سلايدرقضايا المجتمع

القاشوش في بيروت

ردد المتظاهرون في الشارع اللبناني شعارات الثورة السورية، وهم يرفعون جزءًا من يافطاتها مع تغيير كليشتها أو نسخها، وليس ذلك مفاجئًا، فلقد كان اجتهاد السوريين يسأل: ماذا بعد أن كانت الحناجر تعانق أصداء الشعارات، وكانت تضحياتهم تدقّ عنق المؤامرات المزمنة التي تحوم حولهم وتتربص بهم؟ يتخذ السؤال السابق ذاته وضعًا جديدًا، يتعلق بمفهوم الحرية والكرامة والمواطنة، الذي طالما سَخِر منه بعض النخب والسياسيين المتحالفين مع جزمة النظام السوري العسكرية. الثورة الآن في الشارع اللبناني، بمعناها الواسع والعلمي، هي جزءٌ من الأفكار الإنسانية التي لم يعُد في وسع من يحاول إخمادها أو إنكارها في ساحات وميادين أخرى، ويهلل لها في عواصم مختلفة، أن يواجهها.

الثورة في سورية غيّرت المفاهيم السالفة للثورة، النتاج الأولي والساطع كان تبلوره في رفع علم الثورة السورية في ميادين الثورات العربية، تعبيرًا عن التضامن مع حقّ السوريين ضد قهرهم الذي كان امتدادًا لمطلب التغيير الجذري الذي نشهده في ساحات العراق ولبنان، والأخير متصل مع الأول لجهة بسط النفوذ الإيراني من بغداد إلى بيروت مرورًا بدمشق وصنعاء، حتى لو لم تعبّر صرخات اللبنانيين صراحة عن سخطها من تغوّل نفوذ “حزب الله” وهيمنته الأمنية والاجتماعية، يكفي أن تصدح حناجرهم بما ترك القاشوش من أثر، أو التعريج في الهتافات على أهازيج الساروت، أو تمايل المتظاهرين على لحن الحرية قبل انهمار البراميل، تلك مشاهد ومسامع مرعبة لمن ظن أنه بمأمن من طوفان الثورات.

قابلية نتاج اللبنانيين للثورة على الفساد وعلى النظام الطائفي، تدلّ عليها إشارات كثيرة، قد يكون من أهمّها الهجوم الشامل الذي شنته مختلف الأطراف العربية الرسمية على ثورة السوريين، واستهزاء البعض بما حلّ بهم “بأنه من فعل أيديهم”، لا مسؤولية لنظام البراميل والصواريخ والطائرات، وأصبح التقليل من شأن معاناة السوريين يجمع القلق المشترك للمسؤولين السياسيين والنخب المختلفة والمستفيدة من حالة الوهم المعرض للانهيار أكثر من أي وقت مضى.

لن يقلّد اللبنانيون أحدًا في انتفاضتهم، ولا العراقيون ولا المصريون، فخصوصية السوريين، مع نظام دموي وقمعي وفاسد وسادي ومجرم، لا يمكن أن تنسحب على اللبنانيين أو غيرهم، إلا في تفسير القهر والألم والحق في انتزاع الكرامة والحرية، وكيفية التعاطي معها، وهي جديرة بالتعاطف والتصفيق لها، كما كان يطالب السوريون في شعاراتهم ويافطاتهم على كراتين مرفوعة من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها، ولعل الشارع العربي واللبناني يكتشف في نفسه الظلم والقهر، الذي وضع نخبه السياسية والأمنية في ورطة التعبير عن موقف عند رفع شعار “النأي بالنفس”.

يمكن أن يقول البعض إن التريث مفيد قليلًا في ترسيخ الانطباع الأول عن حراك الشارع اللبناني، وما تقدّمه نتائج انتفاضته على الفساد، اتُّخذت هذه المواقف طوال الأعوام التسعة الماضية على الرصيف العربي والدولي، من دون أن يخجل كثير من المنتظرين من ملايين الضحايا، كلها كانت إيحاءات إحراج وتعرية لن تصل إلى باب التاريخ المسدود، من المفيد أن نتريث، لكن من المفيد أن نعرف أن صولجان القهر والفساد والدمار واحد، وأن التعبير عن الرفض بالثورة والانتفاضة أيضًا واحد، ومن جنّد كل قوته وعبر بها الحدود لقمع الشعب السوري والمشاركة في قتله، عجز عن أن يقبض على أغنية للقاشوش أو يمنع لحنًا من أهازيج الساروت في بيروت، وحدها الأرواح والحناجر والهامات العالية والتضحيات والشهداء، تحاصر قلعة الطغيان والفساد.

يشترك الشارع اللبناني، مع شوارع عربية، في إعادة الروح لمفهوم الثورة، وهو يدفع النظامَ الطائفي والعنصري نحو مأزق لا خروج منه، إلا بالرضوخ لمطالب الشارع، لم تستطع حيادية المنخرطين في مقتلة السوريين أن تمنع تسلل جماليتهم في الثورة، ولا تجاهل فنّهم ولا سخريتهم، من أجل ذلك سيظهر القاشوش في مناطق عربية تكابد التغلب على القهر بالوهم. وتلك باتت مفاهيم سورية للثورة في الشوارع المنتظرة لحظتها الفارقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق