تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الثورة المضادة للثورتين السورية والفرنسية

تتشابه الثورتان الفرنسية 1789 والسورية 2011، في كثير من الأسباب، ومنها المشاكل الاجتماعية والأزمات المالية والاقتصادية التي عاناها الشعبان السوري والفرنسي، كالتضخم والبطالة والفقر، وأثبت رأس النظام السوري ضعفه وكذلك لويس السادس عشر. وكذلك كانت دكتاتورية حافظ الأسد مثل دكتاتورية لويس الرابع عشر، فكلا الطرفين آل الأسد وآل بوربون الوراثيين ارتكبا الأخطاء ذاتها، وفي عصر الثورة الفرنسية انتشرت حركات التنوير والإصلاح، وفي عصرنا كانت ثورات الربيع العربي التي حركت الشعب السوري.

مراحل الثورتين الأربعة

اختلفت الثورتان في مراحلهما، وإن تشابهتا في الثورة المضادة، فبعد اقتحام سجن الباستيل وولادة فرنسا الجديدة، استمر الملك لويس السادس عشر في الحكم، وتم منح الملك السلطة المالية، لكن ما لبثت السلطات الثلاث الفرنسية التي تضم رجال الدين والنبلاء والمقاطعات الفرنسية، أن انقلبت عليه وشكلت المجلس التشريعي، واستولت على السلطة والسيادة، وتحوّل حكم لويس السادس عشر إلى حكم شكلي، في المقابل رفض بشار الأسد قرارات جنيف بضرورة الحكم الانتقالي، لإيقاف النزيف السوري، واستمر في تعنته، ومع ذلك لم يمنع ذلك من تمزيق نظام حكامه، وتحوّل الثورة السلمية السورية إلى ثورة مسلحة.

وفي عام 1792، قامت الجمهورية الفرنسية، وتم انتخاب مؤتمر وطني، كما تمّ إعدام لويس السادس عشر عام 1793، وقد حاول لويس قبل ذلك خلق حرب مع الجوار الأوروبي، عبر دفع النمسا إلى اجتياح باريس لوأد الثورة، فلم ينجح، بالمقابل نجح بشار الأسد في استدعاء قوى خارجية، مثل إيران وميليشياتها الشيعية عام 2013، وروسيا في خريف 2015، وفي دعم الحركات الإسلامية المتطرفة لتدمير وتعفين المناطق المحررة من نظامه، واستخدامها ذريعة لارتكاب مزيد من المجازر، وبالمقابل انقسم رجال الدين الفرنسيون بين مؤيد للويس السادس عشر، وبين مؤيد للثورة الفرنسية والتوجه نحو جمهورية تنهي الحكم القديم لفرنسا.

وبين أعوام 1795 و1799، دخلت الثورة الفرنسية مرحلتها الثالثة، وقد حكم فرنسا المجلس الإداري، لتعيش فرنسا سلسلة انقلابات، مع نجاحات عسكرية في الخارج كان يقودها نابليون بونابرت، وفساد هائل، وتم إنشاء دستور تمثيله ضعيف عام 1795. بالمقابل ظهر، في المرحلة الثالثة للثورة السورية بعد مرحلة الثورة السلمية وظهور الجيش الحر، تنظيم (داعش) كثورة مضادة لقمع الثورة، وتمهيد الطريق للأسد وحلفائه، في محاولة إعادة السيطرة على البلاد التي خسر ثمانين بالمئة منها عام 2014.

وفي المرحلة الرابعة من الثورة الفرنسية، التي ترنحت بعد إعدام روبسبير، المتطرف الثوري الذي قاد عصر الإرهاب، واقتص من حلفائه في بدايات الثورة، ثم تمكنوا بالنهاية من وضعه تحت المقصلة؛ عادت الثورة لمسارها بعد ظهور نابليون بونابرت وبروزه كقائد عسكري عظيم، الذي بدأ انقلابه عام 1799، لينهي الجمهورية الأولى، بعد إعلان نفسه إمبراطورًا لفرنسا عام 1802، ولكن الثورة الفرنسية استمرت حتى 1815، أي حتى معركة واترلو ونهاية حكم نابليون، وعودة أسرة البوربون للحكم. وفي سورية ازداد التدخل الدولي والإقليمي في سورية بالمرحلة الرابعة، وتقدم نظام الأسد في عدد من المناطق، منها الغوطة الشرقية وجيوب الثورة بالعاصمة دمشق والجنوب السوري، وقد تحول الأخير إلى شكل جديد من مقاومة النظام السوري، وانتهت (داعش) ودفنت في الباغوز بدير الزور، فيما لا زال الصراع مشتعلًا في مناطق سورية المحررة، في إدلب وريف حلب وحماة واللاذقية.

أهمّ معارضي الثورتين السورية والفرنسية ومؤيدي الثورة المضادة

كان أهمّ المعارضين للثورتين الفرنسية والسورية، والذين دعموا الثورة المضادة، هم بعض الدول العربية والإقليمية، وكذلك الدول المحيطة بفرنسا من ملوك أوروبا الذين قاوموها وحاربوها بشدة، حتى إن الكتّاب والمفكرين الطليعيين الأوروبيين تحمّسوا للثورة الفرنسية، لدرجة أن الموسيقار العظيم بيتهوفن أهدى السيمفونية الثالثة لنابليون بونابرت، وأسماها “السيمفونية البطولية”، وكذلك خشيت كثير من دول الشرق الأوسط من انتقال الثورة السورية، وتدحرجها ككرة الثلج إلى بقية الدول، فكان من الطبيعي تأييدها لثورة مضادة فيها. وبالمقابل انحاز في عصرنا كثيرٌ من الكتّاب والمفكرين الأوروبيين للثورة السورية وتغنوا بها ومجدوها.

مثّل رجال الدين الكاثوليك جزءا مهمًّا من بين أهمّ المعارضين للثورة، خشية خسارة امتيازاتهم بمنح المزيد من الحريات للشعب، وقيام دستور مدني يهدد مكانتهم، وأيّدوا ماري أنطوانيت وزوجها الملك لويس السادس عشر، ووقف إلى جانبهم عددٌ من الكتّاب مثل سولو وريفارول، وكذلك وقف النظام الديني الشيعي في إيران إلى جانب النظام السوري، وجلب ميليشيات شيعية من مختلف أنحاء العالم، واستثمر الداعشية السنية لدعم استمرار الأسد في الحكم.

بعد إعدام لويس السادس عشر، استمرت الاحتجاجات العنيفة للثورة الفرنسية، بين من يرغب في العودة للحكم القديم ومن يرغب في جمهورية جديدة، وكذلك بين الثوار أنفسهم، وكما قيل “الثورة تأكل أبناءها”، فكانت كذلك حرفيًا في فرنسا، حتى انتصار نابليون وانقلابه فيما بعد، وكان يُعد صعود نابليون بحد ذاته ثورة مضادة. استثمر نظام الأسد ضفادعه في المناطق المحررة، عبر الاغتيالات وعملائه، لاستثمار اقتتال ثوري سوري بيني، واغتيالات وتصفيات وإسلاميين، وتسرّب إلى بعض المنظمات الإغاثية عددٌ من ضفادعه لنشر الفساد والتخريب داخل مؤسسات المجتمع المدني السوري. وهو الفساد الذي حاول تمريره النبلاء البرجوازيون ورجال الدين داخل جسد الثورة الفرنسية.

بالنهاية، انتصرت قيم الثورة الفرنسية، وإن تأخر انتصارها الحتمي حوالي سبعين عامًا، لكنها تمكنت من تحقيق شعاراتها الثلاثة العظيمة: “حرية، عدالة، إخاء”. وكذلك الثورة السورية ستحقق هدفها النهائي “حرية للأبد، غصبًا عنك يا أسد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق