تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما هي حدود السيادة الوطنية لأي سلطة؟

حين ننظر إلى الدول ذات النظام الديمقراطي، التي تقوم على مبدأ فصل السلطات وتعتمد على المؤسسات في اتخاذ القرار؛ يكون من السهل جدًا أن نفهم الآلية التي تحدد السيادة الوطنية لهذه الدولة على ترابها ومائها وأجوائها، وتحدد في الوقت نفسه شرعية هذه السلطة وقانونيتها تجاه مواطنيها؛ فالرئيس محكوم بقراراته بحزب حاكم، وبمجلس للنواب، وبحاكم مصرف مركزي مستقل، وبسلطة قضائية مستقلة، وهذا يضمن للدولة أن لا تُفرّط السلطة بالسيادة الوطنية، وأن لا تتغول على مواطنيها من خلال الاستخدام الجائر وغير النزيه للسلطة، من منطلق حزبي أو أيديولوجي، فتغيير الحزب الحاكم في البلدان الديمقراطية عبر الانتخاب لا يؤثر بشكل من الأشكال في عمل المؤسسات، لأن الموظفين والمديرين قد حصلوا على وظائفهم بناءً على كفاءتهم وليس بناءً على ولائهم للحزب أو السلطة.

ما يدعونا للبحث في هذه النقطة هو تخلي النظام السوري عن جزء من السيادة الوطنية، من خلال توقيع اتفاق أضنة عام 1998 لصالح الجانب التركي، من حيث السماح للقوات التركية بالتوغل في الأراضي السورية لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني (pkk)، الكردي – التركي، وهذا الاتفاق الذي جاء بعد وساطة إيرانية مصرية، تمّ توقيعه من دون عرضه على أي من مؤسسات الدولة سوى المؤسسة الأمنية، التي تعنى بأمن السلطة بالدرجة الأولى لا بأمن الوطن، ولَم يتم كذلك طرح الاتفاق على مجلس الشعب السوري للتوقيع عليه أو رفضه لاحقًا، فالسلطة هنا استمدت شرعيتها من ذاتها وليس من الشعب، وخوفًا على وجودها وليس خوفًا على الشعب، فالشعب في سورية ليس له رأي، لا في الحرب ولا في السلم، ولا يوجد للشعب مرجعية للاحتجاج على قرارات السلطة، كما المحكمة الأوروبية التي تقبل الشكوى بحق قرارات الحكومات الأوروبية، وكثيرًا ما تحكم لجهة إلغاء هذه القرارات، ولا يحق للحكومات الاعتداد بأنها تُمارس حقًا سياديًا.

كذلك الأمر حين فرّطت السلطة بالسيادة الوطنية، من خلال استجلاب احتلالين إيراني وروسي، فقرار إحضار المحتلين لم يتم بموافقة مجلس الشعب الذي أعضاؤه في الأصل منتدبون من طرف الأجهزة الأمنية السورية، فالذي اتخذ القرار هو شخص واحد، من أصل ثلاثة وعشرين مليون مواطن، وذلك بحجة محاربة الإرهاب، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا كانت تفعل السلطة على مدار أربعين عامًا بأكثر من 80 % من موازنتها، حين كانت تصرفها على الجيش الوطني؟ وإذا كان هذا الجيش لا يستطيع بعديده وعتاده أن يسيطر على “حالة إرهابية” داخلية، فكيف يمكن له مواجهة جيوش خارجية، وهذا الأمر يكشف فساد السلطة على مدار عقود، ونهبها للثروات بحجة تجهيز الجيش.

عودة إلى شرعية السلطة وحقها السيادي في استقدام ميليشيات قاتلة من العراق وإيران ولبنان وباكستان وأفغانستان، علاوةً على الجيش الروسي وعصابة “فاغنر” المأجورة، فهل فعلًا يحق للسلطة أن تستحضر قتلة من أجل قتل مواطنيها؟ وهل يمكن الاعتداد بشرعية السلطة التي هي في الأصل مزيفة، وهذا ما لم تناقشه جامعة الدول العربية خلال اجتماعها الأخير بخصوص الشمال السوري، حيث ناقشت الجامعة التدخل التركي، متجاهلة الاتفاق السوري – التركي الذي وقعته تلك السلطة التي منحت شرعية للمحتلين الروسي والإيراني، مما استثار الكثير من السوريين حتى المعارضين للتدخل التركي، إذ وجدوا أن جامعة الدول العربية تكيل بمكيالين، حيث تعترف بشرعية السلطة السورية في مكان، وتتجاهلها في مكان آخر، وخاصة في مسألة تجاهل الجامعة العربية للاحتلال الإيراني تحديدًا دون الروسي، وفي النهاية كان من الأفضل للجامعة عدم وضع نفسها في موقف حرج جديد أمام الشعوب العربية، علمًا بأنها لم تخرج بقرار يُبنى عليه.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق