تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تل أبيض مُجددًا: مفتاح للعودة؟

أفاد ناشطون محليون أن حواجز أمنية تابعة لميليشيا (وحدات حماية الشعب) الكردية، التي تُسيطر على منطقة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي منذ صيف العام 2015، قد منعت مدنيين عربًا في مدينة تل أبيض وبلدة رأس العين من المغادرة، في وقت نقل فيه أمنيون وعسكريون وتُجار أكراد أُسرهم إلى بلدة عين العرب، على إثر سحب الأميركيين قوة لهم كانت تُرابط داخل مدينة تل أبيض.

تأتي هذه الممارسات، في ظل تزايد المؤشرات على عملية عسكرية تركية على طول الشريط الحدودي، بين مدينتي تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي.

وقد حاولت أُسر عربية الخروج من تل أبيض وبعض القرى القريبة منها، خشية تحولها الوشيك إلى ساحة حرب، بحسب ما تُشير الدلائل على الأرض، وبعدوى الخوف الذي شاع في المنطقة بعد سحب قادة وتجار أكراد أسرهم من المدينة التي كانوا يُسيطرون عليها برعاية من التحالف الدولي، وخاصة بعد تواتر أنباء، لم تتأكد تفاصيلها حتى الآن، عن انشقاقات حدثت في ميليشيا (قسد) في تل أبيض على أساس قومي. إذ ذكرت صفحات محلية على وسائل التواصل الاجتماعي خبرًا عن انشقاق 45 عنصرًا، واختبائهم في بيوت مواطنين بتل أبيض والقرى القريبة.

عملية منع الأُسر العربية من مغادرة ما يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى ساحة حرب، فسّرها الناشطون بوصفها محاولة من الميليشيا الكردية لاتخاذها دريئة ودرعًا بشرية أمام الهجوم التركي المحتمل، لا سيّما مع احتمال مشاركة قوة من أبناء المنطقة الذين سبق للميليشيا الكردية تهجريهم منها، في القتال إلى جانب القوات التركية. إذ سيجد هؤلاء المقاتلون أنفسهم أمام مأزق نفسي وأخلاقي، فوجود هذه الأُسر في منطقة القتال سيحد من فاعليتهم، وربما يجعلهم يستنكفون عن القتال، ما دامت أسرهم وأقرباؤهم على الجانب الثاني من خطوط القتال.

أخبار الانسحاب المؤكد لأكراد من تل أبيض كما أخبار الانشقاقات، إن صحت، تُشكل مؤشرًا مهمًا إلى مسألتين يُحتمل أن تتوضحا أكثر خلال الساعات القليلة القادمة: المسألة الأولى هي اقتصار المعركة العسكرية -إن حدثت- على مناطق محدودة، ليست عين العرب ضمنها، ما دامت الأُسر المُنسحبة قد توجهت إلى هذه البلدة. والثانية هي احتمال تداعي الهيكل البشري لـ (قسد) حال حدوث أعمال عسكرية فعلية، نظرًا لأن معظم العرب المُجندين في هذه الميليشيا هم أشبه بالمختطفين الذي يؤدون خدمة مفروضة عليهم، فيما اضطر جزء منهم إلى ذلك بفعل الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي مرت بها المنطقة، سواء أثناء سيطرة تنظيم (داعش) عليها أو بعد السيطرة المركبة للتحالف والأكراد عليها.

وكانت الميليشيا الكردية قد ركزت عمليات اعتقال الشبان، بغية تجنيدهم في صفوفها، بمنطقة تل أبيض المحاذية للحدود مع تركيا منذ سيطرتها عليها في حزيران/ يونيو 2015، ولهذا فإن احتمالات الانشقاق ستتزايد مع تزايد احتمالات المواجهة العسكرية وقرب الخلاص من القضبة الأمنية لوحدات حماية الشعب الكردية على المنطقة.

في السياق ذاته، نقل ناشطون محليون أخبارًا عن اشتباك محدود بين عناصر حاجز أمني، في قرية حزيمة الواقعة على بعد 35 كم إلى الشمال من الرقة، وعلى الطريق الواصل بين الرقة جنوبًا وتل أبيض وعين عيسى شمالًا. الاشتباك كما نقل هؤلاء الناشطون جاء على خلفية قومية، بين عناصر عرب وآخرين أكراد، دون أن تتوضح ملابساته أو نتائجه.

سكان ريف الرقة الشمالي، وعموم سكان الرقة، منقسمون كالعادة، حول احتمالات حدوث تدخل عسكري تركي في منطقة تل أبيض إلى ثلاثة أجزاء، لكل منها حساباته وأسبابه. القسم الأعظم من السكان يخشى حدوث حرب جدية، بعد ما خبر من قتل وتهجير وتدمير خلال السنوات السابقة، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية. فيما تخشى أقلية ضئيلة على مصالح شخصية، نمت بسرعة وقوة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بالشراكة مع الميليشيا الكردية، وهؤلاء هم مَن انخرطوا في مشروع هذه الميليشيا على الصعيد الإداري أو السياسي أو الأمني والعسكري. أما القسم الثالث فهو ذاك الذي يميل إلى الترحيب بعملية عسكرية تركية ضد الميليشيا الكردية، لأسباب سياسية وقومية دون مواربة. وهؤلاء بمعظمهم هم ضحايا المشروع الكردي في الجزيرة السورية، مِمَن هُجروا من بيوتهم وأراضيهم إبان سيطرة (داعش) على المنطقة، وهؤلاء منحازون إلى الثورة عمومًا، ويتحينون فرصة العودة، أو مِمَنْ هجرتهم الميليشيا الكردية وجرفت بيوتهم واستولت على أراضيهم، وأسكنت فيها لاحقًا عناصرها من الأتراك والعراقيين خلال وبعد الحملة العسكرية على تنظيم (داعش)، سواء بسبب انتسابهم إلى (داعش) فعلًا، أو لاتهامهم بذلك لدفعهم إلى النزوح. ومعظم هؤلاء الأخيرين موجودون اليوم في تركيا.

في الأحوال كافة، تبدو البنية الداخلية للمنطقة مفتوحة على احتمالات عديدة، بفعل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، لكن أيضًا بفعل الضعف الذي أحدثه تنظيم (داعش) في هيكلها الاجتماعي، الأمر الذي يبدو وكأنه سيستمر طويلًا، وسيخلف مشكلات كبيرة في المستقبل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق