تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الدستور السوري بين الوطنية الدستورية والشعبوية الدستورية

الوطنية الدستورية هي إقامة مسائل الولاء والشرعية والوحدة، على مبادئ المساواة والعدالة والسلم العقلانية؛ وهي مبادئ تتفق عقول السوريين عليها وتلتزم بها إرادتهم الحرة. بينما الشعبوية الدستورية هي إقامة هذه المسائل نفسها على حالات الدين والثقافة واللغة والأمة؛ وهي حالات لا اختيار للإرادة الحرة فيها، وإنما تأتي بالرضاعة، كما يقول المثل.

يُفترض بالدستور أنْ يُنصص ولاء مواطنيه، وشرعية الدولة ونظام الحكم، ووحدة البلد السياسية. وإذا ما سألنا عن ولاء السوريين؛ فإننا نجد أن ولاءهم هو للدين والطوائف والثقافة والأمة واللغة بالولادة. وهذا ولاء شعبوي، ترى الغالبية أن الدستور يجب أن يقام عليه؛ ولذلك نجد في الدستور اشتراط أنْ يكون الرئيس “عربي/ سوري”، واشتراط الإسلام كدين للرئيس، وإضافة صفة العربية إلى اسم الجمهورية، واشتراط الأحوال الشخصية، كما نجد الإعلاء من شأن القيم العسكرية والاستعداد للتضحية في الحكم الجمهوري وتقديسًا للغة العربية أيضًا. ولا نجد في الدستور ولاءً لمبادئ المساواة في الحقوق، والعدالة في رد الحقوق وتوزيع الثروة، والسلم في العلاقات بين السوريين، وطرد الحرب خارج سورية بالاختيار. ومن هنا، عند صياغة الدستور، إما أنْ تسود الشعبوية الدستورية، وإما أنْ تسود الوطنية الدستورية، وعلى الشعب السوري أن يختار بين ولائه للمبادئ والإرادة وبين ولائه للحالات والولادة.

تفترض الشعبوية الدستورية أن سورية مجتمع محلي صغير يعرف فيه السوريون بعضهم وجهًا لوجه، وهذا الافتراض نافل. كما تفترض أن العلاقات والصلات والتعاملات تتكرر دائمًا بين السوريين، وهذا غير صحيح. وكأنهم يتحدثون عن أرض مشاع وكيف ستنتفع الأكثرية منها! فما المنفعة التي تربط سوريًا بآخر؟ إن سوريًا من خربة عواد في الجنوب لا تربطه رابطة بسوري آخر من خربة الجوز في الشمال، إن لم تربطه الوطنية الدستورية. فالشعبوية الدستورية تقوض من الأساس إمكانية التعاون والتضامن وتخيل الوطنية السورية بين السوريين. إذًا، السوريون بحاجة إلى دستور يعتمد القيمة الإنسانية عند السوريين أساسًا له، ولا يشترط شروط الدين والثقافة واللغة والأمة. وهذا ما سيجعل من الولاء ولاءً لسورية الوطن وللسوريين دستوريًا.

نعم، يميل الناس إلى تفضيل الانتماءات العضوية على الانتماءات إلى المبادئ غير العضوية، وإلى تفضيل الانحيازات المسبقة على المبادئ المجردة. ولكن بهذا الميل يتغلب الشعور، بشكل مأسوي، على المنطق والعقل. والحق يقال: إن وضع السوريون لم يعد يتحمل كلفة سماحنا بتغليب الشعور على العقل. ويذكرني الوضع الحالي للسوريين بوضعهم منذ قرنٍ مضى، كيف كانوا يتبعون للحجاز أو العراق أو مصر، أما الآن فقد صاروا يتبعون لتركيا والسعودية وإيران. إنهم لا يشعرون بكيانهم السوري الذي أنتجه سايكس بيكو، ويقودهم في ذلك شعورهم بالدونية لا الندية تجاه الآخرين.

واستنادًا إلى ما تقدم؛ فإن صياغة دستور سوري يعتمد الدين والثقافة والأمة سيكون وصفة سحرية للحرب وعدم الاستقرار. بينما صياغته بناءً على مبادئ المساواة والعدالة والسلم سيكون خارطة طريق يسلكها السوريون حتى يتعافوا ويعيدوا بناء بلدهم من جديد. في الطريق الأول يكون الاختلاف والتنوع والتغاير مبعثرًا وفيه عنصرية قاتلة. في الطريق الثاني يكون التماثل والتشابه متضمنًا الاختلاف والتنوع والتغاير، في وحدة حقيقية تقبل الآخر وتتسامح معه، وبالتالي هي وصفة قابلة للبسط والإنماء، وعلى السوريين الاختيار بين الاقتتال الدائم وبين المواطنة الدائمة. وهذا فرق كبير بين المشاعر القومية والدينية من جهة، وبين المبادئ الفكرية من جهة أخرى.

في الوطنية الدستورية، سيكون ولاؤنا لسورية الوطن وللسوريين، طالما أنها تضمن لنا وضعًا يقبل به أي كائن عاقل مُنح حق الاختيار. وسيسقط ولاؤنا تجاهها تلقائيًا، إذا لم تلبِّ شروط عقلانية مبادئها. وكما قال هيوم يومًا: إن فكرة الانتماء، إلى مجتمعٍ نلتزم تجاهه تلقائيًا بواجبات والتزامات وتضحيات، تشبه فكرة البحّار الذي أُجبر على ركوب السفينة ثم قُدّم له الطعام والشراب والمأوى، مقابل عمله، دون أن يُسأل على الإطلاق هل يريد خوض الرحلة أم لا.

إن السوريين هم من يتشاركون الجغرافيا والتاريخ والثقافة بمصادفة الولادة ومن دون اختيار أولًا، وهم ثانيًا من يتشاركون في استنتاج المبادئ والقيم العقلانية والاتفاق عليها؛ فهي التي تحدد مجتمعهم العادل الذي سيتضمن بالتأكيد قيم احترام الاستقلالية الفردية، وحكم القانون، والديمقراطية وحقوق الإنسان جنبًا إلى جنب مع حقوق الأقليات. فما يجمع السوريين في المبادئ والقيم أكبر بكثير مما يجمع الشعبويين السوريين؛ لأنه جامع عقلي، لا محليّ ولا ثقافي نسبي ولا مناطقي. فلم ينتج عن الشعبوية الدستورية -تاريخيًا- إلا تساكن وتراصف النُتف السورية جنبًا إلى جنب وطنيًا؛ لأنها دائمًا تفسر الدين والثقافة والأمة تفسيرًا أنثروبولوجيًا، لا أخلاقيًا ولا مبدئيًا.

فعليًا، عاش السوريون من دون دستور طوال مئة عام. فالدولة السورية لم تُبنَ على أسس ومبادئ القومية والوطنية (حب الأمة وحب البلد) والمواطنة، كما شهدناها في غير محلٍ من العالم، لأن المجتمع الدولي، بفضل الحرب العالمية الأولى، قوّض إمكانية قيام دولة سورية بالمعنى الحديث. كما لعبت اتفاقية سايكس بيكو بالجغرافيا السورية من جهة، وألهمت مبادئ ويلسون السوريين لنيل حقهم في تقرير مصيرهم من جهة ثانية، وألهمت الثورة البلشفية السوريين أيضًا بإمكانية الانتصار على الإمبراطورية العثمانية، كما انتصر الروس على الإمبراطورية القيصرية من جهة ثالثة، واشتدت النزعة القومية عند السوريين من جهة رابعة، وسادت مشاعر الدونية التي ترافقت آنذاك للالتحاق بالحجاز أو بالعراق أو بمصر من جهة خامسة.

ومن هنا؛ على اللجنة الدستورية أن تتقدّم في الوطنية الدستورية على حساب الشعبوية الدستورية، وأنْ تتقي الله في السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق