تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لجنة الدستور السوري لا تعني حل المسألة السورية

لم يتفاجأ أحد بإعلان أسماء لجنة الدستور الذي سيُفرض على الشعب السوري من قبل القوى المسيطرة على الأرض، وبخاصة المستعمر الروسي والإيراني، اللذين اشتركوا مع الأمم المتحدة، بمباركة المايسترو الأميركي، في إعلان هذه الأسماء التي تضم 150 شخصًا، مقسّمين إلى ثلاثة أثلاث: ثلث للنظام، وثلث للمعارضة، وثلث لما تعارف على تسميته بـ “المجتمع المدني”. وذلك لأن الوضع الدولي والسوري لم يعد يحتمل التأجيل، ولكن هذا الإعلان لا يعني نهاية حل المسألة السورية التي ما زالت كثيرة التعقيد.

لن يختلف اثنان على أن إعلان اللجنة الدستورية بهذه الطريقة لن يكون في مصلحة الشعب السوري، كونها صدرت بإرادة خارجية، فهي لن تُقدّم للشعب السوري ما قاتل للحصول عليه خلال السنوات الماضية، بل جاءت مفروضة بقوة السلاح، فالنظام لم يقبل بها إلا على مضض، على الرغم من أنه سيفجرها من الداخل، حيث الأسماء التي طرحها هي أسماء اشتهرت بالتهريج في الإعلام، ولسوف تُحاول أن تُهرّج لصالح النظام في هذه اللجنة الدستورية من أجل تفشيلها من بداياتها، وتصريح وليد المعلم، بأن النظام قد توافق مع الأمم المتحدة على آلية عمل هذه اللجنة، يعني أن النظام هو من سيدير اللعبة، ليس فقط من خلال أعضائه غير الاختصاصيين، بل أيضًا من خلال بعض وجوه المعارضة، وبعض الأسماء من المجتمع المدني، النظام نظام مخاتل ومحتال، وسيحاول جهده أن يحوّل مخاتلته هذه، واحتياله هذا، إلى مكاسب له.

المراقب السياسي، خاصة المخضرم، يتذكر مفاوضات قيام “الجبهة الوطنية التقدمية”، حيث استطاع هذا النظام أن يُلهي كل القوى السياسية عبر تمديد أعمال هذه الجبهة، وأخَذ حافظ الأسد يلعب على خلافات هذه الأحزاب، ليشجع هذه الانشقاقات التي جاءت كلها لمصلحته، ليفرض نسبة الواحد والخمسين بالمئة لصالح حزب البعث، ويترك لباقي الأحزاب بكل شقوقها، تسعة وأربعين بالمئة، أي ولدت هذه الجبهة ميتة من بداياتها. ومن يعرف تركيبة الأحزاب المشاركة؛ يعرف أن من المستحيل أن تتوافق على رأي واحد، من هنا كان حزب البعث هو القائد في المجتمع والدولة بل أيضًا هذه الجبهة، وما كانت تجتمع لجنتها المركزية إلا عند المصائب التي كانت تحيق بالوطن السوري، ونضرب على ذلك مثالًا خسارته في حرب تشرين 1973 لصالح “إسرائيل”، إذ دعاها إلى الاجتماع مدعيًا مشاركتها بقرار قبول “إسرائيل” بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال هذه الحرب، مقابل قبول سورية بفصل القوات مع “إسرائيل”، الذي بقي سائدًا حتى يومنا هذا. سيلعب النظام اللعبة ذاتها، وباعتقاد كل المراقبين أن القوى الديمقراطية في حصة المعارضة والمجتمع المدني ليست قادرة على منع هذا الاحتيال، فضلًا عن أن حصة بشار الأسد ونظامه في اللجنة، هي أكبر من المعارضة، والمجتمع المدني، لأن لديه حتمًا أحصنة طروادة في هذين الثلثين، في الوقت الذي ليس للمعارضة والمجتمع المدني، أي اختراق ممكن في جانب النظام.

نأتي إلى موضوع اللجان الفرعية التي ستتشكل من أجل بحث مواضيع حل المسألة السورية، هنا سيحاول النظام أن يكون له الحصة الأكبر في هذه اللجان، وسيغرقها في نقاشات لن تنتهي، لكونه يعتقد بأنه الغالب في هذه الحرب، والقوى المطالبة بالإصلاحات هي المغلوبة، وعليها أن تخضع له، أي أن تستسلم له وتقبل بشروطه.

أما مواضيع الدستور، فهل سيكون إصلاحًا لدستور 2012، أي أن يكون دستورًا فارغًا يُثبّت سلطة الأسد وعصابته، أم سيكون دستورًا جديدًا يُلغي النظام الرئاسي الراهن، ويقود إلى نظام حكم ديمقراطي؟ الكل يعترف بأن النظام لا يريد أن يلغي دستور 2012، بل إصلاحات ترقيعية هنا أو هناك، فمن المستحيل أن يقبل بدستور جديد يُلغي كل صلاحياته، ليحل محلّه دستور المؤسسات الذي يعتمد فصل السلطات، القضائية والتنفيذية والتشريعية، حيث تتحكم في هذا الفصل اللعبة الديمقراطية.

على القوى الديمقراطية في هذه اللجنة، أن تفرض في مقدمة الدستور، التي تكون جزءًا أساسيًا من الدستور، إلغاء صفة “عربية” من “الجمهورية العربية السورية”، ليحلّ محلّها تعبير “الجمهورية السورية”، وكل المشتقات التي تنبثق عنها، وأن تعترف المقدمة بكل مكونات الشعب السوري الاثنية والعنصرية والدينية، وعلى هذه المقدمة أن تعترف بهذه المكونات، بشكل صريح ومباشر، حتى لا يستثنى أحد من مكونات الشعب السوري، بتعبير آخر: كي لا يُلغى أحد. يبقى مفهوم المواطنة هو الذي يجب أن يسود روح الدستور، لأنه يلغي كل الفوارق الدينية، والمذهبية والعنصرية، ويعترف بحقوق كل من يعيش على الأراضي السورية، ويحمل لقب مواطن سوري، دون أي تسميات قومية أو مذهبية.

ستضطر هذه القوى إلى خوض معركة كبيرة من أجل إلغاء المادتين الثالثة والرابعة، التي تؤسلم الدستور السوري، الذي حوّل الدولة السورية إلى “دولة إسلامية”، وستُهضم بذلك حقوق المكون المسيحي، الذي يصبح مواطنًا من الدرجة الثانية، إن لم نقل الثالثة أو الرابعة، وإلغاء هاتين المادتين هو مقدمة صعبة لفصل الدين عن الدولة، الذي هو مصدر أساسي لقيام دولة المواطنة، التي عمادها الديمقراطية والقوانين المدنية.

يبقى أن نختم بأننا نُعوّل على بعض القوى والأسماء المشهود لها، التي يجب على الأقل أن تنقل صوت السوريين عاليًا، إن لم تستطع أن تحقق لهم مكاسب حقيقية وكبيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق