مقالات الرأي

العجز

خلال الأيام القليلة الماضية، اتصلتْ بي وسائل إعلام فرنسية عدة، للتعليق على أعمال اللجنة الدستورية التي انطلقت منذ عدة أيام في جنيف، وقد تهربّت من القيام بهذه المهمة في حدود الممكن. وتحت وابلٍ من الاتصالات والإلحاح والتكرار؛ اضطررت إلى أن أجيب البعض بحذرٍ شديد، حذر ليس نابعًا من أيّ موقف مسبق من اللجنة الدستورية وتأسيسها، وممن وراء هذا التأسيس، وممن يُشارك فيها من أطراف المعارضين أو من أطراف ما يُسمى “المجتمع المدني”. إنما هو حذرُ الباحث غير المُدّعي والذي ادّعي أنني أميل إلى أدائه، حيث يبقى المسار مشوبًا بالغموض حتى للعارفين وللمشاركين في هندسته. وبما أن لي أصدقاء وأحبة بين المشاركين، فرميهم بالتهم الجاهزة التي تتبرع بعض الأطراف بإنتاجها وتطويرها وتوظيفها، مؤسفٌ إلى درجة تدفع العقلاء إلى التضامن مع الذين يتعرضون لها، مهما كان الاختلاف معهم في الخيارات السياسية عميقًا.

اليوم، أثناء أحد هذه الحوارات على الإذاعة الحكومية، كان السؤال حول الأسباب الموجبة التي دفعت الأطراف -ومن هي هذه الأطراف؟- إلى إطلاق عمل اللجنة الدستورية. وعن التوقعات من نتائج عمل هذه اللجنة التي تسعى -نظريًا على الأقل- إلى الوصول إلى حل ما للمقتلة السورية؛ فشعرت بإحراج شديد في أن أُعبّر عمّا أرى أنه موقف تحليلي متجرد، بعدما تابعت -على مضض- أعمال الساعات الأولى من الاجتماعات رغمًا عني.

فمن حيث السؤال عن الداعي إلى هذه الاجتماعات، فقد اعتبرت أن المشروع روسي بجدارة، وقد تبنته الأمم المتحدة بمبعوثها الجديد بيدرسون الذي اعتبره انتصارًا مبكرًا في مهمته المستحيلة، وسكتت عنه الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى العاجزة هي بدروها عن ابتداع أي مخرج للمقتلة نفسها. وبما أن الروس “انتصروا” عسكريًا، عبر استراتيجيتهم “النظيفة” التي تعتمد مبدأ الأرض المحروقة أو “سجادة القنابل”، فهم الآن في مرحلة محاولة إيجاد انتصار “دبلوماسي”، يُرسّخ انتصارهم العسكري، ويساعدهم في اجتذاب الأموال اللازمة لهم كي يُشرفوا على عملية إعمار ما يريدونه من سورية المُدمّرة. أما السوريون المدعوون فهم على ثلاثة أنواع: نوع معارض خليط لا حول له ولا قوة إلا في الخطابة والسعي إلى الخروج بأي منتج إيجابي في ظل القيح السياسي المهيمن على إدارة الملف السوري، ونوع موالٍ انتقته الأجهزة الأمنية لا حول له ولا قوة هو أيضًا إلا في افتعال المشاكل المعطلة للحوار، أي حوار، فالحوار في ذهنية القائمين عليه هو خطيئة لا تُغتفر، يمكن أن تُسبب دمارًا واسعًا على مستوى الولاء والخضوع. والنوع الثالث والأخير، غير المتجانس هو الآخر، هو ما أطلق عليه “ممثلو المجتمع المدني”. والفصل أساسًا بين ممثلي مجتمع مدني تم قمع وجوده في سورية على مدى عقود ولم يخرج إلى العمل العلني إلا بفضل الثورة واللجوء، والمعارضة التي ينتمي إليها نظريًا، وعلى الأقل من طرفها الأخلاقي، هو فصل أمم متحدة خبيث لعب فيه فريق ديمستورا حتى الثمالة، وها هو فريق بيدرسون يتلقفه ليلعب به أيضًا على هواه.

استمعت أو قرأت كلمات بعض السادة والسيدات الذين تعاقبوا على المهتاف ليعبّروا عن موقفهم وتوقعاتهم، وباستثناء ممثلي الأجهزة الأمنية، الذين لا حاجة إلى التعليق على أدائهم الذي يفصح عنهم، وعدا استثناء أو اثنين من طرف المعارضة، فقد انتابني شعور بأن المتحدثين يتطرقون إلى “خناقة في الحي”، كما كتب الصديق عمر قدور، لدرجة تدفع الإنسان إلى التساؤل الوجودي الذي ينهره قائلًا: هل شُبّه لنا طوال السنوات الماضية أن البلاد دُمّرت، وأن الآلاف قُتّلت، وأن الملايين هُجّرت؟! والأشد مرارة الاستماع إلى كلمات من نحب ونحترم من الاختصاصيين، وقد صاغوها وكأنها “عرض بحثي” أمام ندوة علمية دولية تتطرق إلى الحوكمة الرشيدة والتمثيل النسبي وبيانات النمو ومعدلات التضخم.

ليس من المقبول أبدًا إدانة من شارك سعيًا لحل، أي حل، في ظل العجز المستدام وفي ضوء الاتفاقيات الإقليمية التي أباحت العبث بجسد سوري متهتك جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا. وفي المقابل، يُلام من لم ينتهز فرصة الحديث العلني في صرحٍ أممي لينقل حقيقة الذي يجري، ويُدين الصمت الشريك عليه.

وفي العودة إلى الدستور، بما أن حجة الاجتماع الرئيسية هي الدستور، فالسؤال الذي يُطرح: ما هي مشكلة الدساتير في سورية، منذ وصول حزب البعث إلى الحكم سنة 1963؟ أهي في مضامينها أم في تطبيقها؟ لقد جُمّد العمل بالدستور طوال عقود، من خلال هيمنة الأداء الأمني على حكم البلاد والعباد. فالدستور الأخير الذي أُنجز -على عجره وبجره- بعد انطلاقة الثورة السورية وقبل تحوّلها إلى مقتلة، لا بأس فيه، ولا حاجة لبلد مدمر كسورية إلى دستور جديد، وحربه الداخلية والخارجية لم تنته بعد. أما إن تصدّى لهذا الطرح -عن حق- بعضُهم قائلين إن اللجنة الدستورية هي فرصة لنقاش ما هو أبعد من الدستور، والتطرق إلى الانتقال السياسي تطبيقًا لمقررات جنيف طيبة الذكر، فهو تفكير رغبوي يا ليته يتحقق، ولن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق