج 1،  474.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق