مقالات الرأي

أوهام “الانتصار” وحقيقة الهزيمة

بين شهر وآخر، يتلقى أنصار الثورات المضادة في العالم العربي، الذين ظنوا أن ثورات الشعوب العربية التي انطلقت من تونس عام 2011 قد خبت، صفعة توقظهم بقسوة من أحلامهم. إذ كلما بدا أن شعلة ما تنطلق في هذا البلد أو ذاك، زيَّنت لهم أحلامهم أنها ليست إلا وهمًا، كسابقه من الأوهام الصورية، سرعان ما سيتلاشى.

ففي الوقت الذي تحتفل فيه بقايا النظام الأسدي بأوهام “الانتصار” في سورية، كان شعب تونس يرسِّخ نظامه الديمقراطي الذي اختاره بوعي وتصميم لم تنجح إزاءهما محاولات الثورة المضادة العديدة الوقوفَ في مواجهته. وفي الوقت الذي كان فيه شعب السودان يقيم مرحلته الانتقالية على طريق التحرر من الاستبداد والحكم الفردي، كان شعب الجزائر لا يزال مستمرًا في تظاهراته منذ خمسة وثلاثين أسبوعًا سعيًا وراء تحقيق الهدف المذكور نفسه. وحين كانت إيران، من خلال عملائها وقناصتها في العراق، تحاول إخماد ثورة العراقيين، كان شعب لبنان ينتفض في كل مكان ضد عهد أرسى نظامًا سياسيًّا عنوانه الفساد والنهب والعمالة، وقوامه التبعية والقوة الصلفة لديكتاتورية عسكرية تتوارى وراء قناع “مقاومة إسرائيل” ومواجهتها.

تسع سنوات ومحاولات تشويه الحركات الشعبية العفوية في بلدان العالم العربي مستمرة، تارة بوصمها مؤامرة أجنبية ضد نظم وطنية حقيقية، أو صنيع سفارات أجنبية تستهدف نشر الفوضى والخراب في هذا البلد أو ذاك، أو عن طريق توصيفها حروبًا أهلية أو نزاعات طائفية بين أكثرية شيعية وأقليه سنية في العراق أو أكثرية سنية وأقلية علوية في سورية. لكن لبنان، اليوم، يقولها بصراحة ووضوح وبالفم الملآن حين خرج، بطوائفه كلها ومناطقه كلها، كاسرًا جدران الطائفية والمناطقية من جهة، وجدران الخوف من القوة العسكرية المتدثرة بلبوس الممانعة والمقاومة، من جهة أخرى، يطالب برحيل العهد، نظامًا ورجالًا ورموزًا، جميعًا وبلا استثناء: “كلهن، يعني كلهن”!

وعلى غرار خصوصية لبنان في العالم العربي، لا يشمل معنى انتفاضة الشعب اللبناني اليوم، نظرًا لهذه الخصوصية بالذات، معاني الانتفاضات الشعبية العربية التي انطلقت قبل تسع سنوات جميعها فحسب، بل يفيض عنها. ذلك أن لبنان كان، منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي بحكم خصوصية قوامها نظام ديمقراطي ذو طابع طائفي رسمي، مرتع عدد من الدول العربية المؤثرة التي كانت، وهي تتنازع فيما بينها، تستثمر وتستغل طوائفه حين وظفتها في خصوماتها وحروبها غير المعلنة فيما بينها. هكذا كانت حرب عام 1958 الأهلية فيه، مثلما كانت الحرب الأهلية الثانية التي اندلعت عام 1975 ودامت خمسة عشر عامًا، وقادت إلى هيمنة النظام الأسدي على مراكز القرار فيه خلال ثلاثين عامًا (1976ـ 2005).

على أن حربًا أهلية ثالثة، من نوع جديد، سوف تستقر في لبنان، منذ أن انتقل “حزب الله” من دائرة الظل إلى فضاء الضوء الساطع: حرب قوامها جدران الخوف التي شيدها على عمليات القتل واغتيال العقول الحرة جنبًا إلى جنب تثبيت سيطرته الصفيقة على أي قرار حكومي يتعارض مع سياساته، منذ أن احتل رجاله شوارع بيروت يوم 7 أيار/ مايو 2008، مرغمًا الحكومة على التراجع عن قراريها يومئذ: الأول اعتبار شبكة الاتصالات الهاتفية التي أقامها “غير شرعية وغير قانونية وتشكل اعتداء على سيادة الدولة والمال العام”؛ والثاني إقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي على خلفية قيامه بمراقبة المطار بواسطة آلات تصوير خاصة، وصولًا إلى الهيمنة الكاملة على مراكز القرار في الدولة اللبنانية، وإقامته دولته ضمن هذه الأخيرة ووضعها في خدمة السياسة الإيرانية على الصعد كلها، من دون أي اهتمام بما كان الوضع الداخلي يؤول إليه، ولا سيما تجييشه الشباب اللبناني للقتال في سورية دعمًا للاحتلال الإيراني لها وفي سبيل تثبيته.

لكن جدران الخوف التي بناها طوال السنوات الماضية أسقطتها مئات ألوف اللبنانيين حين خرجوا يرددون مطلبًا واحدًا: سقوط الجميع: “كلهن يعني كلهن”، وأسقطوا معها جدران الطائفية والمناطقية، بهدف استعادة لبنان الذي سرق منهم أرضًا ووطنًا ومستقبلًا.

خلال ما ينوف عن الستين عامًا، من حروب النظم العربية في لبنان، بواسطة طوائفه، إلى حروب وهيمنة إيران فيه بواسطة وكيلها الرسمي، إلى هذه الانتفاضة الشعبية الأصيلة، غير المسبوقة اليوم، التي تريد طرد عملاء وذيول جميع الأنظمة العربية والأجنبية من أراضيه، من أجل استعادة لبنان بلدًا ووطنًا.

انتفاضة لبنان اليوم تقوم في قلب وفي مواجهة النسق الذي عملت إيران على تثبيته منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي. وهذا ما يسهم أيضًا في تعميق خصوصيتها، لا لأن الدول التي تنازعت خلال العقود الماضية في لبنان معنية بصورة أو بأخرى بما يجري فيه وبمآلاته، بل لأن نجاحها سيؤدي في نهاية الأمر لا إلى استعادة لبنان ووضعه على درب الدولة المدنية الحديثة على الصعيد الداخلي فحسب، بل كذلك، إلى شلَّ ذراع المشروع الإيراني الأهم في المنطقة العربية بصورة نهائية على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومن هنا محاولات “حزب الله” وحليفيه في احتواء الانتفاضة، تارة عن طريق الاعتراف بمطالبها وتجاهل دلالاتها، وتارة أخرى من خلال إدراك دلالاتها والتهديد، من ثمَّ، بإنزال ميليشياته ورجاله كي تملأ الشوارع، هي الأخرى. وما مواكب الدراجات النارية لرجال حركة (أمل) و”حزب الله” قبل أيام في ساحة رياض الصلح ببيروت، وصدِّ الجيش لها ثمَّ تبرؤ الطرفين السريع منها، إلا مثلًا على بعض الحلول التي يفكر بها الحاكم الحقيقي للدولة العميقة اللبنانية اليوم، فضلًا عن المحاولات الإعلامية الساعية لتشويه التظاهرات والمتظاهرين بلا حدود.

ومع ذلك، فالأهم في ثورة الشعب اللبناني اليوم أن الخطوط الحمر قد سقطت مثلما سقطت جدران الخوف والمناطقية والطائفية كلها، وهي كذلك، كما قال حازم صاغية، “ثورة على الإنشاء اللبناني السقيم: ثورة الكلام الذي يقول ما يعني، ويعني ما يقول”. ذلك على وجه الدقة ما يضع السلطة اللبنانية وممثليها اليوم في مأزق لن يكون سهلًا عليهم الخروج منه.

ليس مهمًّا اليوم التنبؤ، سلبًا أو إيجابًا، بمآل ثورة شعب لبنان اليوم انطلاقًا من مآلات مثيلاتها من الثورات في البلدان العربية الأخرى، بقدر ما هو مهم تسجيل ما استطاعت تحقيقه دفعة واحدة: أي انطلاقتها وشعاراتها وانتماءات من قاموا بها واقعيًا. ذلك ما يؤكد مجدّدًا معنى ثورات العالم العربي. فما يسمى “انتصارًا” هنا أو هناك، ولا سيما في سورية، للثورة المضادة، يؤكد في حقيقة الأمر، هزيمة هؤلاء “المنتصرين” في ضوء التاريخ. إذ إنَّ الثورات التي انطلقت -كما أثبتت ولا تزال تثبت السنوات التسع منذ بداية الثورات العربية- لن تتوقف إلا بانتصار أصحابها. فقد دشنت الثورة التونسية الواقع المأمول في العالم العربي، فضلًا عن أن التاريخ لم يعرف بعدُ هزيمة الشعوب.

ومن يدري.. لعل ثورة لبنان تكون المعادل الموضوعي في ميدان الثورات العربية للمثل العربي القديم: آخر الدواء الكيّ!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق