سلايدرقضايا المجتمع

درعا.. الواقع القضائي قبل وبعد سيطرة النظام

تميّز الواقع القضائي في محافظة درعا بعد العام 2011، بالاضطراب، ولا سيّما بعد تشكيل الفصائل المعارضة، ودخول الفصائل المتطرفة إلى ساحة الصراع، وبقاء قسم من المحافظة تحت سيطرة النظام، حتى استعاد المحافظة قبل ما يزيد عن عام.

في عام 2014، كان هناك صراع بين محكمتين في مناطق المعارضة: (محكمة الكوبرا) التابعة لجبهة النصرة، و(محكمة غرز) التابعة للفصائل الأخرى، وكان مقرّها في سجن غرز المركزي، الذي سيطرت عليه فصائل المعارضة في آذار/ مارس من ذلك العام، إضافة إلى محاكم النظام في مناطق سيطرته، في مركز مدينة درعا ومدينة إزرع.

وفي نهاية عام 2014، اتفقت الفصائل، بوجود رجال دين وقانونيين، على تشكيل محكمة تضمّ كل الهيئات القضائية في مناطق المعارضة، ونتج عن ذلك (محكمة دار العدل) التي أُعلن تشكيلها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، باعتراف من جميع الفصائل، عدا (جيش خالد بن الوليد) المبايع لتنظيم (داعش) آنذاك.

في ذلك الوقت، كانت محاكم النظام ما تزال تعمل، على نطاق ضيق، في مدينة درعا وبلدة إزرع، ولم تتوقف عن العمل، على الرغم من المعارك المندلعة آنذاك بين الطرفين، وكانت تقوم بتسيير أعمال المواطنين حتى القادمين من مناطق المعارضة.

يقول أحمد عبد الله، وهو محام يقيم في درعا، لـ (جيرون): “في تلك الفترة، وقع الناس في حيرة من أمرهم؛ فمن جهة كانت المعارضة تسيطر على معظم المحافظة، وكان لا بد من اللجوء إلى (محكمة دار العدل) التي نظرت خلال 4 سنوات في ما يزيد عن 20 ألف دعوى، فُصل قسم كبير منها بأحكام مختلفة، كان منها أحكام بالإعدام على أشخاص ارتكبوا جرائم قتل جنائية، أو اتّهموا بالعمالة للنظام، وتم تنفيذ قسم كبير من هذه الأحكام بطريقة الرمي بالرصاص أمام المواطنين، وهو ما جعلها تصطبغ بصفة المحاكم الثورية، وهو مخالف للمبدأ الذي تأسست وفقه كمحكمة بديلة عن النظام، تراعي حقوق الإنسان”.

وتابع: “ومن جهة أخرى، كان معظم المواطنين يعلمون أن قرارات (محكمة دار العدل) غير معترف بها لدى محاكم النظام، التي كانت محاكم حكومية بنظر المجتمع الدولي، وغير معترف بها أمام المحاكم الإقليمية والدولية، لذلك كان العديد من المواطنين يغامرون بالذهاب إليها لإتمام إجراءات قضائية، على الرغم من معرفتهم بوجود خطر مزدوج: الخوف من الاعتقال من قبل النظام، وقد تكررت هذه الحوادث كثيرًا، والخوف من المعارضة بتهمة العمالة للنظام”.

أضاف عبد الله: “على الرغم من التحول الذي قامت به دار العدل، باعتمادها القانون العربي الموحد للقضاء، وتقسيم المحكمة حسب الهيكليات القضائية إلى محاكم جنايات وتمييز وشرعي، فإن أهم ثغرات عملها أنها لم تكن قادرة على تطبيق أحكامها على قادة الفصائل وعناصرهم، ممن ارتكبوا جرائم، في حين كانت تطبق أحكامها بشكل صارم على المدنيين، كما لم تتمكن من ضبط سجونها، وهذه كانت مآخذ كبيرة عليها من قبل المواطنين، الذين كانوا يعتقدون بعدم عدالتها، كما كانت الحال لدى محاكم النظام قبل الثورة السورية”.

في نهاية تموز/ يوليو من العام 2018، تمكن النظام من استعادة السيطرة على كامل محافظة درعا، بموجب اتفاق تسوية مع المعارضة برعاية روسية، ليتم العمل من جديد بمحاكم النظام فقط، ولتُمحى (دار العدل) مع بقاء آثار بعض من أحكامها، خاصة الإعدام، التي أصبحت وسيلة لدى النظام لإدانة أعضاء المحكمة وملاحقتهم، بعد أن اختاروا التهجير إلى الشمال السوري، حيث صدرت بحق معظمهم مذكرات اعتقال.

يقول أبو محمد عواد، موظف في القصر العدلي بدرعا، لـ (جيرون): “إن المحاكم في المحافظة عاودت العمل بشكل كامل من جديد، وفق ما كانت عليه قبل العام 2011، ولكن المواطنين ما يزالون يشعرون بالخوف حين مراجعتهم أي محكمة، لأن هناك كثيرًا من المطلوبين من أبناء المحافظة، وتم اعتقال العديد منهم عند دخولهم أو خروجهم من المحكمة، من قبل دوريات الأمن المتواجدة بشكل دائم”.

وأوضح عواد أن “هناك الكثير من ملفات الدعاوى القديمة، وخاصة في محاكم الجنايات واستئناف الجُنح، اختفت تمامًا بعد احتراق المحكمة في آذار/ مارس 2011، ولم يكن هناك أيّ نسخ احتياطية منها، عدا تلك التي كانت لدى بعض المحامين الذين كانوا وكلاء في بعض الدعاوى، وقد استعان بها القضاء، لإجراء عملية ترميم لم تتجاوز 20 بالمئة من كامل الدعاوى”.

وأشار عواد إلى أن “القضاء فقد مرونته التي كان عليها في السابق، بعد سيطرة النظام على المحافظة، فهناك توتر دائم لدى القضاة بسبب متابعة أي خطأ من الممكن أن يُرتكب من قبل الأجهزة الأمنية، التي باتت تتحكم في مفاصل القضاء حاليًا، لذلك فإن قسمًا كبيرًا من الدعاوى يتم ترحيلها إلى محاكم دمشق ليتم النظر فيها هناك، خاصة تلك المتعلقة بأعمال أو جرائم مشتبه في ارتكابها من قبل أفراد، إبّان سيطرة المعارضة على قسم من المحافظة خلال السنوات الماضية”.

وأكد عواد أن “بعض القضاة يحاولون إعادة الجهاز القضائي في المحافظة، إلى ما كان عليه قبل العام 2011، بالتعاون مع نقابة محامي المحافظة التي تم انتخابها قبل عدة أيام”، مشيرًا إلى “صعوبة كبيرة في هذه المحاولة، إذا ما استمرت الأجهزة الأمنية في التدخل في أبسط الأمور في القضاء”.

وأضاف عواد أن “معظم القضايا التي يُفصل فيها حاليًا، هي قضايا مدنية تتعلق بأمور تجارية ودعاوى شرعية وجزائية بسيطة، لا تتجاوز محاكم الصلح والبداية، في حين يتم النظر في القضايا المهمة وخاصة الجنائية أو ما يتعلق منها بـ “قضايا الإرهاب”، في محاكم دمشق”.

يذكر أن الجهاز القضائي في محافظة درعا تعرّض للعديد من الاضطرابات، خلال السنوات الماضية، ولم يتمكن أي من القضاءين التابع للنظام أو التابع للمعارضة، من الارتقاء بالقضاء في المحافظة إلى أبسط المعايير الدولية للقضاء العادل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق