تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الأسد ومدونة السلوك.. منهج قاتل ونتائج مضللة

عندما أنهت اجتماعات جنيف السورية قبل أيام جلساتها الموسّعة لمناقشة الدستور؛ تم إقرار فقرة سميت “مدونة سلوك”، تضبط عمل أعضائها والرؤساء المشاركين فيها، بعد أن تم التداول بشأنها، وفيما كان المجتمعون بين هرج ومرج، وتبادل للغمز والنظرات، استأنف النظام وحليفه الروسي الداعم لكتابة دستور جديد، القصف المُركز على بلدات وقرى محافظة إدلب. المقصود أن مدوّنة السلوك، بل كل الدستور، لا تعني لا النظام، ولا حلفاءه المقتنعين بأن المناقشات التي رتبتها موسكو مع حلفائها، بدعم من المنظمة الدولية، هي ملهاة جديدة تساعد النظام في إتمام سلوكه المسكوت عنه.

وبما أن الأسد يتمدد بسيطرته، وثابت على منهجه الذي خبره السوريون، فلن يحدث شيء يجعلهم يفرقون بين البدء بكتابة دستور وقبله، وحدها الحماقة التي مارسها المجتمعون على نية تغيير نية الأسد “بالحسنى الدستورية”، هي التي يستفيد منها الأسد. هنا نستذكر ما قاله الراحل إدوارد سعيد، عن مفاوضات طابا عام 2001، وعن المفاوض الفلسطيني الذي يدخل قاعة المفاوضات متسلحًا بفهلويته الخطابية وتصريحاته الإعلامية، دون أن يحمل خرائط ووثائق تسانده في موقفه، حينها قال “المفاوض يتسم بالغباء”.

كثيرة هي الوثائق والدلائل التي تسلح بها السوريون، والتي تنسف مصداقية قبول أو رغبة النظام في النزول عند رغباتهم وتطلعاتهم، والمقارنة بين ما أورده المفكر إدوارد سعيد عن المفاوض الفلسطيني، هي تمامًا ما تستخدمه عقلية النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي. كل الملفات المتعلقة بالتدمير الشامل والتهجير والقتل تحت التعذيب واستخدام الأسلحة المحرمة، تُلزم السوري بالمطالبة بمناقشة بند واحد، يتعلق بإحالة النظام وأركانه إلى محاكم دولية، أما الاستخفاف والغوص في مناقشة الدستور، والبحث عن وثائق منذ نصف قرن أو أكثر، لمقارنتها والاستفادة منها، فهذا ضرب من الحماقة المستمرة.

مجرد استمرار الجرائم يسقط بلاهة الحلول التي يحاول نفاق المجتمع الدولي تغطية جرائم النظام بها، انتهى الاختبار منذ تسعة أعوام للتحري عن أسلوب وعقلية النظام. في اجتماعات جنيف الدستورية، كاد بعض السوريين الموالين لسياسته، أو بعض الواهمين، أن ينسى طبيعته؛ فجاءهم ليذكرهم بطبيعته، ليعيد أجواء الرعب فوق المدنيين وتحتهم. هذا المنهج القاتل والدموي للنظام لا تحجبه نتائج مضللة في ترتيب “نقاشات جنيف” فيما كل الملفات مؤجلة، هذه ليست ألاعيب النظام، هي حقيقته التي أفصح عنها وزير خارجيته منذ عام الثورة الأول، حين استعار كلمات شامير عن جرجرة السوريين عشرات السنوات للمفاوضات، وقال هذه لعبتنا.

حصة الأسد من نقاش السوريين هي حصته من دمهم، هذا المغزى والمعنى ليس مجازيًا، حين يشارك قتلة السوريين في مفاوضتهم على ما تبقى من دمهم، وحين يقبل من يمثلهم أو يمثل دمهم القفز على الأساس الذي ثار عليه شعبهم للتخلص من قاتلهم، فذلك من شأنه ضمان القدر الأقصى لاستمرار نظام الإجرام. في هذا المضمار، إن ميزة التضليل والفهلوة التي يحاول الظهور بها وفدا النظام والمعارضة، هي مقيدة بشكل أو بآخر لأبسط مطالب السوريين بمحاكمة النظام عن جرائم ضخمة، وبالانهماك في التدقيق عن مواد دستورية، خرقها الأسدان الأب والابن منذ خمسة عقود، وأفقدت “الدستور” مضمونه الحقيقي، بعيدًا من بنوده التي يجهلها معظم السوريين، والتي استبدلت بشعارات الأسدية.

التحول الجذري الذي طرأ على المجتمع السوري يتطلب بندًا وحيدًا نكرره دومًا، ويجب أن يكون مشمولًا في أي دستور: اجتثاث الأسدية والأبدية، يمكن أن يكتب تحت هذا البند أي دستور، وهو الثمن الذي يقبله كل السوريين مقابل تأسيس سورية المواطنة والكرامة، ألا يكفي أن يكون في سورية دستور يجرم الأسد وحقبته، ليتعالى السوريون على الجراح. ودون ذلك؛ يبقى القاتل ومنهجه لا يضبطه أي سلوك، وتكون كل النتائج مضللة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق