مقالات الرأي

سورية ضحية الأجندات الداخلية والخارجية

كانت ثورات الربيع العربي أعظم حدث في تاريخ شعوب المنطقة في القرن الحادي والعشرين. والثورة السورية كانت عظيمة بقيمها ومبادئها ودفعت تضحيات هائلة. وقد مارس نظام الأسد المافيوي، مدعومًا من حلفائه، أبشع الجرائم والأساليب الوحشية بحق السوريين، وخدمته قوى ظلامية متعصبة وإجرامية، ساهم هو في خلقها واستجلابها، وعملت على خلط الأوراق لتشويه صورة الثورة، وعلى نشر الفوضى والتطرف الديني والقومي والطائفي. وكان هدف تلك القوى، التي تاجرت بشعارات دينية مزيفة، هو قتل إرادة الحرية والكرامة لدى الشعب السوري، وإجهاض ثورته العظيمة. وتمكنت عصابة الأسد من البقاء على قيد الحياة حتى اليوم، وإن كانت مريضة وهزيلة.

ما شهدته بلادنا مثال ساطع على استغلال القوى المختلفة للظروف، وسعيها لتحقيق أجندات لا علاقة لها بثورة السوريين ومطالبهم العادلة.

منذ أن انطلقت الثورة سلمية عفوية، كان النظام الأسدي جاهزًا للرد عليها، فوضع خطة شاملة لمجابهتها. وبالرغم من أن الثورة زعزعت سلطته، وكادت تنتصر عليه، فإن عوامل أخرى ركبت موجة الثورة وتمكنت من إعاقتها مثل:

  • لعب النظام بنجاح على وتر الطائفية، الذي تحدثت عنه بثينة شعبان من الأسبوع الأول للثورة، وحينها استغرب السوريون هذا التصريح. ثم لعب بالأوراق الدينية والقومية أيضًا، لم يجابهه خطاب معارض واضح وقوي لموقف قوى الثورة من كل مكونات الشعب السوري ومن التطرف الديني والقومي لطمأنة الناس .
  • عسكرة الثورة التي ساهم النظام بخبرته الخبيثة في تحويل الثورة السلمية إلى مسلحة، لكي يتمكن من قمعها مستغلًا القانون الدولي. وكذلك ساهمت القوى الإسلامية في الإسراع بالعسكرة لتوهمها بإمكانية حل موضوع السلطة على شاكلة التدخل الدولي في ليبيا.
  • أسلمة الثورة التي برزت في شعارات القوى المسلحة والسياسية وبالهيمنة الحقيقية للإخوان المسلمين على أهم مؤسسات المعارضة والثورة.
  • المعارضة السياسية لم تقدّم خططًا أو استراتيجية للثورة، بالإضافة إلى أن اغلب قادتها من المتسلقين والانتهازيين المرتبطين بأجندات خارجية لا علاقة لها بالثورة. ولا نستثني الاختراقات الخطيرة من قبل أجهزة النظام في قيادات المعارضة.
  • الأحزاب السياسية التقليدية لم تتمكن، بسبب هيمنة الفكر الشمولي والأساليب اللاديمقراطية في العمل، ولتعودها على أساليب العمل السريّة، من لعب دور فاعل في الثورة كتنظيمات، ولم تقدم برامج تساعد الناشطين في بلورة نشاطاتهم وتنظيم قيادة الثورة، وبذلك كشفت الثورة عن عجز تلك الأحزاب وفشلها في التصدي للمهمات المنتظرة منها حيال الثورة، بالرغم من أنها نادت بها على مدى عقود.
  • الحركات الدينية المتطرفة التي كان هدفها الأساسي عرقلة الثورة والإجهاز عليها مثل (داعش) و(جبهة النصرة) التي تخدم أجندات معادية للشعب السوري ولسورية ككل.
  • ميليشيات “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (التابع لحزب العمال الكردستاني) المعروف بارتباطه بالنظام منذ تأسيسه، وبإيران، وتبعيته للولايات المتحدة وروسيا، حيث قمع مظاهر الثورة في الجزيرة، وارتكب جرائم بحق الكرد والعرب والآشوريين وكل أبناء الجزيرة، ووسع نفوذه بدعم أميركي حتى كاد يقيم كيانًا على طول الحدود، مع تركيا وبعمق كبير وصل إلى دير الزور. وحاول إيهام الناس بشعارات الديمقراطية (قوات سوريا الديمقراطية) و”الإدارة الذاتية”، علمًا أنه خدم أجندات معادية تمامًا لثورة الشعب السوري. ونذكّر أيضًا بأن أتباع حزب الاتحاد الديمقراطي، مثل أصله حزب العمال الكردستاني، يحملون الأيديولوجيا الماركسية ويلتزمون بأساليب عمل ستالينية، ولا علاقة لهم بالديمقراطية. وكانت ممارسات (قسد) وغيرها من استطالات حزب الاتحاد الديمقراطي هي تأكيد على الاستبداد والإرهاب بحق المواطنين من اغتيالات وقتل وحرق قرى وتهجير عرقي، علمًا أنهم يتبجحون بشعارات الأخوة والديمقراطية والعدالة. وهذا يذكرنا تمامًا بشعارات حزب البعث المزيفة وعصابة الأسد التي تدعي مقاومة الإمبريالية والكيان الصهيوني، بالرغم من أن تلك العصابة حمت حدود الكيان الصهيوني 50 عامًا، وقمعت السوريين، وكرست العبودية، ونهبت أموال البلد، وتعاونت مع “الإمبريالية” الأميركية في السر والعلن.
  • التدخلات الخارجية بدون استثناء كلها ساهمت في إطالة عمر الأزمة، وأعاقت الثورة عن تحقيق أهدافها. فهناك قوى خارجية دعمت النظام بشكل سافر مثل إيران وروسيا وبشكل مستتر مثل العراق. وهناك دول اتخذت موقفًا ملتبسًا أقرب إلى النظام مثل لبنان والجزائر ومصر والأردن.
  • أما الدول العربية الخليجية التي قدمت الأموال، ودعمت فصائل إسلامية مسلحة، فقد سعت لتحقيق أجنداتها أكثر منه لخدمة الثورة، والدليل أن تلك الفصائل المسلحة كانت تقمع الناشطين وتعتقلهم وتتقاتل فيما بينها. كما أنها لم تحارب النظام بشكل حقيقي، وأصبح قادتها أمراء حرب مقرفين، إلى أن وصل بهم الأمر إلى بيع الثورة والتفريط بحق الشعب السوري الثائر.
  • أما تركيا، التي استقبلت ملايين السوريين وقدّمت لهم خدمات إنسانية كبيرة لا يمكن تجاهلها، وأصدرت تصريحات قوية في بداية الثورة ضد النظام، فإن سياستها لم تكن ثابتة بل تقلبت كثيرًا (ولهذا أسباب خارجية وداخلية) إلى أن اضطرت إلى التحالف مع روسيا (حليفة النظام) وأصبحت تركز على أمنها القومي متراجعة عن دعم الثورة (يكفي أن نذكر تسليم حلب الشرقية للنظام ومفاوضات أستانا ومناطق خفض التصعيد التي خدمت جميعها النظام).
  • أما أوروبا فلم تلعب دورًا يذكر، بسبب تأثرها وتبعيتها للدور الأميركي الضبابي في ظاهره والأقرب للنظام في جوهره.
  • وهنا نصل إلى اللاعب الأكبر وهو الثنائي أميركا – “إسرائيل”، الذي يضع الخطوط العريضة ضمن مشاريع لا يخفيها على أحد، ويعلنها لنا، لكننا نتجاهلها ولا نقرأ السياسة ولا نستفيد من دروس التاريخ.

فهناك مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي أعلنه شمعون بيريس، وأيّدته كونداليزا رايس في السنوات الماضية. فهل يصدق عاقل أن شخصيات إسرائيلية وأميركية بارزة من صناع القرار، تطرح هذه المشاريع للتسلية. وأعرف أن هناك من يقول إن كلامي يعبّر عن إيماني بنظرية المؤامرة، التي تشير الخلافات بين اللاعبين في المشهد السوري إلى عدم وجودها. ولكن الحقيقة أن التفاهمات (الخطط والاستراتيجيات) هي بالخطوط العامة. وهذا لا يستثني الاختلافات والصراعات، ولو على مستوى الخطاب المتعلق بالتفاصيل. ويتضح من متابعة الأحداث والمواقف منها أن المنفذين للخطة الأميركية الإسرائيلية هم إيران وروسيا والنظام وبقية دول المنطقة بدرجات متفاوتة وبأدوار مختلفة.

انظروا كيف خلق الأميركان وأتباعهم لدول الخليج مشكلات وأزمات، استفادوا منها وأفادوا عدو الخليج الأساس وهو إيران:

  • فالتدخل في اليمن أبعد المملكة العربية السعودية عن الملف السوري وخدم إيران.
  • وجاءت الأزمة الخليجية والحصار على قطر لصالح إيران أيضًا.
  • وكل الأحداث في المنطقة تخطط لها “إسرائيل” وأميركا، وتنفذها إيران ودول عربية وإقليمية. والهدف من هذه الأزمات والمشاريع هو ابتزاز دول المنطقة ماديًا، والحفاظ على حالة الفوضى والاقتتال والتدمير والتهجير، التي نتيجتها إعاقة أي تقدم للعالم العربي والإسلامي (هذا إن كان هناك مخطط لذلك التقدم أصلًا)، بالرغم من الثروات الهائلة التي يمتلكها، وكذلك الحفاظ على الأنظمة الدكتاتورية بأشكال مختلفة لتقييد طاقات شعوب المنطقة.

وقد يتساءل أحدهم لماذا سورية؟ وهذا سؤال مشروع. هل هو الحظ أم ماذا؟

أعتقد بأن سورية تتمتع بموقع جيوسياسي مهم، ولأن “إسرائيل” -كدولة استيطانية توسعية وحليفة للغرب- مجاورة لسورية. كما أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي (الذي قطع علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل عام 1967، وتمت استعادتها بعد تفككه 1991). فروسيا اليوم تعتبر أمن “دولة إسرائيل” أولوية رقم واحد لها. وما المانع من أن تخطط “إسرائيل” لتحالف استراتيجي مع روسيا (أشار إليه بوتين مرة) والهيمنة على المنطقة (القمة الأمنية الثلاثية الأميركية الإسرائيلية الروسية الأخيرة في “إسرائيل” أكبر دليل على ذلك).

  • أما تركيا فهي دولة قوية اقتصاديًا وعسكريًا وقادرة على التمرد على القرارات الأميركية. وهي عضو في حلف الناتو، ولا يمكن محاربتها، بل يمكن إزعاجها اقتصاديًا وسياسيًا مثل محاولات قلب الحكم، كما شهدنا منذ سنوات. ويمكن الاستنتاج أن كل ما جرى في تركيا وحولها، خدم مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، لأنه دفعها للتحالف مع روسيا والانخراط في مخططاتها، من تسليم حلب إلى مفاوضات أستانا إلى مناطق خفض التصعيد، التي كانت بلا شك لصالح النظام السوري، وبالتالي انشغلت تركيا بشكل كبير بأمنها القومي، وهي محقة، لأن الأميركان نفسهم دعموا وشجعوا ميليشيات (قسد) المأجورة، لتهدد أمن تركيا وتهدد مستقبل سورية. لكن تركيا دولة ديمقراطية لديها رئيس ذو كاريزمية قوية، وليس من السهل تركيع الأتراك وإجبارهم على التبعية، كما هي حال الدول العربية المنبطحة. ولا نريد التدخل في الشأن الداخلي التركي، ولكن من الضروري الإشارة إلى وجود أخطاء ارتكبت، وتحدثت عنها شخصيات سياسية مهمة في تركيا، أضعفت من موقف تركيا وأجبرتها على الاتجاه نحو روسيا، والتنازل عن كثير من مواقفها المعلنة سابقًا تجاه الثورة السورية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تكتفي النخب الوطنية السورية، من مثقفين وناشطين وثوار، بتوصيف ما جرى، على أهميته، لفهم ما وصلنا إليه ولاستشراق المستقبل؟ أم ماذا؟

على ضوء ما جرى ويجري من نشاطات دولية سياسية وأخرى ميدانية على الأرض، نجد أن السوريين لم يتخلوا عن ثورتهم. وقد انعكس ذلك في التظاهرات التي تعم المناطق المحررة وحتى في مناطق النظام و(قسد). وتطبيل البعض للجنة الدستورية والإيهام بإمكانية تحقيقها فائدة للسوريين مشكوك فيها، فهناك تحديات جدية من جانب النظام، ولكون اللجنة نفسها ضعيفة البنية، وللهيمنة الدولية على القرار السوري.

ومن واجب السوريين الأحرار الاستعداد لمرحلة مصيرية قادمة، وذلك بإبراز الصوت الوطني المستقل، الذي يمثل إرادة الشعب السوري وثورته العظيمة. فالحياة مستمرة والثورة مستمرة .

أما الأجندات المعادية المهيمنة حاليًا، فلا بد أن تنتهي، وسيتمكن شعبنا من الحفاظ على وحدة وطنه. ولكن ذلك يوجب على كل الشرفاء السوريين المؤمنين بالهوية الوطنية السورية، من المكونات كافة، أن يدافعوا عن مستقبل وحدة واستقلال سورية من الاحتلالات كلها، بحيث تكون سورية دولة حرة مدنية ديمقراطية تعددية يعيش فيها مواطنوها أحرارًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق