مقالات الرأي

الكلام في زمن الألغام

تكرر سؤالي من قبل الأصدقاء والمتابعين، عن غياب موقف مكتوب في وسائل التواصل أُعلّق من خلاله على ما يحصل في الشمال السوري، وأتخذ موقفًا واضحًا وصريحًا. وبدا للبعض ممن يتسرع في إطلاق الأحكام القطعية، وهم أكثرية للأسف الشديد، أنني أحاول أن أنأى بنفسي عن الوضوح في الموقف من الغزو التركي لشمال سورية، تنديدًا أو تأييدًا.

الوضوح في الموقف من القضايا العامة مطلبٌ شعبي ونخبوي، تبلور استغلال شرعيته منذ سنوات عدة، حيث صار المطلوب من السوري أن يتخذ موقفًا واضحًا وصريحًا من القضايا المبدئية أخلاقيًا وإنسانيًا، يُحدّد ويُميّز فيه الأبيض من الأسود من دون التطرق إلى التدرجات البتة. وتطورت المطالبات وتوسّعت لكي يكون القول قاطعًا وحاسمًا في التعليق على كل شاردة وواردة سياسية، مجتمعية وثقافية. وقد صار عدم النطق بحكم نهائي لا رجعة فيه هو عنوان لتخاذل مرفوض وتردد ممجوج ورمادية مدانة.

وبعيدًا من تعقيدات المشهد الشمالي في سورية، وبعيدًا من حمولات الغزو التركي، يمكن تسجيل التقلبات في مواقف الحزب المهيمن على الكرد، وخيانة من ادّعى يومًا حماية حقوقه الكرد، من روس وأميركيين وغيرهم، والأطماع التركية في تغيير التركيبة السكانية في الشمال، وخضوع بعض المعارضة السورية لقرار غير وطني، وارتزاقها، حماية أو تسولًا، إلى من لا يحمل همّ ثورتها، إن كان من المجدي بعد الحديث عن “ثورة”. بعيدًا من كل هذه النقاط وسواها، التي يمكن أن تكتب فيها المجلدات، هل يقبل الفكر العقلاني فعلًا أن يحصر المواقف، كل المواقف مهما تنوعت، بين الأبيض وبين الأسود؟ وهل التدرجات اللونية هي اقترافٌ لأفعال لا أخلاقية واتخاذٌ لمواقف لا وطنية، بالتالي، يستحق من يقترب منها لتفحّصها ومحاولة تحليلها على الأقل، الإدانة والحكم الذي لا رجعة فيه؟

خاض بعض الأصدقاء والزملاء، من السوريين وسواهم، في مغامرة التعليق على المسألة والخوض في رمالها المتحركة، ومحاولة فهم أبعادها ومعطياتها وعوامل التأثير في استمرارها وإمكانيات الوصول إلى إيقافها؛ فتعرّضوا لوابل من القذائف الكلامية من مختلف الأطراف دون استثناء. وقد وصلت الحال ببعضهم إلى البدء في صياغة مقالاتهم بتبيان الاستعداد والجهوزية للشتائم التي ستنالهم من كل حدب وصوب. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كل من كتب في الشأن العام يحمل من الصمود والتصدي للشتائم قدرًا كافيًا؟ بل هل هذا هو المطلوب ممن امتهن الكتابة والبحث والتحليل؟

من المؤكد أن هناك من يُجيب على أن التصدي للقضايا الجسام يجعل فاعليه عرضةً للكلام غير المحبب في أقل تقدير، خصوصًا في مرحلة يمكن اعتبارها مرحلة توتر متراكم. من الطبيعي، والحال كهذه، أن يتعرض للشتائم الشخصُ الذي اختار أن يتصدى للشأن العام، ويجب عليه أن يتوقعها ويتجاوزها ويستمر في سعيه الفكري والتحليلي، وهو على يقين بأنه لن يرضي جميع الناس. بالمقابل، فالواعي ممن يمارس هذا الدور يتساءل عن إمكانية أن يتم طرح وجهة نظر وتلقي التعليقات النقدية في إطار العقلانية وبعيدًا من الشخصنة والإساءة. ويمكن اعتبار هذا من عاشر المستحيلات، في ثقافة سياسية اعتبرت كما جورج بوش أن من يوافقها الرأي تمامًا ما هو إلا عدو وتجب محاربته.

فإن أشرت إلى أن الوعود التي قُطعت للكرد عمومًا، وإلى حزب العمال بوجوهه العديدة، لم يتم احترام أي منها، منذ معاهدة سيفر سنة 1920، فسيشتمك “صديق” كردي من الحزب المعني معتبرًا أن تحليلك عنصري، وأنك تقصد من خلال طرحه الإشارة إلى أن تهزأ بشعب بكامله. اجتهاد سلبي في تفسير الكلام، لا يلبث أن يجرّ مئات الشتائم المتضامنة. وبالمقابل، فقد يحملك التحليل إلى اعتبار أن ما يسمى “الجيش الوطني السوري” ما هو إلا مجموعة غير وطنية، بالاستناد إلى التعريفات المدرسية وبعيدًا من أحكام القيم، فسيتصدى لك شوفينيون أو دينيون يجدون في القيادة التركية إعادة إنتاج لخلافة راشدة. في هذه الأجواء المشحونة، لن تتمكن من إنهاء مقال، فما بالك ببحث؟

أعتقد، وربما أكون على خطأ مبين، بأن الكاتب الصحفي يجب أن يُحاول التبصّر في أبعاد المسألة، بعيدًا من الحسم في استنتاجات غير مستندة إلا إلى تفكير رغبوي أو انتماء أيديولوجي. وهذا صعب للغاية، فمن يمارس هذه المهنة، ممن يؤمنون بتحييد التحليل عن الانتماء الاثني أو الطائفي أو العقائدي، ما هم إلا ندرة. أما الباحث، فهو مدعو إلى الحذر الشديد، وانتظار مرور بعض من الوقت لكي يقوم بدراسة تحليلية موسعة ومعمقة. فالحديث عن مسألة راهنة مع متغيراتها يمكن أن يكون إعلاميًا، ولكنه لا يمكن، ولا يجب أن يكون بحثيًا أيضًا.

غزو تركي، توافق أميركي – روسي – تركي – نظام دمشق – إسرائيلي، على المجريات والمآلات، رهانات حزب العمال بنسخته السورية الفاشلة، استمرار التغيير الديموغرافي في سورية من قبل الأطراف المهيمنة كافة، عجز ارتزاقي لجزء من المعارضة السورية عن اتخاذ موقف، والتستر وراء تصريحات فارغة من المعنى ومن المنطق، غرور القيادات العمالية الكردية بحلفاء ما فتئوا يتخلون عنها، كلها محاور بحثية فاتحة لشهية كل باحث، بعيدًا من كل التلفيقات التي يوصم بها من يرغب في العمل على الموضوع بجدية، وبعيدًا من القطع في الألوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق