اقتصادسلايدر

“المُعفّش” الأول

بعد أن كان والده يحتلّ مناصب لا حصر لها، وجميعها مرتبطة بصفة “الأول”، كـ “المعلم الأول” و”القاضي الأول” و”العامل الأول”، أتى وريثه الذي أوصلته الصدفة إلى سدّة رئاسة البلاد، ولَم يجد من الألقاب شيئًا، فجميعها قد استهلكها والده؛ فقرر أن يصبح “المعفّش الأول”.

أفرزت سنوات الحرب على الشعب السوري مجموعة من تجار الحروب والأزمات، استطاعوا -تحت نظر السلطة وبعلمها- جمع ثروات طائلة، ولم يكن صمت السلطة مجانيًا، وإنما كانت السلطة تغض الطرف، لأن تلك الطفيليات الاقتصادية كان لهم دور بارز في تمويل حرب الأسد على الشعب، وكان النظام يعدّهم بمثابة (التحصلدار)، أي المحصّل أو الجابي، وتركهم النظام يفرحون بجمع المال، وكان يستقبلهم في القصر الجمهوري، ويلتقط معهم الصور بصفتهم أصدقاء وطنيين ومقربين، ولَم يكن يدور بخلدهم يومًا أن الأسد سيتحول إلى عقرب يغدر بهم.

قبل أسبوعين، قام حاكم مصرف سورية المركزي باستدعاء المعفشين الصغار (التحصلدارية) للاجتماع في فندق الشيرتون بأمر من “المعفش الأول” أو “المعفش الأكبر”، وأبلغهم رسالة مهمة واضحة بصيغة أمر غير قابل للنقاش، بأنّ عليهم أن يدفعوا للأمين العام للمعفشين مبالغ مالية محددة بالعملة الصعبة، وإلا… ولأن جميع المجتمعين يعلمون تمام العلم ماذا تعني كلمة “وإلا”، فقد امتثلوا جميعهم بتعليمات أمينهم العام، وإن طلب بعضهم مهلة زمنية قصيرة لتأمين المبلغ المطلوب، وأشار حاكم مصرف سورية للمجتمعين إلى أنه يفضّل استلام المبالغ خارج سورية، من أجل تمويل بعض الصفقات للنظام السوري، وسهولة تحويل وإيداع هذه الأموال بحسابات مصرفية محددة بعيدة من متناول العقوبات الأميركية أو تمويل صفقات نفط بهذه المبالغ لصالح النظام السوري.

الأسد، اليوم، من خلال مقابلته الصحفية مع قناتين تلفزيونيتين سوريتين، أعلن بلا خجل أنه طلب من المجتمعين في الشيرتون مبالغ مالية، كجزء من سرقاتهم وفسادهم الذي مارسوه خلال تسع سنوات، الأسد -بصفته المعفش الأول- برر هذا التصرف اللأخلاقي بأنه يريد العنب وليس قتل الناطور، وبمعنى آخر يريد الحليب وليس ذبح البقرة، لا أخلاقي لأن من واجبه كرئيس لمجلس القضاء الأعلى أن يحيل هؤلاء اللصوص إلى القضاء، والقضاء هو من يبتّ بمسألة إثبات التهم وتغريم المذنبين، والقضاء هو من يجب أن يُقدّر قيمة هذه الغرامات ويجبر المدينين على دفعها بقوة القانون، وليس كما فعل المعفش الأول بقوة أجهزة المخابرات والتهديد بالسجن وربما بالقتل، في حال رفض أحد المعفشين الصغار، لكن المعفش الأول -بصفته القضائية- يعلم تمامًا فساد جهازه القضائي، فهو من يُعيّن القضاة ويعزلهم بقرار، لذا لم يسند إليهم هذه المهمة، وتولاها بذاته.

الأسد بدأ مسيرة التعفيش بشركة الاتصالات التي كان يملكها ابن خالته اللص رامي مخلوف، حيث تم وضع اليد على الشركة بمن فيها، كون هذه الشركة أشبه بدجاجة بياضة ذات مداخيل مرتفعة ويومية، والآن سيضع يده على أملاك كل من يرفض الدفع، ويرميه في السجن بصفته لصًا وخائنًا.

ربما لا يعلم كثيرون أن أغلب هذه الأموال هي أموال منهوبة من رجال أعمال عصاميين ووطنيين، تواصل معهم سامر فوز ورامي مخلوف وحمشو وقطان وقاطرجي وغيرهم، وهددوهم بإصدار قرار بمصادرة أملاكهم، إن هم رفضوا بيعها لهم بأثمان بخسة لا تعادل أحيانًا نصف ثمنها الحقيقي، كما فعلوا مع مالك نادي الشرق الذي أجبروه على بيعه تحت التهديد بمصادرة كل ممتلكاته التي تقدر بمئات ملايين الدولارات.

هذه هي دولة الأسد بلا رتوش، وهذا هو وجه المعفش الأول الحقيقي من دون أقنعة، الذي يترك المعفشين الصغار يتابعون عملهم ليأتي هو لاحقًا ويعفش المُعَفَش.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق