مقالات الرأي

الفساد والاستبداد في مواجهة ثورة الشعوب

ما إن التقط أتباع النظام السوري الاستبدادي الفاسد المفسد، من العلنيين والمقنعين، أنفاسهم، وباشروا في الكشف عن بواطنهم، حتى فوجئوا بثورة الشعبَين اللبناني والعراقي؛ ليعودوا إلى المربع الصفر، مواجهين احتمالات مفتوحة على مختلف السيناريوهات. فبعد أن تمكنت القوى المعادية لحرية الشعوب العربية من إجهاض ثورات الربيع في العديد من الدول العربية، خاصة في اليمن وسورية وليبيا ومصر، واستخدمت في ذلك الأموال والأيديولوجيات النكوصية والماكينات الإعلامية التضليلية، إلى جانب الآلة العسكرية، هذا فضلًا عن الخطط المخابراتية؛ بلغ الأمر ببعض من قُدموا بوصفهم معلقين ومحللين وباحثين سياسيين من المرتبطين بالأنظمة، سواء من المكشوفين المعروفين أم من أولئك الذين يمارسون صيغة من التقية التي كانت تظهر بداية في مظهر حيادي لا أدري، ولكنها سرعان ما كانت ترمي أقنعتها جانبًا مع الشعور بقرب حسم الأمور لصالح النظام، بلغ الأمر بهؤلاء درجة شيطنة تلك الثورات بالمطلق، والتغني “بمآثر” الأنظمة الاستبدادية و “إنجازاتها”. وبدأت القوى الرمادية التي كانت حريصة في مختلف الظروف على عدم قطع روابطها مع أجهزة النظام بإرسال رسائل الولاء، والتمهيد للعودة إلى حظيرة النظام تحت شعار العودة إلى حضن الوطن. وقد بلغ التمادي ببعضهم حد التشفي من الغالبية الغالبة من الشعب السوري التي انتفضت وثارت على النظام في معظم المدن والبلدات السورية، واستمرت في ثورتها السلمية على مدى أشهر، على الرغم من القتل التدريجي اليومي الذي كان النظام يمارسه ضد المدنيين العزل، ولا سيّما رموز الثورة، وكانت استراتيجيته واضحة المعالم منذ اليوم الأول، ومحورها الربط بين الثورة والإرهاب، وإغراقها بسيل من الجماعات الإرهابية التي صنعتها الأجهزة الاستخباراتية التي أتقنت لعبة تشكيلها وتسويقها وتكليفها بمختلف المهام القذرة، سواء في لبنان أم في العراق وفي سورية.

أما التكتيك الذي اتبع في إطار تلك الاستراتيجية، فقد تمثل في الاستمرار في إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، حتى يصبح مشهد قتل المدنيين السوريين جزءًا من المألوف اليومي في الإعلام، ليتكيّف معه الرأي العام العالمي، خاصة في مرحلة تصاعد الشعبويات والنزعات القوموية الانعزالية في مختلف أنحاء العالم، أما نتائج هذه الاستراتيجية فقد ظهرت لاحقًا حينما لم يتحرك المجتمع الدولي أمام مشاهد ضحايا براميل الحقد والكيمياوي والصواريخ الباليستية والتدمير الشامل.

كان أنصار النظام وأتباعه والانتهازيون المستعدون لاقتناص الفرص يحضّرون أنفسهم تحت الشعارات الوطنية والواقعية، و”الحرص على مستقبل الشعب” لمبايعة النظام عبر أبواقه من جديد، ولكن الذي حدث هو أنهم فوجئوا بثورة الشعب اللبناني من جميع المكونات والتوجهات، وفي سائر الجهات على النظام الفاسد الخاضع لهيمنة النظام الإيراني، وأجهزة النظام السوري، عبر “حزب الله” الذي يتمتع بصلاحيات وكيل فوق العادة في لبنان وسورية واليمن، وفي أماكن أخرى.

لقد تمكن اللبنانيون العزل، بمطالبهم المشروعة وارتقائهم فوق الولاءات ما قبل الوطنية، أو تلك العابرة للحدود الوطنية، من نزع الهيبة الزائفة عن شعارات “حزب الله” وخطاباته التجييشية التي طالما زاود بها على اللبنانيين، تلك الشعارات والخطابات الممزوجة مع لغة التهديد والوعيد والتخوين اليومية التي استخدمها، وما زال يتسخدمها، رئيس الحزب المذكور وقادته وكوادره، لترويع كل من يدعو إلى إعادة النظر في مشروعية هيمنة الحزب، واحتكاره لقرار الحرب والسلم، وامتلاكه السلاح غير الشرعي، و “الاقتصاد” غير الشرعي؛ وتدخله السافر في سورية، حيث ساهم إلى جانب النظام والفصائل المذهبية العراقية والأفغانية تحت قيادة الحرس الثورة الإيراني، في قتل السوريين وتهجيرهم وتدمير مساكنهم وبلادهم.

وما عزز مخاوف وهواجس جماعة النظام، وأولئك الذين كانوا يتهيؤون لتطبيع العلاقة معه، هو تزامن ثورة اللبنانيين مع ثورة العراقيين، وفي كلتا الحالتين قرر الشعب تجاوز الحدود الطائفية البغيضة، والجهوية الانعزالية التي فرضها زعماء الطوائف من أتباع المشروع الإيراني، هؤلاء الذين حولوا العراق ولبنان إلى ساحة من الساحات الأشهر بالفساد، بكل أشكاله، على المستوى العالمي.

لقد اعتمد النظام الإيراني، منذ انقلاب الخميني، استراتيجية استغلال المظلومية الشيعية في مختلف الدول العربية، وهي الدول التي لم تتمكن لأسباب عدة من استيعاب الشيعية الوطنية واحترامها، والتعامل معها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي الوطني. ولم تدعم الدولة المعنية المرجعيات الشيعية الوطنية التي كانت هدفًا مستمرًا للجهود الإيرانية التي عملت على الحد من نفوذها، وإبعادها من معادلة التأثير في الوسط الشيعي؛ حتى أصبحت المرجعية الإيرانية بصورة عامة هي المرجعية المهيمنة المؤثرة. وقد تم تعزيز ذلك بتشكيل ميليشيات مسلحة خارج نطاق مؤسسة الجيش التي تظل، على الرغم من كل الضغوط والسلبيات، مؤسسة وطنية جامعة، عصية على الالتهام الكامل من جانب النظام الإيراني، لذلك كان أسلوب تشكيل الميليشيات هو الأنجع بالنسبة إلى النظام المعني، فهي سهلة الانقياد؛ والقدرة على التحكم فيها كاملة، وعلاوة على ذلك فهي ممولة من العراق، وتجند عناصر عراقية لخدمة مصالح المشروع الإيراني، سواء في العراق أم في المنطقة.

هناك قواسم مشتركة بين الوضعيتين العراقية واللبنانية الخاضعتين للهيمنة الإيرانية، تتمثل في قدرة الميليشيات العسكرية على التحكم في توجهات الحكومة، وتحديد بنيتها ووظائف أعضائها، والتغطية على الفاسدين من أتباعها وحلفائها، والاعتماد على الاقتصاد الموازي المشبوه.

إن ما يحدث اليوم في لبنان والعراق يؤكد أن تحرّك الشعوب من أجل التغيير إنما هو حاجة وطنية، وليس مؤامرة بتدبير من أعداء “محور المقاومة والممانعة”، كما ذهب إلى ذلك زعماء إيران، وقادة “حزب الله” في لبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق.

شعوب منطقتنا تمتلك من الإمكانيات ما يؤهلها لتحقيق نهضة توفر مقومات العيش الكريم، وتضمن مستقبلًا واعدًا لأجيالها المقبلة؛ إلا أن بلدانها قد باتت -بحكم تقاطع المصالح المشبوهة بين حكامها ومشاريع النظام الإيراني- ساحة قتل وتدمير وتهجير. أما الاستراتيجية التي يعتمدها النظام الإيراني فخلاصتها إضعاف الآخرين من أجل البقاء. وتشمل عملية الإضعاف هذه مختلف الميادين. فعلى الصعيد المجتمعي، عمل، ويعمل، النظام المعني من أجل ترسيخ الشرخ المذهبي. وعلى الصعيد الاقتصادي هناك استنزاف هائل للموازنة، وتبديد للإمكانيات من خلال تشجيع حيتان الفساد، والتغطية عليهم، هؤلاء الذين لم يعد فسادهم يقتصر على مئات الآلاف، بل وصل إلى الملايين، إن لم نقل إلى المليارات من الدولارت.

هذا إلى جانب التغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع، حتى أصبحنا أمام ما يشبه المشروع الإمبراطوري الذي يعمل أصحابه على التكيف مع مختلف المكونات والتوجهات، شرط أن يكون زمام المبادرة بيد أرباب المشروع المعني، ولا يكون للتابعين أي دور نوعي خارج نطاق ما يرسمه لهم الموجه المتحكم.

الأمور لم تحسم بعد، سواء في لبنان أم في العراق، ويبدو أن النظامين هناك يراهنان على عوامل الوقت والملل والإحباط والانقسام بين المتظاهرين والمعتصمين؛ وستكون هناك من دون شك جهود مكثفة لإثارة العصبيات المذهبية والمناطقية، وربما حالات تفجير واغتيال كبرى. ولكن مع كل ذلك، فإن المؤشرات التي تبدو حتى الآن تؤكد أن ما نشهده في كل من لبنان والعراق يمثل حصيلة نوعية من تراكمات من معاناة الناس وردات أفعالهم على مدى عقود من الفساد المرتبط بمشاريع الآخرين من موقع الجندي التابع.

وما يُستشف من الشعارات المرفوعة، والمطالبات التي لم يتجرأ أي طرف حتى الآن على التشكيك في مشروعيتها، هو أن الاستثمار الإيراني الطويل في البلدين (العراق ولبنان) هو في مهب الريح راهنًا، هذا إذا استمر الجانب الإيراني في نهجه التصديري التوسعي الذي اعتمده منذ سيطرته على الحكم عام 1979.

إيران دولة إقليمية مهمة، من دون شك، وهي تمتلك من الإمكانيات والموارد ما يؤهلها لأن تكون قوة تنموية تساهم في نهضة المنطقة، وانتعاشها، وذلك إذا كانت العلاقة بين إيران والقوى الإقليمية الأخرى سليمة، ومبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ولكن كل ذلك لن يتحقق، ما لم تتحول إيران إلى قوة تساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

أما أن يستمر النظام الإيراني في جهوده التخريبية ضد دول الجوار وشعوبها، ضمن إطار سياسة تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، من أجل تكوين انطباع مضلل لدى الشعب الإيراني في الداخل بأن نظامهم هو الأقوى، فهذا لن يساهم في حل مشكلات منطقتنا، بل سيؤدي إلى تعميقها واتساع نطاق انتشارها.

شعوب منطقتنا تثور من أجل كرامتها، ومستقبل أبنائها وبناتها؛ وهي تواجه حفنة من الفاسدين المفسدين المستبدين الذي يسوقون أكذوبة الانتصار، بعد أن حولوا الشعوب والأوطان إلى حطام، على حد تعبير الراحل الدكتور طيب تيزيني. وفي مواجهة كهذه، لا يمكن للمرء الذي لم يفقد ضميره وتوازنه العقلي بعد، أن يكون حياديًا، فأساس البلاء في مجتمعاتنا هو الفساد وشريكه وحاميه الاستبداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق