تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

صحف أميركية وإسرائيلية تهاجم سياسات ترامب في سورية وتتهمه بتركها فريسة لبوتين والأسد

سلّطت الصحافة الأميركية، في الأيام القليلة الماضية، الأضواء على أسباب فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سورية، وعلى ما اعتبرته “نجاحًا كبيرًا” حققه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في وقت انشغلت فيه الصحافة الإسرائيلية في تل أبيب بطرح سلة من المخاوف من سياسات ترامب في المنطقة، بعد قرار انسحاب قواته من شمال سورية.

زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش ماكونيل وصف، في مقال له بصحيفة (واشنطن بوست)، سحب القوات الأميركية من سورية بأنّه “خطأ إستراتيجي جدّي يهدد الأمن الأميركي”. قائلًا إنّ “سحب القوات الأميركية من سورية يُعدّ خطأً إستراتيجيًا يعرّض أمن الشعب الأميركي وبلادنا للخطر، ويشجع أعداءنا ويضعف التحالفات المهمة”.

وأشار ماكونيل إلى أنّ القرار حول سحب القوات من سورية قد يصبح تكرارًا للسحب “المتهور” للقوات الأميركية من العراق، إبان رئاسة باراك أوباما الذي ساعد برأيه بشكل كبير في إنشاء تنظيم (داعش)”. وأردف قائلًا: إنّ سحب القوات الأميركية من شمال سورية، بالتزامن مع تصعيد الأعمال العسكرية بين تركيا والأكراد، يخلق “كابوسًا إستراتيجيًا” بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

من جهته، بحث الكاتب الأميركي دايفيد إغناطيوس، المعلق السياسي في (واشنطن بوست) في مقال نشر يوم الجمعة، عن أسباب ما اعتبره “نجاح” الرئيس الروسي، خاصة بعدما دخلت موسكو وملأت الفراغ الذي خلفته أميركا. قائلًا: “ربما كان السبب الأول هو مشاركته مع الدكتاتور الوحشي في سوريا بشار الأسد، ولكن القصة أعقد مما تبدو، فقد نجح بوتين لأنّه استخدم القوة المتوفرة لديه بطريقة فعالة. وتدخل عسكريًا في سورية عام 2015 بطريقة محدودة ولكن حاسمة. وبعد شعوره بأنّ النظام السوري أصبح يعتمد كثيرًا عليه وأساء إدارة الحملة؛ قرر نقل بعض القوات بعد النجاح الأولى وهدد النظام بسحب كل القوات. وأصبح لدى روسيا ورقة نفوذ لأنّ بوتين كان يتحدث مع كل الأطراف المتحاربة، فموسكو لديها علاقة مع إيران وتركيا والأكراد. ويظل الغموض هو جزء من لعبة بوتين، لأنّه لا يحاول استثناء نفسه من طاولة المساومة. وكانت أميركا في الماضي محاورًا كروسيا، وكانت الشريك الضروري لأنّها كانت تتحدث مع كل الأطراف.

ويضيف إغناطيوس: إنّ إدمان أميركا على العقوبات هو جزء من عملية الحياد. فهذه العقوبات الاقتصادية -حسب رأيه- هي بديل قوي عن سياسة خطيرة من أجل خدمة المصالح الأميركية. “فقد فرضت أميركا عقوبات على روسيا وسورية وإيران والصين وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، وبعد قرار ترامب الأحمق وتشجيعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على غزو سورية، كان الرد السريع هو العقوبات”.

  • أداء ترامب “عار” على الولايات المتحدة

رأى الكاتب الأميركي، في سياق نقده لسياسات ترامب، أنّ “روسيا حققت نجاحها في الشرق الأوسط، وهي مدينة بهذا النجاح لترامب، على الأقل في جزء منه”. وأضاف: “من الكفر البواح قول هذا، لكن روسيا تستحق نجاحها في الشرق الأوسط، وهي تستخدم مزيجًا من العسكرية والدبلوماسية التي جعلت الولايات المتحدة قوة مهيمنة في المنطقة، على مدى العقود الماضية، ولم تخسر أميركا المعركة على التأثير، لكنها استسلمت”.

وأشار إغناطيوس إلى أنّ “جهود ترامب في سياق إظهار تراجعه من سورية على أنّه انتصار هي مثار للإحراج، فقد ترك ورقة الضغط الأميركية، وتخلى عن الحلفاء الأكراد أمام الغزو التركي، وفتح الباب أمام عدو مهزوم لمواصلة عملياته ضدّ الغرب”.

ويؤكد الكاتب الأميركي أن أداء ترامب يُعدّ “عارًا” على الولايات المتحدة وبخاصة الجيش. وقال: “تخيل ما شعر به أفراد عمليات القوات الخاصة الذين انسحبوا من المعركة السورية، وألقي عليهم الطماطم المتعفنة من الحلفاء الأكراد الساخطين، وهي نهاية مرة لما نظر إليها حملة ناجحة ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)”.

وتحت عنوان “انتصار ترامب الخاص في سورية”، قالت صحيفة (نيويورك تايمز): إنّ ترامب ليس قادرًا على فهم المفارقة الساخرة، ولم يكن يشير إلى قراره السماح للقوات التركية في مكالمته مع الرئيس أردوغان، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) بدخول الأراضي السورية ومهاجمة الأكراد، ولكنه كان ينسب إلى نفسه ونائبه مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو ما تم الاتّفاق عليه من وقف لإطلاق النار مع أردوغان. وبكلام ترامب الغريب قال إنّه قدّم للأكراد والأتراك “خدمة كبيرة”، من خلال خلق منطقة آمنة بعمق 20 ميلًا أو ما وصفها بـ “منطقة آمنة، مثيرة”، حيث كان يتحدث وكأنّه جاء بفكرة جذرية جديدة، مع أنّ المنطقة الآمنة اتفقت عليها تركيا مع روسيا. وأعلن رفع العقوبات عن تركيا، مشيرًا إلى أنّ قائد “قوات سوريا الديمقراطية” كان “ممتنًا” للأميركيين. وكان نفس القائد واسمه مظلوم عابدي يشتكي عبر (تويتر) أنّ القوات التركية خرقت وقف إطلاق النار الذي رعاه ترامب.

وأضافت (نيويورك تايمز) أنّه “كما هو الحال مع تصريحات ترامب، فمن الصعب معرفة من أين تبدأ وأين تنتهي. فمن ناحية ينسب ترامب الفضل إلى نفسه، وأنّه هو الذي أوقف معركة وحشية بدأها بنفسه. وزعم أنّه هو الذي حقق الإنجاز مع أنّه قام بخيانة حلفائه، كما أدى الخروج الأميركي المتهور إلى تقويض مصداقية أميركا، وكان انتصارًا عظيمًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجزار سورية بشار الأسد“.

وتعلق الصحيفة أنّه مع خروج الأميركيين ورفع الحماية عن الأكراد، باتت تركيا وروسيا تراقبان الحدود. ولم يشعر ترامب بأيّ قلق لعودة بوتين والأسد للسيطرة على كامل سورية.

بدورها، قالت صحيفة (شيكاغو تريبيون)، السبت، إنّه تحت تهديد كل من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس، تخلى ترامب بمرارة عن خطته لعقد القمة القادمة لمجموعة الدول الصناعية السبع في أحد منتجعاته في ولاية فلوريدا، ولكن لديه فكرة أخرى عن الاجتماع لم يتخل عنها وهي دعوة الرئيس بوتين.

معلقة: “إنّها واحدة من أفكار ترامب التي لا تلبي أيّ حاجة واضحة، ولن تحقق أيّ فائدة محتملة- على حد تعبير كاتب المقال ستيف شابمان- وهي، أيضًا، مخالفة لرغبة معظم أعضاء المجموعة.

وأكد شابمان أنّه في اجتماع سابق للمجموعة في فرنسا، أصر ترامب على أنّه “سيكون من الأفضل وجود روسيا داخل الخيمة بدلًا من خارجها”، وزعم أنّ روسيا طُردت من المجموعة، بسبب رغبة الرئيس السابق باراك أوباما في الانتقام من بوتين، لأنّ الأخير “تغلب عليه”.

ويقول الكاتب الأميركي: “ليس من الواضح ما إذا كان هذا التصريح ينبع من الجهل أو الخلط، فقد تم طرد روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا والاستيلاء على شبه جزيرة القرم”، ملاحظًا أنّ “ترامب الذي ردد مرارًا بأنّه لا يمكن استبعاد بوتين، لأنّ الكثير من الأشياء التي نتحدث عنها تتعلق بروسيا، لم يقل الشيء نفسه عن الصين، التي قد يكون اقتصادها أكبر من اقتصاد روسيا بثماني مرات”.
ومن أهم ما جاء في المقال، قول شابمان: إنّ “نمط سياسات ترامب يوحي بأنّ ما يريده بوتين أكثر مما يخدم المصالح الإستراتيجية الأميركية”. ليخلص في النهاية إلى أنّ “ترامب لا يستطيع مقاومة الرغبة بتقديم الهدايا والتنازلات لروسيا وبوتين”.

  • إخفاقات ترامب في سورية

الصحافة الإسرائيلية من جهتها شنّت هجومًا عنيفًا على سياسات ترامب، حيث قالت صحيفة (إسرائيل اليوم)، الإثنين، إنّ “قرار الرئيس الأميركي إعادة قوات بلاده من شمال سورية إلى الديار استقبل بغضب شديد وبوابل من الانتقاد من اليمين واليسار”. فالانتقاد الذي رأى “خيانة” للأكراد نبع من قلق أخلاقي على مصير الأكراد، ولكن بقدر لا يقل عن ذلك، من الكراهية والاحتقار لترامب أيضًا.

وقال الكاتب أفرايم عنبر في مقاله: “لا شك أنّ إخراج القوات الأميركية من شمال سورية يؤثر في المصالح الإسرائيلية. فالقرار يمنح حرية عمل أكبر في المنطقة لإيران وتركيا ودول أخرى في الخليج قد تقترب من طهران. ولكن القرار بالمقابل يجعل (إسرائيل) حليفًا أهم من الماضي بالنسبة إلى واشنطن؛ وهي تحظى بحرية عمل أكبر لتحقيق أهدافها واستخدام القوة. وأضاف: “بدلًا من الانضمام إلى جوقة التنديد، على (إسرائيل) أن تتكيف مع الوضع الجديد الذي هو بمثابة مفاجأة، وأن تجد الردود المناسبة، وعليها أن تمتنع عن الدعوة إلى وجود أميركي في المنطقة، ففي نهاية المطاف شدّد التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي دومًا على الاعتماد على النفس. اليوم، مثلما في الماضي، على (إسرائيل) أن تكون مستعدة للعمل بنفسها، حتى بدون حليف”.

بدوره قال عاموس هرئيل في مقاله بصحيفة (هآرتس): إنّ “الضوء الأخضر الذي أعطاه الرئيس الأميركي لنظيره التركي، حتى لو حاول التنصل من معناه لاحقًا، أثار سلسلة من الصدمات التي غيرت تمامًا الوضع في شمال سورية وأثرت على الصورة الإستراتيجية في كل الشرق الأوسط”. وأضاف: “سياسة ترامب الخارجية، منذ يومه الأول في الحكم، كانت متهورة، وليس فيها فهم عميق، وغالبًا ما كانت تشوبها اعتبارات أجنبية. التغيير الأخطر هذه المرة هو أنّ تداعياتها القاسية تحدث حاليًا، وضررها واضح جدًا خلال فترة قصيرة. من هنا جاءت محاولات السيناتورات وأعضاء مجلس النواب من الحزب الجمهوري إلى المبادرة باتّخاذ موجة عقوبات ضدّ تركيا بعد بضعة أيام من سماح الرئيس لأنقرة بشن عملية (نبع السلام)”.

ولفت هرئيل إلى أنّ “الغضب المقدس يتملك الآن شخصيات كبيرة سابقة إزاء النتائج، وثمّة درجة من النفاق. بدأ الفشل الأميركي بسورية في عهد الرئيس الديمقراطي الذي قرر عدم اتّخاذ أيّ عملية عندما قام نظام الأسد بذبح المدنيين، حتى ثبت أنّ الأمر تم بواسطة سلاح كيميائي، وذلك في تناقض تام مع الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس السابق أوباما باراك بشكل علني. وبشأن سورية، فإنّ إخفاقات ترامب لا تشذ عن الإخفاقات، باستثناء حقيقة أنّ الرئيس الحالي يعمل بصورة فظة، ويفعل ذلك وهو يقف على خشبة القفز”.

المحلل السياسي في (هآرتس) بيّن أنّه “على المدى الأبعد، يعدّ أمرًا مقلقًا ذاك الإثبات الواضح حول الطريقة الفوضوية التي يتصرف بها ترامب الذي يلتزم بمصالحه فقط. وعلى هذه الخلفية، من الممتع مشاهدة حفنة من مؤيدي الرئيس الأميركي آخذة في التقلص في وسائل الإعلام المحلية، التي اضطرت إلى تنفيذ مناورات منطقية بارعة من أجل تبرير الأفعال الأخيرة لمحب (إسرائيل) من البيت الأبيض”.

وأكد هرئيل أنّ “سلوك ترامب مقلق بشكل خاص في السياق الأوسع للصراع الإقليمي ضدّ إيران”. مشيرًا في نهاية مقاله إلى أنّه نُشر نهاية الأسبوع تقرير مفصل في صحيفة (نيويورك تايمز) تضمن إدانة صريحة للروس جراء قصفهم المتعمد لأربعة مستشفيات في الربيع الأخير في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. وقالت الصحيفة: “هذه هي موسكو نفسها التي وصلت إلى مكان التأثير الكبير في الشرق الأوسط بفضل انسحاب ترامب وتخليه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق