سلايدرقضايا المجتمع

“نبع السلام”.. الدمار بأدناه ووضع إنساني مقلق

أصعب النتائج التي يمكن أن تُخلّفها الحملة العسكرية التي قامت بها القوات التركية، بالتعاون مع قوات من المعارضة السورية، هي الأزمة الإنسانية التي يمكن أن تتفاقم يومًا وراء يوم، لأن الحرب تضر بالمدنيين أكثر مما تضر بالقوات العسكرية المتحاربة، خاصة إن كانت في المدن وحولها.

خلال نحو أسبوع من انطلاق العمليات العسكرية في الشمال السوري، ضد الميليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، رصدت شبكات حقوقية سورية عمليات نزوح واسعة للمدنيين من مناطق متفرقة في منطقة شرق الفرات، فرارًا من العملية العسكرية التركية على المنطقة، وبحسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد النازحين تجاوز 250 ألف مدني نزحوا من بلداتهم ومدنهم وقراهم، باحثين عن الأمن والملجأ في أماكن أخرى في عمق المنطقة التي تسيطر عليها (قسد)، هربًا من الحرب المتوقع أن يزداد سعيرها تدريجيًا.

لكن بعض المصادر الأهلية في المنطقة قدّرت أعداد النازحين من مناطق العمليات العسكرية بنحو 200 ألف، توجه القسم الأكبر منهم إلى مدينة الحسكة، وهم الذين نزحوا من رأس العين، بينما النازحون من تل أبيض توجهوا إلى الرقة والقرى المجاورة.

وذكرت هذه المصادر لـ (جيرون) أن النازحين هم من مختلف الاثنيات التي تسكن المنطقة، من عرب وأكراد وأرمن وشيشان، وأشارت في نفس الوقت إلى أن المناطق التي تقع فيها العمليات العسكرية الأساسية هي ذات أغلبية عربية، حيث تبلغ نسبة العرب في رأس العين 60 بالمئة، وفي تل أبيض 90 بالمئة، أما القرى التي تحيط بهاتين المدينتين فمعظمها ذات غالبية كردية.

ارتفع تعداد القتلى في صفوف (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) إلى أكثر من 800 قتيل، وفق وسائل الإعلام التركية، فيما ارتفع عدد القتلى في صفوف الفصائل السورية المعارضة المدعومة من أنقرة إلى أكثر من 110 قتلى، وذكرت مصادر أن 8 جنود أتراك قُتلوا، اعترفت تركيا بمقتل 5 منهم فقط.

أما مركز المصالحة الروسي في سورية (حميميم)، الحليف الأساس للنظام السوري، فقد استغل الأمر، وقال إن الوضع الإنساني في المناطق الحدودية في شمال شرقي سورية يتفاقم، وقال رئيس المركز اللواء أليكسي باكين: “لقد تجمع أكثر من 100 ألف شخص من الذين غادروا مناطق القتال الفعلية، في مدينتي القامشلي والحسكة والبلدات القريبة منها، وتعطلت المرافق الصحية والتجارة وخدمات المواطنين”، ودعا -بطبيعة الحال- إلى ضرورة سيادة الحكومة السورية سريعًا على المنطقة، “من أجل منع حدوث كارثة إنسانية وشيكة”، وقال إن السلطات السورية وحدها هي القادرة على تنظيم إيصال المساعدات الإنسانية إلى النازحين، ومنع انهيار الخدمات الصحية والبنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية في شمال سورية.

أما مدينة تل أبيض، التي كانت الهدف الأول للحملة العسكرية التركية في شمال سورية، وتُسيطر عليها الميليشيات الكردية، فقد أُغلق فيها المشفى الذي تدعمه منظمة (أطباء بلا حدود) بسبب مغادرة معظم أفراد الطاقم الطبي مع عائلاتهم، وقد كان المشفى يلبّي كثيرًا من احتياجات الناس الطبية، وأعربت المنظمة الإنسانية عن قلقها حول مصير المدنيين في شمال شرق سورية، وقالت إن هذا التصعيد “سوف يُفاقم من الصدمات التي تكبّدها السوريون خلال أعوام من الحرب والعيش في ظروف محفوفة بالمخاطر”.

وقالت: “لقد شهدت فرقنا في تل أبيض على تحوّل البلدة التي كانت تملؤها الحياة إلى بلدة مهجورة، فبعد ثمانية أعوام من الحرب، اضطر السوريون إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم مرّة جديدة بحثًا عن الأمان”، ولم تتعرض المشفى لقذائف أو صواريخ من الجانب التركي، لكن خوف الأطباء والمسعفين دفعهم إلى الخروج من المدينة بأسرع وقت.

ووفق مصدر أهلي آخر، فإن “هناك نسبًا متفاوتة من النازحين من المناطق، وأكثر المناطق التي وقع فيها النزوح هي مدينتا رأس العين وتل أبيض، ولم تُسجّل حالات نزوح في مدينة القامشلي، وأكثر مناطق النزوح هي المناطق التي تشهد عملًا عسكريًا، ولا يُذكر أن النزوح يتجه نحو الضفة الشرقية لنهر الفرات باتجاه مدينة دير الزور”.

وكانت هذه المناطق تعتبر مناطق آمنة نسبيًا، وعدد النازحين فيها تجاوز أعداد السكان الأصليين، لكن حركة النزوح هذه -بحسب المصادر- هي مؤقتة، حيث يتوقع أن يعود المدنيون إلى المناطق التي نزحوا منها بعد عودة الأمن إليها، ليس كما حدث في المناطق السورية الأخرى حيث لم يتمكن النازحون من العودة إلى مناطقهم بعد انتهاء العمليات العسكرية.

ولجأ الهاربون من الحرب إلى مناطق أبعد وأكثر أمنًا، وسكنوا في المدارس ومباني المكاتب والمحلات ومنازل الأقارب، وازدادت احتياجات آلاف النساء والأطفال الذين يقطنون في المخيمات، واضطرت المنظمات الإنسانية إلى تعليق أنشطتها أو تقليصها.

وكان للعملية العسكرية التي استهدفت الميليشيات الكردية تأثيرات أخرى على الصعيد الإنساني من جروح وإصابات، ونزح الناس بدون مأوى أو أثاث أو قدرة لتحمل حتى مصارف الغذاء والمياه، أما عن وضع المشافي والبنى التحتية الخدمية في ظل العملية العسكرية، فقد ذكر المصدر ذاته أن هناك حاجة كبيرة للمشافي المتنقلة والأدوية والطبابة.

وبالنسبة إلى وضع الطلبة والحالة التعليمية في منطقة عملية “نبع السلام”، ففي تل أبيض والشريط الحدودي توقفت بشكل تام أثناء العملية العسكرية، وقد تم إعلان افتتاح المدارس في المناطق التي تمت السيطرة عليها وانتهاء العمل العسكري، ويُذكر أن القوات التركية وقوات الجيش الوطني المتحالف معها باتت تسيطر على 80 بالمية من تل أبيض ورأس العين حتى ساعة كتابة التقرير.

وذكرت دول أوروبية أنها قدمت عشرات الملايين من الدولارات لدعم الوضع الإنساني في شمال سورية، على إثر العملية العسكرية من خلال المنظمات الدولية، لكن برامج الإغاثة الدولية لا يمكنها تحمل هذا الطوفان من النزوح.

في منطقة رأس العين وتل أبيض ومحيطهما لا يوجد أي منظمة إغاثة تعمل حاليًا هناك، فبعد الإعلان الأميركي عن الانسحاب، تمّ نقل مراكز عمل وكوادر 22 منظمة دولية إلى مدينة أربيل في العراق، لعدم معرفة مصير المنطقة خلال الفترة القريبة القادمة، وتقوم الآن بإعادة تقييم عملها في منطقة شرق الفرات.

صحيح أن المصادر الأهلية في المنطقة تقول إن نسبة التدمير في البنى التحتية منخفضة جدًا ولا تكاد تُذكر، لكن الوضع الإنساني متدهور ومنهار أكثر من انهيار البنى التحتية، وخطورة هذا الأمر لا تقل عن خطورة الحرب والاشتباكات بحد ذاتها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق