مقالات الرأي

التوافقات الأميركية الروسية حول سورية بين التخمينات والوقائع

تسارُع الأحداث في منطقة شرق الفرات، وشمال شرق سورية تحديدًا بصورة لافتة، يؤكد أن ما يجري لا يخرج عن نطاق الاتفاق غير المعلن، بين اللاعبين الأساسيين في الملف السوري: أميركا وروسيا، وفي الخلفية “إسرائيل”.

بعد أعوام من التنسيق العسكري الميداني، بين الروس والأميركيين المتواجدين بقواتهما العسكرية على الأرض، وتحكّمهما في السماء السورية، والتنسيق العالي المستوى بينهما في ميدان الطلعات الجوية، بالمشاركة مع “إسرائيل” وقت اللزوم، إلى جانب اللقاءات والاتصالات الأمنية والسياسية التي جرت وتجري بين المسؤولين الأمنيين والسياسيين على مختلف المستويات، بما في ذلك المستوى الرئاسي؛ يبدو أن الأمور قد انتقلت إلى مستوى آخر من التفاهمات التي يُستشف منها أنها بداية لتوافق حول تسويق حلّ ما. فكل هذه القرائن والمعطيات تؤكد أن الحديث عن إمكانية وجود خلاف جوهري في الملف السوري بين الروس والأميركيين مسألة تخمينية، لا تدعمها الوقائع الميدانية، وطبيعة التوافقات التي تُعلن تباعًا. فالطرفان متوافقان على بقاء الأسد؛ الروس عبر دعمهم العلني لنظام حكمه، والأميركيون من خلال ترديد عبارة أن عملية إزاحة الأسد لا تدخل ضمن نطاق أولوياتهم.

أما “إسرائيل”، فهي منذ اليوم الأول لم تكن مع إزاحة الأسد، بل كانت تعتبره أفضل الخيارات بالنسبة إليها. والآن أصبح أكثر قبولًا لديها؛ فهو أضعف من الضعيف، مسلوب الإرادة تمامًا، ينفذ ما يطلبه منه الروس الذي أكدوا للإسرائيليين استمرار مصداقيتهم في مراعاة مصالحهم، والحفاظ على أمنهم، وبمعرفة النظام الإيراني وتابعه “حزب الله”.

بناء على ذلك، لم تكن الاستعدادات التركية للعملية العسكرية الأخيرة تحت اسم “نبع السلام” بعيدة من التنسيق مع الأمريكان والروس، بل لم يكن مسموحًا لتركيا أن تُقدم على خطة كهذه لولا موافقتهما.

وعلى الرغم من التغريدات المتناقضة التي أطلقها ترامب، والإرباك الكبير الذي أحدثه بمواقفه المتقلبة؛ يبدو أنه كان يتحرك بصورة عامة ضمن المسار المتفق عليه مع الروس. فقد سمح للجيش التركي بالتقدم حينما أعلن سحب قواته من المنطقة التي كانت هدفًا مباشرًا للهجوم التركي، وهي الممتدة بين تل أبيض ورأس العين، وفتح المجال أمام الطيران التركي، وبالتنسيق مع الروس بطبيعة الحال؛ الأمر الذي خلط كل الأوراق، ووضع المنطقة على حافة كارثة إنسانية كبرى؛ خاصة بعد الانتهاكات التي أقدمت عليها العناصر السورية التي دخلت مع الجيش التركي، تحت مسمّى “الجيش الوطني” الخاضع تمويلًا وتسليحًا وتوجيهًا للقيادة التركية، ويلتزم بحرفية الأوامر التي يتلقاها من الجانب التركي.

منذ بداية الحملة التركية، كان من الواضح أن الأمور تسير وفق المقادير المتوافق عليها مع الجانبين الأميركي والروسي؛ وهذا ما استنتج من الإعلان عن اللقاء بين الرئيسين الروسي بوتين والتركي أردوغان من جهة، وبين الأخير والرئيس الأميركي ترامب من جهة ثانية. الأمر الذي يُستنتج منه أن تركيا في نهاية المطاف محكومة بأبعاد التوافق الأميركي – الروسي، حول الملف السوري. ويبدو أن النظام السوري نفسه هو جزء من هذا التوافق، وسيكون له دور، ولو في الحدود الدنيا، ضمن التوافق المذكور. ولعل هذا ما يفسر الترويج للجنة الدستورية بغية خلق انطباع زائف مفاده إمكانية الوصول إلى حل سياسي للموضوع السوري، وذلك بعد الانتهاء من موضوع شرقي الفرات، وربما معالجة ملف إدلب الذي لن يكون صعبًا، إذا وصلت التوافقات بين القوى الإقليمية والدولية إلى مراحلها النهائية أو شبه النهائية.

ما ورد في بنود مذكرة التفاهم بين تركيا وروسيا حول شمال شرقي سورية، بعد لقاء سوتشي 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 الذي جمع بين الرئيسين بوتين وأردوغان، يؤكد رغبة الجانبين في ضبط الأوضاع، وبمشاركة النظام السوري، وإن كانت المشاركة شكلية. فهناك فقرة تؤكد أهمية تنفيذ اتفاقية أضنة الأمنية بين تركيا وسورية 1998 بمساعدة روسية. وفقرة أخرى تتحدث عن مشاركة حرس الحدود السوري، التابع للنظام، في آلية ضبط الحدود بمساعدة روسية، ومشاركة تركية؛ وذلك بعد إبعاد قوات (ب. ي. د) العسكرية من الحدود مسافة 30 كم، وعلى طول الحدود التركية السورية ما عدا قامشلي. وعلى الرغم من التكهنات التي كانت حول منطقة رميلان والمالكية/ ديريك حيث النفط، أعطي انطباع أولي بأنها ستكون أيضًا ضمن التوافق الروسي – التركي. ولكن ما أعلنه ترامب لاحقًا أكد وجود توافق آخر، ينص على أن تلك المنطقة ستكون خاضعة للنفوذ الأميركي، وهي بالتالي خارجة عن إطار التوافق التركي – الروسي المشار إليها.

كان لافتًا في هذا السياق، الكلام الإطرائي الذي وصف به ترامب -في معرض تناوله هذا الموضوع- كلًا من الرئيس التركي والقائد العسكري لوحدات (ب. ي. د)؛ وهذه إشارة تستوجب التوقف عندها، فكلام ترامب المشار إليها ربما الغرض منه هو التمهيد لصيغة من صيغ الحوار أو المفاوضات بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية.

لكن الأمر الأكثر جذبًا للانتباه والتمعن يتشخص في دعوة ترامب لكل من تركيا وسورية إلى حماية حدودهما من (داعش)، وهذا بصريح العبارة فحواه الإقرار بدور مستقبلي لنظام بشار، وأمر كهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول دور ومستقبل القوات العسكرية السورية (المحسوبة على المعارضة الرسمية) التي شاركت في العملية التركية المذكورة.

الأمور لم تحسم بعد، ولكن من الواضح أن الأطراف المختلفة ملتزمة بعدم التصعيد، وبالتحرك ضمن الحدود المسموح بها. أما الحملات الإعلامية، والشعارات التعبوية، فهي كلها تندرج ضمن إطار سياسة استهلاك محلية، الغرض منها تسجيل النقاط عند الأنصار، وزيادة الشعبية الداخلية، أو تسجيل نقاط انتخابية، وهذا هو واقع الحال في كل من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وروسيا.

الخاسر الأكبر من كل ما جرى ويجري من معارك وتوافقات، هم الكرد السوريون الذين دفعوا ضريبة باهظة تتجاوز حدود إمكانياتهم بكثير، ضريبة تجسّدت في الأعداد الكبيرة من الضحايا والمعاقين، فضلًا عن الأعداد الهائلة من المهجرين. لقد كانت اللعبة أكبر من حجمهم وإمكانياتهم الفعلية، وتحولوا من دون إرادتهم إلى أداة في مشاريع الآخرين.

كما أن الشعب السوري بكل مكوناته هو الخاسر، فبعد كل التضحيات التي كانت، وبعد كل التدمير الذي طال بلادهم، والتهجير الذي دفع بأكثر من عشرة ملايين سوري إلى ترك منازلهم ومدنهم وقراهم، وتحوّلهم إلى نازحين في الداخل الوطني، ومهاجرين في الجوار الإقليمي؛ بعد كل هذا يبدو أن التوافقات الدولية والإقليمية تسير باتجاه إعادة تأهيل النظام، ولو بشروط خاصة تتناسب مع المتغيّرات التي كانت، والظروف التي استجدت.

هل ستنتهي الأمور عند هذا الحد؟ أم أن هناك متسعًا للمفاجآت؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام المقبلة. فالأوضاع الثورية في لبنان، وتلك التي كانت، وما زالت، في العراق، تؤكد أن شعوب منطقتنا قد امتلكت وعيها الذاتي، ولم تعد تنطلي عليها ألاعيب الأنظمة الفاسدة المفسدة، وأضاليل الأيديولوجيات القوموية والمذهبية، وهي ستتحرك عاجلًا أم آجلًا، بعد أن تعيد ترتيب أولوياتها، وتصل إلى قناعة تامة بأن المنقذ يتمثل في المشاريع الوطنية التي تحترم الخصوصيات والحقوق، وتكون بالجميع وللجميع على أساس المشاركة التامة في رسم السياسات، والاستفادة العادلة من إمكانيات الدولة ومواردها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق