تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العملية العسكرية التركية: كل المغزى في اختيار التوقيت

بدأت القوات التركية، أمس الأربعاء 9 تشرين الأول/ أكتوبر، عملياتها العسكرية على طول خط الحدود السورية التركية. هذه العمليات بدأت بقصف تمهيدي بالطيران والمدفعية والرشاشات الثقيلة، وطالت بدايةً مواقع في مدينة تل أبيض وبلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، وفي رأس العين ومحيط القامشلي في ريف الحسكة الشمالي، وفي محيط عين العرب في ريف حلب الشمالي.

توقيت إطلاق العمليات العسكرية يحمل رمزية سياسية كبيرة، في ما يخص العلاقات التركية مع حزب العمال الكردستاني التركي، إذ يوافق يوم ترحيل النظام السوري لعبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لهذا الحزب، خارج الأراضي السورية؛ الترحيل الذي انتهى لاحقًا بعملية اعتقال أوجلان في مطار نيروبي بكينيا، ونفذها فريق استخباري تركي يوم 20 شباط/ فبراير 1999، قبل دقائق من نقله إلى هولندا من قبل السلطات اليونانية؛ ثم جُلب أوجلان إلى تركيا، حيث حوكم وحكم بالسجن حيث يقبع حتى اليوم. ويبدو أن اختيار رمزية توقيت اعتقال أوجلان، موعدًا لإطلاق العمليات العسكرية على الأراضي السورية، يستهدف إيصال رسالة واضحة ومباشرة إلى قادة حزب العمال الكردستاني التركي، تقول لهم إن مصيرهم كمصير زعيمهم.

بطبيعة الحال، ثمة رسائل أخرى مُبطنة في اختيار التوقيت. أولها أن النظام السوري، بطرده أوجلان من الأراضي السورية، كان قد رفع الغطاء عنه وجعله هدفًا مكشوفًا للأتراك، وهذا ما يتوافق مع قبول النظام السوري الحالي للعملية العسكرية التركية التي يُرجح أن يكون أكبر المستفيدين منها، على المدى البعيد، إذ ستجنبه صدامًا عسكريًا مع الميليشيا الكردية المدعومة من الغرب. ثاني هذه الرسائل المُضمرة في توقيت بدء العمليات هي الموقف الأميركي. فبعد اعتقال أوجلان، كانت وسائل إعلام أميركية قد نشرت أن ضغوطًا أميركية سياسية ودبلوماسية ساعدت الأتراك في إلقاء القبض على أوجلان في العام 1999. وهذا يتوافق مع الموقف الأميركي الحالي، تجاه الميليشيا الكردية ودورها في سورية، وخاصة بعد تغريدات الرئيس الأميركي الصريحة، حول عمل هذه الميليشيا في المشروع الأميركي في محاربة تنظيم (داعش) مقابل المال والمعدات.

وقد كان حزب العمال الكردستاني قد عقد اتفاق سلام مع الحكومة التركية في مطلع العام 2013، بعد أكثر من ثلاثة عقود من القتال بين الطرفين. الاتفاق نص على خروج مُقاتلي الحزب، المُصنف منظمةً إرهابية على قوائم خارجيات الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، بأسلحتهم إلى جبال قنديل في شمال العراق. ومن هناك بدأ عناصر حزب العمال الكردستاني التركي، المعروف باسمه المختصر PKK، بالتسلل إلى الأراضي السورية، حيث بدأ بإعادة التجمع والتنظيم تحت اسم “وحدات حماية الشعب”. عمليًا، يكون هذا الحزب قد نقل مشروعه من الأراضي التركية إلى الأراضي السورية.

على الأرض، استمرت الميليشيات الكردية في منع سكان كل من تلّ أبيض وعين عيسى، من الفرار نحو الجنوب بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا. وبالتزامن مع إطلاق العمليات العسكرية التركية على طول الحدود السورية التركية، عاشت مدينة الرقة ساعات عصيبة ليل أول أمس. إذ وقعت ثلاثة تفجيرات متعاقبة، على الأقل، سُمع دويّها في أرجاء المدينة، أعقبها إطلاق رصاص كثيف ومتواصل لساعات. وعزت وسائل تواصل اجتماعي تابعة للميليشيات الكردية ذلك إلى هجوم شنته “خلايا نائمة تابعة لتنظيم داعش، بالتزامن مع الغزو التركي لشمال شرق سورية”، وقد استهدف الهجوم المزعوم -وفق هذه الحسابات- مقرّ الأمن العام في المربع الأمني الأكثر تحصينًا في قلب الرقة، وهو مبنى إدارة المرور سابقًا.

ناشطون محليون سخروا من هذه الأخبار، ورأوا أن ما جرى تمثيلية سمجة، ومسعى يائس للاتجار بقضية محاربة تنظيم (داعش)، الذي يبدو أن هذه الميليشيا لا تملك غيره لمساومة الدول المُشغلة والداعمة من أجل استمرار دورها في سورية. وربط الناشطون بين ما اعتبروه تمثيلية ساذجة في الرقة، والتهديدات المتكررة من قبل الميليشيا الكردية بإطلاق سراح الأسرى الدواعش، في معسكرات الاعتقال التي تديرها في الحسكة، لا سيّما أن وسائل إعلامية مرتبطة بها زعمت أن (قسد) قد “سحبت جزءًا من قوات حراسة سجناء تنظيم الدولة، لمواجهة التدخل التركي المحتمل في مناطق شرق الفرات”، بحسب نص الخبر.

بموازاة ما يجري على جبهات القتال والألعاب الأمنية، ذكر ناشطون من مدينة الطبقة أن وفدًا من قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي) قد عبر مساء أمس حاجزًا قرب مدينة الطبقة في طريقهم إلى دمشق.

سكان مدينة الطبقة وريفها القريب لم ينجوا من القلق، على الرغم من بعدهم عن مناطق القتال، لكن مصدر خوفهم لا يتعلق بالمخاطر الناجمة عن العمليات العسكرية، بقدر خشيتهم من أن يؤدي الانسحاب الأميركي نحو الحدود الشرقية مع العراق، إلى تسليم منطقتهم إلى النظام السوري وحلفائه الإيرانيين.

غموض أهداف العملية العسكرية التركية، من حيث العمق الذي ستصل إليه في مرحلتها النهائية، ألقى بثقله على نقاشات أهل الرقة المدينة، وخاصة أولئك المتخوفين من عودة النظام مدعومًا بالإيرانيين، لا سيّما أنهم يعتقدون أن تركيا لن تتجاوز عمق 30 كيلومترًا التي كثر الحديث عنها في الإعلام، الأمر الذي يعني أن التوغل التركي لن يتجاوز طريق حلب الحسكة المار ببلدة عين عيسى في أحسن الأحوال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق