تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اجتماعات اللجنة الدستورية.. ميدان للصوت العالي

بعد عامين من الجهود، وسلسلة طويلة من الاجتماعات، في أستانة وسوتشي وغيرها، بدأت أعمال اللجنة السورية المكلفة بوضع دستور جديد لسورية، والتي تضم 150 عضوًا موزعين بالتساوي بين النظام والمعارضة وجماعات المجتمع المدني، وبعد يومين عاصفين بالمناكفة والاتهامات المتبادلة، واتهام النظام للمعارضة بالتبعية والخيانة، وإصرار المعارضة على ضرورة الخلاص من الحكم الشمولي، وتذبذب جماعة المجتمع المدني بين هذا الطرف وذاك؛ تمّ تشكيل اللجنة المصغرة، للجنة الدستورية والمؤلفة من 45 عضوًا من أعضاء اللجنة.

غادر نحو ثلثي أعضاء اللجنة الدستورية إلى بلاد إقامتهم، لتبقى في جنيف الهيئة المصغرة، وفي يوم بدء عمل اللجنة الدستورية المصغرة، تمّ تعليق الاجتماع بعد أن طلب وفد النظام العمل ساعتين فقط في اليوم، أي 10 ساعات أسبوعيًا، فيما طلبت المعارضة العمل ثماني ساعات، أي 40 ساعة أسبوعيًا، ورأت المعارضة السورية أن هذا التصرف يتطابق مع موقف الحكومة السورية التي تُماطل في ما يتعلق بالحل السياسي السوري.

تم التوافق بين الرئيسين المشتركين للجنة: هادي البحرة عن المعارضة، وأحمد الكزبري عن النظام، على أن يكون جدول أعمال هذا الاجتماع مخصصًا لوضع برنامج عمل اللجنة خلال الاجتماعات القادمة، ثم البدء بمناقشة الأفكار والمقترحات التي تصلح لتكون مبادئ دستورية.

يريد وفد النظام أن يعمل ساعتين في اليوم، أي بمعدل 500 ساعة سنويًا، وبهذه المعادلة الزمنية، فإن مناقشة الدستور يمكن أن تنتهي بعد عشر سنوات من الآن، وهذا ما يسعى النظام لإمراره كأمر واقع.

المشكلة الأساس أن الأمم المتحدة لم تحدد إطارًا زمنيًا لإنجاز عمل اللجنة الدستورية، التي تتخذ قراراتها بالتوافق، أو بأغلبية 75 بالمئة من الأصوات، وبالتالي، فإن موعد إطلاق الدستور المتوافق عليه (إن حصل توافق) يمكن أن يمتد لسنوات مقبلة، وربما لعقود.

هذا الأمر ذكره الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن المعارضة هادي البحرة، حيث قال: “لا يوجد توقيت زمني لعمل اللجنة المصغرة، وستعمل بشكل مستمر ومتواصل، لتضع صيغًا لمضامين دستورية، تُناقش لاحقًا في اللجنة الموسعة”، ولم تتوقف المعارضة السورية أمام مسألة الزمن، ويبدو أنها تخلت عن مبادئها الأساسية التي كانت تتمسك بها، وتُطالب المبعوث الأممي بوضع جدول زمني لأعمال هذه اللجنة حتى لا يُماطل النظام بعملها سنوات طويلة.

بعد عام ونصف من الانتظار، تم الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وأطلق المبعوث الأممي غير بيدرسون عمل اللجنة في جنيف، يوم الأربعاء 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، على أن تضطلع بمهمة وضع مسودة دستور لسورية، على أمل أن يكون ذلك مدخلًا للحل السياسي للأزمة السورية.

لم تخلُ هذه الاجتماعات من خلافات بين وفدي النظام والمعارضة، حول التفاصيل التقنية للاجتماعات والأعضاء في اللجنة المصغرة، مما دفع المبعوث الأممي إلى كتابة مدونة سلوك وزّعها على أعضاء اللجنة لضبط إيقاع المناقشات، ولمنع الصدام الكلامي والتعطيل والحرب النفسية والفوضى في قاعات الاجتماعات، وجاء في المدونة أنه يجب أن تتسم المحادثات بروح التوافق والانخراط البنّاء، ومشاركة كل الأطراف في كل الاجتماعات، والتحاور باحترام متبادل، واحترام هيبة اللجنة والامتناع عن التصرفات اللاأخلاقية، وهي أفكار عامة وروتينية، لكنها في الحالة السورية أمرٌ لا بد منه.

كان خطاب المعارضة السورية في اجتماعات الأيام الأولى ذا سقف منخفض، لم يُعجب جمهور المعارضة، ففيه كثيرٌ من الرومنسية السياسية التي لا تُفيد في زمن الحروب، والأكثر مفاجأة كان خطاب جماعات المجتمع المدني، تلك الجماعات التي يُفترض أن تكون حيادية ومعتدلة، وتملأ الفجوة بين أفكار المعارضة وأفكار النظام، لكنها كانت بخطاب شبه متطابق مع خطاب النظام السوري، في ما يتعلق بضرورة نسيان الماضي ونسيان الجراح، واعتبار أن ما مرّت به سورية هو أزمة لا يجب أن يتحمل نتائجها النظام السوري.

في ظل هذه السقوف المنخفضة، لا يبدو أن المعارضة السورية قادرة على فرض أفكارها بسهولة، وحول ما تتأمله المعارضة من اللجنة الدستورية، قال كاميران حاجو، لـ (جيرون): “إن القرار الدولي 2254 يتحدث عن دستور جديد، ومع أن وفد النظام يتحدث عن إصلاح دستوري فقط، فإن المعارضة السورية تريد دستورًا جديدًا، ولا شك أن المسالة لا تتعلق فقط بكتابة دستور عصري متوافق مع المعايير الدولية، إلا أن الأهم هو آلية تطبيق هذا الدستور، وهذا يعيدنا إلى القرار الدولي 2254 الذي يدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي واسعة الصلاحيات تؤمّن هذه الآلية”.

وأضاف: “إننا نريد أن يحقق هذا الدستور ما لم يستطع أي دستور سابق منذ نشوء الدولة السورية تحقيقه، ونريده أن يعكس التنوع القومي والديني في المجتمع السوري، وأن يُثبت أن سورية دولة متعددة القوميات والثقافات، وأن يضمن الحقوق القومية لكافة المكونات من عرب وأكراد وتركمان وسريان وآشوريين وغيرهم”.

هذا عن أقصى مطالب المعارضة السورية، أما عن مطالب بعض المعارضين الأكثر رخاوة، فقد تمركزت حول ضرورة عقد الاجتماعات هذه في وسط العاصمة السورية دمشق، وتحت رؤية ومراقبة وهيمنة وتسلط الأجهزة الأمنة، وهو الأمر الذي شددت عليه منصة موسكو المعارضة، وأعضاء من مجموعة المجتمع المدني (الحيادية نظريًا).

أما النظام السوري، فقد كان وفده عدوانيًا بعض الشيء، وشدد على وصف المعارضات بـ “المرتزقة”، ومقاتلي المعارضة بـ “الإرهابيين”، وسياسيي المعارضة بـ “المؤتمرين للخارج”، وهذا الخطاب الصدامي لم يوتّر الجلسات فقط، بل دفع كثيرًا من المعارضين إلى الاقتناع بأن هؤلاء كانت لديهم تعليمات من دمشق أن يُدمّروا كل العملية ومساراتها.

هذه الفكرة قد يدعمها ما قاله رأس النظام السوري بشار الأسد، الذي شدد على أن أي عضو في هذه اللجان لا يُمثّل النظام، ولا يمكن أن تكون النتائج مقبولة من الأسد، وقال في مقابلة مع الفضائية السورية بعد انطلاق أعمال اللجنة، إن حكومته ليست موجودة في اللجنة الدستورية، وأن الوفد الذي يعتبر ممثلًا للنظام في اللجنة مجرد “أشخاص من نفس جو الحكومة السورية السياسي”، كما اعتبر أن أعضاء وفد المعارضة السورية يمثلون ما سمّاهم “إرهابيين”، وأكّد أن تشكيل اللجنة الدستورية هو جزء من المسار الذي تدعمه روسيا عير سوتشي، وشدّد على أن مؤتمر جنيف ونتائجه وبيانه ليست موجودة، وهذا يعني أنه ينسف مسبقًا كلَّ ما يمكن أن ينتج عن هذه اللجنة.

من حيث المبدأ، تُعدّ اللجنة الدستورية قفزًا وتجاوزًا للقرارات الدولية وبيان جنيف1 والقرار 2254، لأن كل هذه القرارات تدعو جميعها إلى انتقال سياسي، وتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة، باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، تضم أعضاءً من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، وتدعو لإعادة النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وتُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام، وبعد إقامة النظام الدستوري، من الضروري الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة أممية ودولية.

الممكنات محدودة جدًا، وربما تدعو للتشاؤم التام، لكن هادي البحرة، رئيس مجموعة المعارضة السورية في هذه الاجتماعات، متفائل، على عكس البقية، وقال: “تعمل اللجنة الدستورية في جنيف، وصدر بها قرار من الأمم المتحدة، ولا يمكن الطلب من الأعضاء الذهاب إلى دمشق، وهم مطلوبون (من قبل النظام) وهناك مخاطر على حياتهم”، وتابع: “الدستور السوري سيكتبه قلم سوري، وبأصابع سورية، ولن يخطه الأجانب، وليست هناك صيغة جاهزة”.

يبدو أن وضع اللجنة الدستورية السورية أصعب مما تكتب عنه وسائل الإعلام، وأعقد مما يظهر على الشاشات، حتى إن المبعوث الأممي بيدرسون اعترف بنفسه بالجانب الصعب من الموضوع حين قال: “لا يجب تعليق آمال مبالغ فيها على هذه اللجنة، فهي لن تحل الأزمة السورية”، لكن ما يُقلق المعارضة السورية هو الجانب العبثي من الموضوع، وهو المتعلق بموقف النظام، الذي أعلن رأسه مسبقًا أنه ليس ملزمًا بالاعتراف بالنتائج التي ستنتج عن هذه اللجنة، وأعلن قبلها وزير خارجيته أن الحكومة يمكن أن تُغرق المعارضة وغيرها بالتفاصيل، وكل ذلك يدفع شرائح واسعة من السوريين، معارضين وموالين، إلى الاقتناع بضرورة عدم تعليق كثير من الآمال على هذه اللجنة وعملها والنتائج التي ستخرج بها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق