مقالات الرأي

الجزيرة السورية في مهبّ المصالح الإقليمية والدولية

وأخيرًا، بدأ الاجتياح التركي لشمال شرق الفرات، والذي لا يختلف عن سابقيه في إعزاز وعفرين إلاّ بدرجة الإدانة والاستنكار، بخاصة من دول الاتحاد الأوروبي ومعظم الدول العربية، لكن ليس بذات الدرجة من الدول الثلاث الأخرى ذات النفوذ الواسع في سورية، الولايات المتحدة وروسيا وإيران، ولم يُعرف بالضبط مدى التفاهم، ولا ماهية نقاط الاختلاف، بين الولايات المتحدة وتركيا، وقد زاد التناقض في تصريحات الرئيس الأميركي ترامب، كما بين هذه التصريحات ومواقف باقي مؤسسات صناعة القرار الأميركية، من التباس الأمر.

ولم يكن الرفض الإيراني للهجوم حاسمًا، وبدا أن الروس لم يفاجَؤوا بالهجوم، فقد سارعوا إلى استغلاله من أجل طرح فكرة التفاوض من جديد بين النظام وقوات (قسد). وأمام رفض نائب وزير خارجية النظام المفاجئ للتفاوض، يبدو أن التفاوض الذي يريده النظام هو مع تركيا، برعاية روسية، وربما للوصول إلى صيغة معدّلة لاتفاقية أضنة عام 1998. في كل الأحوال، يبدو أن الهجوم التركي هو انتصار جديد لتحالف أستانة، وبخاصة للعلاقة التركية – الروسية المهيمنة فيه، وفي حال لم تحصل ضغوط أميركية جدية للحدّ من الجموح التركي، فإن النتائج ستعزز المسار السياسي الذي تعتمده روسيا وطليعته اللجنة الدستورية. ومن نتائجه أنه قد يتقرر مصير “قوات سوريا الديمقراطية”، واحتمال أن يستعيد تنظيم داعش أنشطته الإرهابية، كما عبّر الرئيس الروسي بوتين في أحد تصريحاته، يوم الجمعة الماضي، ربما لأنه عاد واستشعر أن الأمور قد تذهب بعيدًا وفي غير اتجاه.

في ما يتعلق بمواقف السوريين، وعلى الرغم من بروز بعض الأصوات العقلانية التي لا تربط التدخل التركي بتجاوزات قوى الأمر الواقع شرق الفرات، إنما كمصلحة تركية أبعد من ذلك، فإن معظم النخب السورية ما زالت تعتمد مواقف شبه غرائزية من قبيل: “ليس حبًا في علي بل نكايةً في معاوية”، وذلك في التعامل مع الأطراف والدول المنخرطة في الصراع في وعلى سورية، وعلى خلفية انتماءات ما قبل وطنية وقومية، للأسف، كاستمرار للضلال والضياع السوريين على كافة المستويات، بسبب غياب المشروع الوطني الجامع الذي يحدد ما هو الأفضل لمستقبل السوريين.

وينطلق السوري العادي في هذه الحرب المعقدة والمتحولة فصولًا من البحث عن “الأمان الغرائزي”، واللجوء إلى كنف الجهة التي تؤمن له هذه “النعمة”، أو التي يعتقد أنها ربما ستفعل ذلك، وهي الجهة الأقرب إليه ثقافةً في الأغلب، مستندًا إلى مخزونٍ من الذكريات التاريخية الحقيقية والملتبسة، هذا إن لم يكن قد لجأ، مختارًا أو مكرهًا، إلى طريق الشتات المفضي إلى ما تيسّر من أمانٍ في أماكن وبلدان مختلفة.

يأتي الاجتياح التركي الجديد لشمال سورية في مرحلةٍ حرجة من تفارق وتضارب المصالح الدولية والنزاعات المرتبطة، وما يتركه من شللٍ شبه تام في عمل مؤسسة الأمم المتحدة، وما يفضي إليه من صعوبة الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق الدولي الضروري لحلّ النزاعات المسلحة التي أعقبت تفجّر الثورات في منطقتنا.

ترافقت هذه التطورات مع بروز الأردوغانية في تركيا، كمنعطف سياسي مهم في تاريخ تركيا العلمانية الأتاتوركية، معززةً بصلاحيات رئاسية أوسع، مكنت الرئيس أردوغان من تحقيق بعض أهدافه، ومن خلال سياسته جمع التوجه الجديد بين دعامتي العثمانية المحدّثة والإسلاموية، وهما سياستان عابرتان للحدود، وتطمحان إلى محاولة استعادة الإرث العثماني محمولًا على موجة الإسلام السياسي، ممثلًا بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين على وجه الخصوص.

من أجل تحقيق هذا الهدف، وتحت يافطة حماية الأمن القومي التركي المبالغ فيه كثيرًا، استغلت تركيا الفوضى السائدة في المنطقة، ومنها سورية، وثغرات الخلاف الروسي – الأميركي، من أجل السيطرة على مناطق واسعة من الشمال السوري. لكنّ ذلك لم يوقف الشهية التركية، بل زادها وعززها، فكان الهجوم الأخير على شمال شرق سورية، بحجة إقامة منطقة آمنة لم تُعرف حدودها وطبيعة التوافقات التي تحددها بعدُ، مع العلم أنّ تركيا لم تتعرض لهجمات ذات معنى من الأراضي السورية، وبقيت علاقتها ملتبسة مع تنظيم (داعش)، ولو أنها عانت، مثل الكثير من الدول، من هجمات هذا التنظيم الإرهابي.

على العموم، تدخل تركيا الآن مرحلة زلقة في محاولاتها للتمدد الخارجي، وبما يتجاوز بكثير دورها الوظيفي المقبول عالميًا، بخاصة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، التي سئمت من محاولات استغلال موضوع اللاجئين السوريين والابتزاز ذي الصلة، فضلًا عن موضوعات الخلاف الأخرى، ومنها معارضة الاتحاد لقيام تركيا بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية القبرصية، باعتبار أن الاجتياح التركي لشمال قبرص (1974) غير معترف به من قبل جميع دول العالم تقريبًا.

مع ذلك، التوافق الروسي – الأميركي، حول حلّ سياسي سوري هو ما قد يعيد تركيا إلى الحدود الدولية ويحدّ من الطموح التركي المبالغ فيه، والذي ينجم، جزئيًا، عن تراجع الدعم الداخلي لسياسات أردوغان، حتى داخل حزب العدالة والتنمية ذاته. وحتى يحصل ذلك، إن حصل، ستستمر الدولتان الإقليميتان الأكثر نفوذًا، تركيا وإيران، في العبث في الملف السوري.

من جهة ثانية، وفي خلفية الأحداث التي أعقبت ثورات الربيع العربي، ومنها سورية، مرت على الولايات المتحدة رئاستان لم تختلفا جوهريًا بصدد التوجهات الخارجية للسياسات الأميركية في هذه المرحلة، فقد اكتفت أميركا بإدارة الصراعات عن بعد وبالوكالة، انطلاقًا من عدم الرغبة في التدخل المباشر، وذلك بعد تجربتين غير مشجعتين في العراق وأفغانستان مطلع الألفية الثالثة هذه.

لكن الولايات المتحدة لم يكن في وسعها الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تزايد الإرهاب الداعشي العابر للحدود، فشكلت التحالف الدولي ضد (داعش) بقيادتها، وبالاعتماد على القوة الكردية المنظمة لحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي طورتها لاحقًا إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كبنية أكثر اتساعًا لتضم باقي المكونات في الجزيرة، وذلك بعد فشلها في استخدام قوات معارضة سورية لقتال داعش، وكان لتركيا، على الأغلب، دور مهم في هذا الفشل.

ويبدو أن الشعب الأميركي كان قد اختار الرئيس أوباما، كـ “مثقف مسالم”، لإبعاد أميركا عن النزاعات الدولية، بينما اختار الرئيس ترامب، كـ “جابي ضرائب مسالم”، ليعوض أميركا عن خسائرها الجسيمة في الحرب على الإرهاب، والتي لم تحقق النتائج المرجوّة منها. وفي كلتا الرئاستين، تظهر البراغماتية/ النفعية بأوضح تجلياتها، ويتراجع دور القوة العظمى الأميركية ومسؤوليتها الأخلاقية على مستوى العالم إلى درجةٍ متدنية للغاية، وهذا ما أبرز وضخّم من أدوار القوى الدولية والإقليمية الأقل شأنًا، من أجل ملء الفراغ الناجم عن التردّد الأميركي.

وبالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن وجودها كان قد ارتبط، إلى حدّ كبير، بالصراع مع (داعش)، وإن لم تنجح في التجذّر أكثر في المنطقة التي تسيطر عليها، وتنال الكثير من التقبُّل الشعبي، من خلال الحدّ من نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي، وقطع صلاته العقائدية مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، فإن مستقبلها كحالة سياسية وعسكرية على المحكّ في ضوء المصلحة الأميركية المتبدلة، سواء استمر الهجوم التركي أو توقف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق