قضايا المجتمع

سلاح الدعاية

إن لم يكن الأميركيون من اخترع الدعاية، فإنهم على الأقل من جعل منها سلاحًا فعالًا للتحكم بالجماهير وللغزو السياسي والثقافي والاقتصادي، فالدعاية التي استخدمت بشكل مكثف ومنهجي بعد الحرب العالمية الأولى، فرضت نفسها في كل مكان، ولم  تترك مترًا مربعًا واحدًا من الجدران والواجهات واللوحات وحتى في السماء، بفضل استخدام الطائرات، فحوّلت الإنسان إلى أداة خاصة بها، لترويج الأنواع والأفكار والمنتجات.

ومهما بدت الدعاية تافهة بالنسبة لعدد كبير من الناس، إلا أنها أضحت جزءًا من حياة جميع أفراد المجتمع الإنساني، وباتت تُشكّل خطرًا لا يُستهان به، خطر قاتل في حقيقة الأمر.

إن الطريقة التي صنع بها الأميركيون الدعاية جعلتها خطيرة بطبيعتها وبأسلوب استخدامها وبانعكاساتها الناتجة عنها، وفي الحقيقة، لا تقدم الدعاية أي دليل بأن السلعة أو الفكرة هي تمثل حقًا ما يُقال عنها، ويصبح الخطر أكبر، عندما تستخدم الدعاية، وسائل أكثر تضليلًا.

لنستعرض بإيجاز الحرب الثقافية، بين الولايات المتحدة وبقية العالم في المجالات السياسية والحرب التكنولوجية، التلفاز هو أداة قوية للمثاقفة، وتستخدمه التكتلات الإعلامية في الولايات المتحدة، مدعومة في أغلب الأحيان من المسؤولين عن اللوبيات المختلفة، ومن أصحاب القرار، كل ذلك سيكون له نتائج تضر بالملكة الضرورية لاكتساب المعرفة والثقافة على المدى الطويل، وهذه الملكة هي التركيز، فالعالم لم يعد يُدْرَك ككل، بل كتسلسل إحساسات مرئية ومسموعة هاربة، إذن تافهة، تحمل بذاتها قيمًا مشابهة لها لا معنى لها. وهكذا، يبدو طالب المدرسة عاجزًا عن تركيز انتباهه لأكثر من خمس دقائق، حيث يصبح عاجزًا دماغيًا بهذه القدر الضامرة، على قراءة الأدب الجاد.

يضاف إلى ذلك ما تمتلكه الانتاجات الهوليودية الضخمة، والتي تشكل جزءًا لا يستهان به من مشروع من مشروع المثاقفة التي بدأت به الولايات المتحدة، يشهد على ذلك أسلوب التلاعب بالتاريخ العالمي وما يمكن أن يؤثر على ثقافة الأمم الأخرى. وعندما يقوم المنتجون الأمريكيون بإغراق السوق العالمي بالأفلام السينمائية والتلفازية بدءًا  من السوق المحلية، بهذا يحاولون خنق المنتجين الآخرين والأعمال الوطنية علنًا، مبعدين المضمون الثقافي التقليدي وإحلاله بمضمون الإيديولوجية الأمريكية تدريجيًا.

لقد جرت دراسة بذكاء، أُجريت مؤخرًا، حول الآلية التي تقوم بها معظم الأعمال الأمريكية في مجال الصور المتحركة، وقد تبين أن مبدأها الأساسي، هو عملية استعادة قانون أرسطو، حول تهذيب النفس ولكن بصورة بدائية. وَتُوَلِّد أعمال العنف والتأثيرات الخاصة والإيقاع الجامح، شعورًا مزيلًا للقلق. قادرًا على أن يجد حلًا للتوترات الميتافيزيقية التي تتجاوز الجمهور، الذي هو بالأصل أمريكي “لكنه ليس فقط أمريكيًا”، وقدراته على الإمساك بثقافته، وقد تراجعت شيئًا فشيئًا، ويفقد إدارته أكثر فأكثر لهويته بانتمائه على عتبات بدائية وغريزية لحقيقته النفسية.

وهنا نستطيع أن نفهم أهمية هذه الوسائل عند قراء تعريفها: إذ تشكل مجموعة بالأفعال، التي يتبادل الكائن البشري، من خلالها، ومع أبناء جنسه، الأنباء والمشاعر والأحاسيس والانفعالات والأفكار والمعتقدات والطقوس… الخ.

إذن نستطيع أن ندرك بسهولة كم أن السيطرة الإقطاعية، التي أُنْجزت عمليًا على هذه الدوائر بواسطة قواعد السوق والتبادل التجاري، باتت تشكل اليوم انفصالًا قاتلًا في تطور الحضارة الدولية أو العالمية، كما عهدناها حتى يومنا هذا. ونلاحظ أخيرًا بأن الإمساك باحتكار هذا المجال، يعرض الحرية البشرية للخطر في أعز ما تملك.

ضمن هذا الإطار، نقول إنه قد أُنجزت خطوة لا عودة عنها في الاتجاه السيء، من قبل القوى المهيمنة، ومن بعض المجموعات الصناعية والمالية والتجارية الكبرى في العالم، وكذلك بسبب المناورات التي بدأت منذ عشرات السنين، والتي شملت عمليات ضم وانضمام وتفاهم بين مجموعات تسيطر على وسائل الإعلام ضمن مجموعات إعلامية كبرى، ومواد عالية التقنية ومنتجات من كل صنف، وأصبحت هذه المجموعات تحت سيطرة فئات لا يعادل قوتها المالية أي شيء في العالم، مع تقلص واضح في عددها وانخفاض في عدد الأيادي التي يمكن أن تحركها. وعملت هذه الفئات على بسط نفوذها بشكل واسع على الصعيد الكوني.

وهكذا، فقد بدأت المناورات التي هدفت إلى فرض إيديولوجيتها، ثم احتكار وسائل النشر والإعلام، وبشكل جدي، منذ نهاية الصراع العالمي الأخير. ولقد فهمت الولايات المتحدة، منذ البداية، بأن الفوز بالعقول البشرية، يمر بإلغاء هوية الآخرين، وهو ما يسمى بالمثاقفة وإحلالها بهوية جماعية قيمة بنظرهم، والتي هي هويتهم بالطبع، ولكي يصبح العالم أمريكيًا، يجب أولًا أن تقنع الآخرين بتفوق النموذج الأمريكي، على ما سواه، بعد ذلك، يتم البحث عن شن حملات هجومية ضد كلل ما يمكن أن يشكل تهديدًا له. وبمساعدة أصحاب المصالح الاقتصادية وأصحاب الثروات العالمية، استطاع الأمريكيون الهجوم على أساسين لهوية الشعوب: الإرث الجماعي، ثم الأداة الثقافية والعاطفية التي تنتج للفرد إمكانية التفكير والحكم واتخاذ القرار.

إن الإرث الجماعي لكل شعب، هو لغته وتاريخه ونبوغه ومكتسباته الفنية والأدبية والعلمية والثقافية وتقاليده أيضًا التي تشتمل على نظام القيم لأية مجموعة بشرية، والذي يتضمن سماته الثقافية وعاداته وتقاليده وتراثه الحضاري. والأداة تتكون من تصوراته التحليلية والاستنتاجية والجمالية وحساسيته وتفهمه التي تقوده إلى فهم شامل للعالم، وإلى التطبيق العملي لتفكيره وقراره، أي في نهاية المطاف، إلى اختيار اتجاهاته لممارسة أفعاله. وعند تزوير إدراك شعب ما لإرثه بإبعاد هذه الإرث شيئًا فشيئًا، وبإبداله بإرث مختلف، عن طريق صناعة عادات وهيكليات تفسيرية، نابعة عن مصدر إيديولوجي غريب نكون بهذه الطريقة، قد قمنا باستلاب روح هذا الشعب وتحويله إلى قطيع.

وضمن هذا الإطار لهذه الهجمة الليبرالية على الصعيد الكوني، تهدف قوى الهيمنة إلى جعل التقاليد والتذوق والرغبات ذات نمط واحد، وإلى تحديد العادات والظواهر وإلى القصور الروحي وإلى التطور التبسيطي الدولي؟ الهدف الأخير من وراء ذلك هو تقسيم العالم والبشرية إلى كتلتين متواجهتين: الأولى وفيرة العدد، مؤلفة من الزبائن “المشترين والمستهلكين ودافعي الضرائب”، اللذين يساهمون بأعمالهم بزيادة ثروات الطبقات المالكة، وبدفع مسيرة المعمورة، والثانية، قليلة العدد، مؤلفة من الباعة “صناعيين وتجار وممولين ووسطاء تجارة” الذين يساهمون بشكل ضعيف بمسيرة تجمع ما، والذين غير منسيين بشكل أو بآخر بهذا التجمع، فهم يكتفون بتقويم السوق التجاري من أجل ثرواتهم، لأنه باستثمار مكاسبهم الضخمة يساهمون بخدمة مضاعفة الأرباح لصالحهم بشكل شبه كامل. إن هذا التصدير الشكلي حتمًا، يتيح لنا قراءة فظة، ولكن منسجمة مع الواقع المعاصر.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق