تحقيقات وتقارير سياسية

العلاقات العربية – الأوروبية

يخطئ من يعتقد أن العلاقات الدولية تحكمها الأخلاق والقيم الإنسانية، وليس المصالح والأهداف الاستراتيجية، والظروف الدولية. وإلا لما كانت الحروب والمآسي، والدمار والخراب، والمذابح، وإذا استعرضنا تاريخ البشرية، لوجدنا أن الحروب تشن من أجل تحقيق الأطماع، وأكبر قدر من المكاسب. ولهذا يجب أن يفكر كل صاحب شأن ومن بيده القرار، أن العلاقات الدولية، هي أخذ وعطاء، وإلا أصبحت علاقات هيمنة وخضوع وليس علاقات تبادلية، علاقات يبتز فيها الطرف الأقوى، الطرف الأضعف، ويفرض الأول على الثاني إرادته، إلى درجة أن يسلبه حقه في تقرير مصيره. كما تظهر جميع السجلات التاريخية أن الأمم ذات النشاط في السياسات الدولية تستعد دومًا للخوض في العنف المنظم الذي يتخذ صورة الحرب. كما تستخدم التظاهرات العسكرية كوسيلة لتحقيق الغايات الإمبريالية، كما أن القوة العسكرية هي المعيار الواضح لسلطات الدولة، ويستهدف عرضها التأثير على الدول والقوى الأخرى.

كيف يمكن تفعيل العلاقات العربية مع العالم بصورة عامة، وأوروبا القريبة، الفاعلة نسبيًا في الأحداث الدولية، بصورة خاصة في المرحلة الراهنة التي تحاول فيها الولايات المتحدة، القوة الأعظم الوحيدة، ولو إلى حين، إلى التفرد بالشؤون الدولية، حتى لو تجاهلت جميع المنظمات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، إذا لم يلبي أطماعها واستراتيجياتها، ومن أجل التصدي للهجمات الشرسة على الأقطار العربية، دون استثناء، وقبل أن تشرع واشنطن في تنفيذ مخططاتها، حيث إذا بدأت فلن تقف عند حد، عندها فسيلعن التاريخ جميع المتخاذلين، ومن يطمرون رؤوسهم خشية من رؤيتهم الحقائق، وويل أيضًا لهؤلاء الذين لا يريدون الاتعاظ بأحداث التاريخ.

ويشهد المشاهد العربي العادي، وبكل وضوح، أن الوضع العربي الرسمي، وحتى الشعبي، قد تردّى إلى درجة الحضيض، حتى درجة التخدر وعدم الانفعال بالأحداث الجارية التي تهدد مصيره، وإلا أين هي الجماهير، وأني هي تلك المنظمات الشعبية، والنقابات المهنية المختلفة، وهي تطوف الشوارع هادرة متوعدة، تقوم بالضغط على الحكام، لتقويم ما وصلت إليه من سوء الحال، وإلا عليها أن تتنحى وتعطي الدور لمن هو قادر على الوقوف في وجه التحديات، مهما بلغت شدتها وزاد سعيرها.

في الوقت نفسه أصبح الكل يعرف، أن معظم الأنظمة العربية، لم تعد تتجرأ على التخلي عن علاقاتها شبه التبعية للولايات المتحدة، وكأنها قدر محتوم، وتنزيل من عزيز رحيم، تحت حجج وذرائع مختلفة، لا أنزل الله بها من برهان. وإنني أرى أن الفرصة أصبحت مواتية الآن كي تبدأ تلك الأنظمة بالخطوات الأولى لزحزحة تلك التبعية، ولو على استحياء، بأن تعلن بأن معاملاتها التجارية مع العالم، ستصبح بالعملة الأوروبية “اليورو” وليس بالدولار، ولماذا لا تشجع الأنظمة العربية والمنظمات العربية، المبادلات التجارية مع الدول الأوروبية، التي تقف إلى جانب قضايانا، وبطريقة مكشوفة، وليس على استحياء، أو ذر الرماد في العيون. كفانا، يا عرب، ما وصلت غليه الأمور، وإلا سوف يتمادى بوش وشارون أكثر مما يفعلون، فمخططاتهم ليس أمامها حدود أو قيود، طالما استكان العرب، واستهانوا بما جرى على أرض فلسطين، وما جرى في العراق وسورية واليمن وليبيا وغيرها.

أإلى هذه الدرجة أصبح العجز العربي؟ وإذا كان العجز العسكري قد تحقق، فلماذا لا تفتش الأنظمة العربية، والمنظمات العربية عن طرق بديلة، حتى تستقيم الأمور، وتتغير الأحوال.

يمكن اقتراح تطبيق مبادئ الدفاع المشترك، ولو بإرسال قوات رمزية، لإثبات حسن النية، إذا كانت النية فعلًا حسنة، والتصدي لما يقوله بعض حكام الولايات المتحدة أن ما يقوله الزعماء العرب لنا هو غير ما يقولونه لشعوبهم.

إن بوادر أزمة في الصراع العالمي، أزمة أخذت تطل برأسها ستحتدم مع الزمن ويزداد أوارها، خاصة بعد أن أخذت الولايات المتحدة بالتفرد بالقيمة على العالم، وتحدي كل الأمم والشعوب، وعلى العرب أن لا يعيشوا على هامش الأحداث المقبلة، بل عليهم أن يصبحوا فاعلين فيها، ولديهم الإمكانيات للقيام بذلك. خاصة بعد أن قررت واشنطن السير في درب مجهول لوحدها، وهنا على الأنظمة العربية أن تتلمس معالم الطرق الصحيحة للسير والتفاعل مع الأحداث، وليس ردات فعل ياهنة.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق