تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العراق في عين العاصفة

لا شك في أن الثورة في العراق قد فاجأت العالم كما لم تفاجئه ثورة من قبل، حتى أكثر المتابعين للشأن العراقي لم يكن ليحلم بثورة بهذا الحجم والاتساع، بسبب السيطرة الكبيرة التي تفرضها إيران على مجمل العراق، من خلال ميليشياتها ومن خلال الحكومة العراقية، بشكل لصيق ومباشر.

المفارقة هي أن إيران ذاتها، بسبب سياساتها في العراق، أدت إلى هذا الانفجار الكبير، فالعراق من أغنى الدول العربية بثرواته النفطية والزراعية، حيث وصل دخله اليوم إلى أكثر من ثلاثمئة مليون دولار يوميًا، وهذا رقم هائل، إذا نظرنا إلى مستوى حياة الشعب العراقي، فإيران منذ الإطاحة بحكومة البعث وتسلمها السلطة من المحتل الأميركي من خلال عملائها، قامت بدايةً بمأسسة الفساد، وجعلت عملاءها ينهبون بشكل منظم اقتصاد الدولة العراقية، فإيران لم تضع نفسها للعراق جارًا مسالمًا ومتعاونًا، بل أرادته تابعًا بالمطلق كأي جزء من الأرض الإيرانية، وكان إفساد الإدارة في العراق أمرًا ممنهجًا ومدروسًا، فالأموال المنهوبة في غالبيتها يتم ادخارها في البنوك الإيرانية، عدا جزء يسير يسمح الولي الفقيه بإخراجه نحو أميركا أو أوروبا، كما يبقى ذلك المال أيضًا تحت نظر وإشراف الولي الفقيه، من أجل مشاريع الحرس الثوري الإيراني في الغرب، ومن أجل شراء الذمم.

هذا النهب المنهجي والمدروس كان هدفه إفقار الشعب العراقي وتجويعه، ليصل إلى مستوى معيشة الشعب الإيراني المغيب بخطابات الولي الفقيه والحالم بالجنة والمهدي المنتظر، مما أدى إلى توقف عجلة النمو في العراق بشكل تام، فلا مداخيل للعراقيين من زراعة أو صناعة عدا النفط المنهوب، ووصل الأمر بالمواطن العراقي إلى أنه صار يعجز عن توفير ثمن الخبز أو علبة الدواء، وهذا ما سعى إليه الحرس الثوري الإيراني، وهي سياسة مجرّبه في إيران سابقًا، حيث من الصعوبة بمكان أن تجد مواطنًا ينعم ببحبوحة اقتصادية وينال قسطًا وافرًا من التعليم، ثم يذهب ليتطوع كقاتل مأجور في ميليشيات قيس الخزعلي أو أبو مهدي المهندس وغيرهم من زعماء الميليشيات، مقابل مئتي دولار في الشهر، ولولا الفقر والجهل لما وصل العراقيون إلى هذا المستوى الذي جعلهم تابعين مجردين من كل سبل الحياة الكريمة.

أكثر المتفاجئين بالثورة العراقية الجديدة هو إيران التي كانت تظنّ أن بمقدورها السيطرة على الحراك، أو احتواءه، في أسوأ الأحوال، ولذلك لم تغيّر برنامجها من حيث إتمام مراسم (المسيرة الكربلائية) بل استغلت فترة دخول الحجيج الإيراني بإدخال أكثر من خمسة عشر ألف مقاتل، بحجة حماية الحجاج والعتبات المقدسة، والهدف الحقيقي هو مساعدة الميليشيات العراقية في قمع التظاهرات الاحتجاجية التي سرعان ما اتّسعت، وقامت بتحطيم المقدّس من خلال اقتحام الثوار لمكاتب بعض الأحزاب التي تموّلها إيران، وحرق صور الولي الفقيه الخميني وصور قادة الميليشيات.

العراق اليوم في عين العاصفة، وعلى منعطف تاريخي جديد يصرّ فيه العراقيون على تغيير كل ما هو قائم دستورًا وحكومةً وبرلمانًا، بعد أن جربوا نموذج الحكومة الطائفية، ومن يشاهد ما يحصل -من خلال الصور والمقاطع المصورة والمسجلة- يُدرك جيدًا أننا أمام انهزام المشروع الإيراني في المنطقه، اعتبارًا من نقطة انطلاقه قبل سنوات، من بغداد نفسها، وعلى العرب الذين ما زالوا يتخذون موقف المتفرج أن يبادروا تجاه الشارع العراقي مرحبين ومطمئنين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق