تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

جيش أم “حرس حدود”؟

لم يكن مستغربًا ترحيب تركيا باستلام جيش النظام السوري مدينة منبج، بل يمكننا القول إن هذه رغبة تركية محضة، فأكثر ما يهم تركيا، منذ الانخراط في أستانا، هو أمن حدودها، وإنهاء تنظيم (قسد) كمصدر للإرهاب على حدودها الجنوبية، ويتحقق ذلك من خلال إعادة الجيش السوري إلى النقاط الحدودية مع وجود رقابة روسية، وتحسين شروط اتفاق أضنة لصالح تركيا، ولا يمكن أن نلوم تركيا، فهذا منطق طبيعي بالنسبة إلى الدول، فأولى أولويتها هو الحفاظ على أمنها القومي، والجيش السوري -على هزالة عدده وعتاده- يبقى جهة رسمية، بحسب القانون الدولي، يمكن محاسبتها في حال وجود خرق أو تسلل، وتركيا لن تجد أفضل من الجيش السوري كي يقوم بمهمة “حرس الحدود”، لكون النظام السوري يمتلك بنك معلومات كامل عن جميع قادة ومقاتلي (قسد).

ما حصل في الشمال هو تمامًا ما حصل في جنوب غرب سورية، وتحديدًا على أطراف الجولان السوري المحتل، فبعد أن حاولت “إسرائيل” إيجاد قوات تتعامل معها من “الجيش الحر”، اشترطت على روسيا أن يتم نشر قوات الجيش السوري على طول الحدود، مع وجود رقابة روسية، ويفصل بينهما قوات الأمم المتحده، والعودة إلى العمل بحسب قواعد “فك الاشتباك” وفصل القوات الموقّع عام 1974 كثمرة من ثمرات “انتصار” حرب تشرين التحريرية التي قادها حافظ الأسد، وسلّم من خلال هذا النصر عشرات القرى إلى الجانب الإسرائيلي، ونص اتفاق 1974 على اللجوء إلى القانون الدولي، وعدم عودة النظام لاستخدام السلاح في وجه “إسرائيل”، وهكذا تحول الأسد من بطل تشرين إلى بطل سلام، ومهمة جيشه محصورة بالحفاظ على أمن وهدوء الحدود مع “إسرائيل”، وهذا ما حصل فعلًا منذ ذلك الحين إلى اليوم.

هذا حصل أيضًا جنوبًا، عند الحدود الأردنية، إذ رفضت الأردن أن تتم إدارة معبر نصيب من طرف “الجيش الحر”، وأصرّت على انتشار جيش النظام على طول الحدود، وإعادة تفعيل المخافر الحدودية، كشرط لفتح معبر نصيب الحدودي بوجود دائرة الهجرة والجوازات السورية.

بالعودة إلى الحدود الشمالية، فقد وقّع حافظ الأسد اتفاق أضنة المشين والمهين، فلا يمكن لدولة ذات سيادة وكرامة أن تقبل بدخول قوات أجنبية أراضيها، تحت أي عذر أو مبرر، وهو اتفاق فريد من نوعه بين دول العالم وجيوشه، وتفسيره الحرفي هو ما قاله وزير الخارجية السوري إن “من يرغب في الاعتداء على الأرض السورية، فعليه التنسيق مع حكومة الجمهورية العربية السورية”.

الآن، بعد تحوّل “الجيش العربي السوري” إلى مجرد حرس حدود لدول الجوار، يشغل بعض المخافر الحدودية، وبعد أن ضمنت كل من تركيا شمالًا، و”إسرائيل” والأردن جنوبًا، أمنها الحدودي، يبقى على النظام إدارة المعابر مع إيران، على اعتبار أن العراق أصبح جزءًا من إيران، وأن القوات المنتشرة على طول الحدود داخل الأرض العراقية هي قوات “الحشد الشعبي” الموازي لـ “حزب الله” اللبناني والتابع مباشرةً  للحرس الثوري الإيراني.

ما يُراد من حرس الحدود في “الجيش السوري”، بالكاد يكون كافيًا لحرس القصر الرئاسي والجهات الأمنية، التي مهمتها الحفاظ على أمن النظام نفسه وليس على أمن الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق