تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

عشائر منبج: نحن أمام احتمال مذبحة إذا دخل النظام

بعد بدء عملية “نبع السلام”، وقبيل تعليقها، أعلنت القوات الكردية المسيطرة على جزء من الشمال السوري مفاجأةً، شكّلت عقدة جديدة في المنطقة الشمالية الشرقية من سورية، حين قالوا إنهم سيسلّمون منبج وغيرها إلى قوات النظام السوري، وأنهم أجروا مباحثات مع النظام لتمرير صفقةٍ بطريقةٍ ما، معارضين مشيئة أهالي المنطقة الرافضين دخول قوات النظام السوري أكثر من رفضهم القوات الكردية. وقد تسبب ذلك الأمر في حالة ذعر في بعض المناطق، خاصة تلك التي يقيم فيها عشرات الآلاف من المطلوبين للنظام على خلفية معارضتهم له، ومنبج إحداها.

بعض الفصائل العربية التابعة لـ “قوات سوريا الديمقراطية”، التي مُنيت بهزيمة، اعترفت أن الأفضل هو أن يخرج الجميع وأن يُسيّر أوضاع المدينة أبناؤها، وأن لا تدخل قوات النظام إليها. وقال مصدر قيادي من المجلس العسكري لمدينة منبج، التابع لـ “قوات سوريا الديمقراطية”، والمكوّن من مقاتلين أكراد وعرب سوريين، ليس بينهم أكراد أتراك: “الجانب الإيجابي من وقف إطلاق النار هو إتاحة المجال لعودة الأهالي إلى بيوتهم، وتجنيبهم المزيد من القتل والدمار، والحد من تزايد عدد ضحايا الحرب”، وعن موقف الأهالي وترحيبهم بخروج القوات الكردية من مناطقهم، قال: “بالنسبة إلى موقف الأهالي، كلنا في سورية بشكل عام يعلم أن هناك تيارات وأهواء سياسية، وكل شخص أو فئة لها رأي منفصل عن الآخر، لكن أغلب الشعب في منبج تحديدًا يرحب بخروج قوات الوحدات، وبقاء العسكريين من أبناء المدينة، وخروج كل من جاء من خارجها”.

وتم تشكيل “مجلس منبج العسكري”، في نيسان/ أبريل 2016، من عدة مجموعات عسكرية من أبناء مدينة منبج شمال شرق سورية، بالتنسيق والتعاون مع “الإدارة الذاتية” الكردية، واتهمته المعارضة السورية في حينها بأنه يقوم بتنفيذ أجندات “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي (جناح حزب العمال الكردستاني في سورية) بهدف كسب غطاء للعبور إلى غرب نهر الفرات.

أما الطرف الآخر (العربي) تجمّع عشائر أبناء منبج الذي يتواجد في المنطقة بثقل، ويقف كطرف معادٍ لتواجد الميليشيات الكردية، فقد قال القيادي فيه حسين حسن: “إن قيادات وحدات حماية الشعب الموجودة في سورية تأخذ تعليماتها من قادة في قنديل، وتلك تابعة لحزب العمال الكردستاني التركي، وهذا الحزب لا يهمه إن دُمّرت منبج عن بكرة أبيها، أو تمّ تسليم سكانها للنظام، لأنه يستحكم في مدن غالبيتها سوريون عرب وليسوا أكرادًا، وبالتالي لن يهمّه مصير العرب هنا”.

وحول من يمكن أن يملأ الفراغ، ويكون مقبولًا لأهالي المنطقة، قال: “نأمل أن يكون للجيش الوطني دور ما في تأمين هذه المنطقة، بعد انسحاب القوات الكردية. صحيح أن هناك حالة فوضى، ولا يوجد جيش منظم، لكن يتم الآن تقديم المساعدة ومحاولة التنظيم للجيش الوطني والمؤسسة العسكرية، يوجد الكثير من الأخطاء تتم من طرف الفصائل، لكنها أخطاء فردية، وسيتم توعية الجيش الوطني وتدريبهم ومراقبة سلوكهم، هذا هو المتوقع والمنتظر”.

تتشكل منطقة منبج وما حولها أساسًا من عشائر، ويوجد فيها نحو ثلاثين عشيرة، وتعداد المقيمين فيها نحو 650 ألفًا، الثلثُ من النازحين، ولا ترغب الغالبية العظمى في دخول قوات النظام، لكونهم عانوا ممارسات النظام، وبعده القوات الكردية، وجرت عمليات ضغط على العشائر وتهديد لها لدفعها لقبول القوات الكردية، والآن لقبول قوات النظام السوري.

الشيخ نورس العجلاني، شيخ عشائر العجلان بني سعيد في منبج شمال سورية، والناطق باسم كل عشائر منبج، قال: “منبج على أطراف فوهة بركان، ونخشى من حصول جرائم كبرى؛ إذا تمكّن جيش النظام السوري، بالتعاون مع الروس ومساعدة القوات الكردية، من الدخول إلى المدينة، بعد انسحاب الأميركيين”.

وأعرب العجلاني، وهو ممثل المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، عن خشيته من أن تكون هناك عمليات انتقام من أهل المدينة من الطرفين، القوات الكردية وقوات النظام، لأنهم لم يؤيدوهم خلال السنوات الماضية، وقال: “في منبج الآن أكثر من مئة ألف شخص من المطلوبين للنظام على خلفية معارضته والمنشقين عن جيشه، وأكثر من 20 ألف شاب مطلوب للجيش الذي يزجه النظام في حروبه، والكل الآن صار محاصرًا، وممنوعًا من الخروج”.

وأوضح: “أبناء منبج، عربًا وأكرادًا، يريدون إدارة البلد بدون وصاية روسيا والنظام الذي دمّر البلاد، ويريدون تطبيق خارطة سلام مع الجيش الوطني وأبناء منبج”، وتابع: “لقد عانينا كثيرًا من قوات (قسد)، حيث فرضت التجنيد الإجباري والجمارك والضرائب وأخذت الآثار، وصادرت عقارات كل من وقف ضدها، وأقاموا السجون باسم الإرهاب لكل من يعارض مشروع (روجآفا)”.

وشدد على أن “الأكراد ليسوا حزب الاتحاد الديمقراطي، ولا حزب العمال الكردستاني، وأهل منبج إخوة مع الجميع، عربًا وأكرادًا وتركمانًا وشركس، والجميع يريد إنقاذ منبج من مصير سيئ محتمل”.

رفض السكان العرب للقوات الكردية، وخاصة غير السورية منها، لا يعني قبولهم وجود النظام، لكن الصراع بين الأكراد والأتراك ومن خلفهم المعارضة السورية المدعومة من تركيا، أثّر فيهم كثيرًا، خاصة عندما اتّفق على أن يكون للنظام السوري دورٌ، وهذا ما دعمته أيضًا نتائج القمة الروسية – التركية التي عُقدت الثلاثاء، وأقرّ بندها الخامس أن تدخل -اعتبارًا من 23 تشرين الأول/ أكتوبر- الشرطة العسكرية الروسية، وحرس الحدود السوري من الجانب السوري، ومن الحدود التركية – السورية، خارج منطقة عملية “نبع السلام”، لتسهيل إزالة عناصر (YPG) وأسلحتهم على عمق 30 كم من الحدود التركية – السورية، وبات همّ الأهالي الآن البحث عن حلّ يُبعد النظام السوري عنهم.

يريد سكان شمال سورية أن ينسحب الجميع، سواء الميليشيات الكردية أو الروس أو الأميركيون أو تركيا، ويريدون سورية لهم ليحكموها بإدارات ذاتية منبثقة من مناطقهم ومن صلبهم، لكن قدراتهم على فرض ذلك تكاد تكون معدومة، وهم يستنجدون بأي طرف يمكن أن يخلّصهم من هذه التدخلات والمخاطر.

في حقيقة الأمر، لم تكن هناك مشكلات بين أهالي شمال شرق سورية مع الأكراد أو الاثنيات العرقية الأخرى المتواجدة في المنطقة، وبينهم تزاوج وقرابات ووحدة حال على مرّ العقود، لكن حرب النظام السوري أثارت النعرات القومية والإثنية، ثم زادها نقل أكراد حزب العمال الكردستاني حربهم من تركيا إلى الداخل السوري، وصارت المنطقة بالفعل قرب فوهة بركان، عنف قوات النظام، وتجربة مريرة مع الميليشيات الكردية، وتدخلات روسية وأميركية وتركية، ومن الصعب التكهن بمستقبل المنطقة، قبل أن تتضح الخرائط التي يريدها الكبار، وهي في كل الأحوال خرائط لن ترسم وطنًا معافى للسوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق