مقالات الرأي

إيران أمام فقدان العراق؟

في أوج أزمتها السياسية والاقتصادية التي فرضتها ورسمت معالمها الولايات المتحدة الأميركية، كان على إيران أن تواجه، أو بالأحرى أن تُفاجأ، في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، بأول حراك شعبي عفوي في العراق، لا ينتمي إلى أيّ من القوى السياسية المعروفة، يندد بها وبرجالها الذين ينفذون سياساتها ويكفلون لها استمرار وجودها، منذ أن قدمته الولايات المتحدة إليها على طبق من ذهب، بعد أن قامت فيه بتفكيك الدولة والجيش، وحاولت في الوقت نفسه القضاء على تاريخه وتراثه، على أيدي عملاء لم يكن أحد يشك في أنهم كانوا يعملون لحسابها.

حراك ثوري لم يكن يطالب بالخبز بل باستعادة البلد، وإن كان القائمون به ممن يعانون نتائج فساد معظم رجال الحكم الذين تعاقبوا على الإمساك بالسلطة في العراق. لم يكن يطالب بمجرد إسقاط الحكومة، بل بإسقاط النظام القائم حكومة وبرلمانًا، وبالخلاص من الاحتلالين: الأميركي، وبوجه خاص الإيراني. رفض شباب الحراك ومن التحق بهم من النساء والرجال من كل الأعمار، في مختلف المدن العراقية، أي محاولة لاستيعابهم، أو لتبنيهم، أو لاسترضائهم بوعود خلبية. وعلى ما بدا من عفوية حراكهم، كانوا على وعي كامل بما يطالبون به وبما يسعون إلى تحقيقه: الخلاص من دولة الفساد والفاسدين، ومن أسيادهما في طهران خصوصًا، وفي واشنطن أيضًا.

لذلك كانت الاستجابة الرسمية منتظرة ومتوقعة: عنف بلا حدود، يذكرنا بالعنف وبالخطاب الذي واجه بهما النظام الأسدي الحراك الثوري السوري عام 2011، كاشفًا لنا، في الوقت نفسه، عن منظميه الحقيقيين جميعًا: استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين السلميين؛ ودسّ عملاء مأجورين من قناصة وقتلة لارتكاب جرائم من أجل اتهام المتظاهرين بها لوصم حراكهم بالمفردات المعتادة: حراك ترعاه أميركا أو “إسرائيل”، أو مؤامرة ينفذها الصداميون، أو داعشيون، دون نسيان صيغ اتهامات مستعارة من قرون خلت. كما أن الاستجابة شملت في الوقت نفسه قمع أصوات الصحف والوسائل الإعلامية السمعية البصرية، من خلال اقتحام مقار وكالات الأنباء العربية والعالمية والاعتداء على مراسليها، وتحطيم معداتها واعتقال مراسليها من العراقيين، أو ملاحقتهم، لمنعهم من نقل أي خبر عن الحراك، أو عن طرق معالجته التي لجأت إليها قوى الأمن باسم الحكومة.

بدا ردُّ فعل الحكومة هشّا وقاصرًا عن إدراك معنى الحراك الحقيقي ودلالاته، كما تجلى في خطاب رئيس الوزراء العراقي الذي بُثَّ بعد منتصف الليل! وبقدر ما كان ردُّ فعل المرجعيّة الشيعية وسطيًّا، بدا عاجزًا، هو الآخر، عن فهم ما كان يجري بالفعل، وتجلى ذلك في تصريح الناطق باسمها، أحمد الصافي، الذي دعا الحكومة إلى تحسين الخدمات العامة، وإيجاد فرص العمل، والابتعاد عن المحسوبيات في الإدارة العامة، وإنهاء البتِّ في ملفات الفساد، بينما كان مركز القرار الإيراني، بفضل عملائه ومندوبيه المحليين في الدولة العراقية، سريعًا في إدراك مرامي الحراك الحقيقية، وهو ما حمله على الاستجابة بقمع غير مسبوق، نتج عنه في أيام معدودات مقتل ما ينيف عن مئة متظاهر، وجرح أكثر من ستة آلاف، بحسب إحصاءات وزارة الداخلية العراقية نفسها.

لم يكن متوقعًا أن يتهاون ملالي طهران في الرد على هذا الحراك الذي يندد بهم وبهيمنتهم، أو أن يسمحوا بامتداده وباستفحاله. ذلك أن تحرر العراق من هيمنتهم يعني بكل بساطة تدهور مشروع إيران كله ثمّ سقوطه: في العراق بدءًا، وفي سورية وفي لبنان لاحقًا، ثم انتهاءً باليمن. لهذا كان العنف غير المحدود في مواجهة هذا الحراك على قدر الخطر الذي انطوى عليه. وليس من المتوقع في حالة كهذه أيَّ سلوك سياسي عقلاني من قبل مَنْ كانوا يرَون هذا الخطر ماثلًا أمام أعينهم، وللمرة الأولى، كما هو واضح، منذ احتلالهم العراق ومراكز القرار السياسي فيه. ذلك أن المتظاهرين كانوا يَبدون أكثر إصرارًا على متابعة الحراك حتى إسقاط النظام. وقد نقلت صحيفة (اللوموند) الفرنسية عن أحدهم قوله: “سوف نستمر حتى سقوط النظام. لقد مضى خمسة عشر عامًا، ونحن نسمع الوعود ذاتها. لهذا سوف نتابع، فإما أن نموت، أو أن نغيّر النظام”.

لا يبدو حتى الآن أن هناك أي قوة سياسية في الميدان قادرة على الاستثمار في هذا الحراك الثوري. ولا يبدو كذلك أن أصحاب هذا الحراك سوف يستسلمون لمعسول المواقف التي يمكن لهذه القوة أو تلك أن تعبر عنها. فقد سبق لمقتدى الصدر أن استغل حركة الاحتجاج التي انطلقت عام 2016، من أجل تقديم نفسه بوصفه رائد الإصلاحات والبطل الوطني غير الطائفي في مواجهة الفصائل الشيعية المتعاونة مع إيران، وهو ما سمح له آنئذ أن يحقق فوزًا قويًّا في الانتخابات النيابية الأخيرة، فارضًا نفسه فيها كقوة رئيسة.

قد يقود العنف إلى عنف مقابل، لكنه لن يحسم الأمر، مهما بلغ الإفراط في استخدامه كوسيلة وحيدة لقمع الحراك والقضاء عليه. فإما أن تندلع حرب أهلية جديدة لا تبقي ولا تذر، أو  تكون حرب كرٍّ وفرٍّ، كما يبدو، من مدينة إلى مدينة، بين شباب يريدون عبر حراكهم استعادة عراقهم متحرِّرًا لا من المحتل الأميركي والإيراني فحسب، بل من كل ما أتيا به أيضًا من فساد وعمالة وخراب، وبين دولة الملالي التي تحاول، عبر عملائها المبثوثين في العراق ومراكز القرار فيه، تحقيق أحلامها الإمبراطورية! لكنها، رغم كل المظاهر الخادعة، وكما برهنت ثوابت التاريخ والجغرافيا، ليست أكثر من أضغاث أحلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق