سلايدرقضايا المجتمع

المعتقلة القاصر في سجون النظام تنجو من الإعدام الميداني

لم أقتل أحدًا حين كنت صغيرة، لكنهم قتلوا طفولتي، لقد ترك النظام السوري صرختي خلف القضبان تُزلزل الأرض، بعد اعتقالي في الثامن من شباط/ فبراير عام 2015، كنت أنا –يمان سعيد– البالغة من العمر خمسة عشر عامًا، ما زلت تفاحة نضرة، لكنهم جعلوا العفن يتسلل إليها.

في ذاك الصباح، كنتُ ووالدتي في الطريق إلى مشفى ابن النفيس في دمشق، تتبعتنا سيارة الأمن التابع للنظام السوري بعد خروجنا من منطقة برزة، فجأة اقترب شاب من عناصر النظام، وأنزلنا من باص النقل العام، ثم أخذنا في سيارة إلى فرع يدعى القيمرية، وضعوا عصابة على أعيننا، وحين وصلنا جرّونا إلى (نظارة) تحت الأرض، ثم نقلونا إلى غرفة التحقيق، وفي طريقنا إلى التحقيق أنزلوا رؤوسنا إلى الأرض، كان صوت الرصاص هو الصوت الذي ميّز المكان، أتوقع أنهم كانوا يعدمون شبانًا إعدامًا ميدانيًا، كانت أصوات الشباب تتوسل (ما دخلني، ما سمعت شي)، تسلل الرعب إلى قلبي، لكن ما جعلني أطمئن هو وجود أمي إلى جانبي.

دخلنا إلى غرفة التحقيق، أخبرت المحقق أني مُطلّقة من زوجي، الذي كان في الجيش الحر حتى أحمي نفسي، بعد التحقيق، في الساعة الثامنة مساءً، نُقلنا أنا وأمي إلى فرع المخابرات الجوية، حيث قاموا بنقل كل واحدة على حدة، كي لا نعرف مكان بعضنا، ثم وضعوا كل واحدة منا في زنزانة منفردة.

كان صوت الباب في تلك المنفردة يجعلني أنكمش على نفسي، فقد كانت فكرة الاغتصاب لا تهجر عقلي، كان التعذيب المعنوي يُمارس عليّ، وسط الصمت يضربون على الأبواب فجأة، فترتطم روحي بشلالات الرعب، كنت أُمنع من الخروج إلى دورة المياه إلا مرة واحدة في وقتٍ يختارونه هم لا أنا، أحاول أن أسألهم عن أمي فلا يجيبني أحد، فأبقى قابعة خلف تنهيدة متعبة وأنتظر الفرج.

بعد ثمانية أيام في المنفردة، نقلوني إلى زنزانة جماعية صغيرة فيها حوالي 24 معتقلة، واجتمعتُ بأمي، دخلت فوجدتها أمامي اقتربت منها، دون أن أتلفظ ببنت شفة، حضنتها وبكيت كأني طفلة العامين أخاف أن أفقدها من جديد، بعد نحو شهر خرجت أمي، وشعرت في تلك اللحظة بأني ارتطمت بجميع كواكب السماء واحترقت وسط وحدتي من جديد.

في 4 نيسان/ أبريل من العام نفسه، نقلوني إلى زنزانة أخرى، لم أشعر بوحشة الزنزانة الجديدة، فصمتي رافقني سبعة أشهر منذ اعتقالي، كل المعتقلات كنّ يسألن العناصر عن وضعهن، متى سيخرجن، وأبقى أنا في زاوية الزنزانة صامتة، حتى خرجت عن صمتي يومًا، وسألتُ المقدّم الذي يحقق معي عن وضعي، استغرب من وجودي في المكان، فلشدة صمتي لم ينتبه إلى وجودي كل تلك الأيام في المعتقل، لكن خروجي عن صمتي لم يغير حالي، وعدت لخانة الرقم المنسي في ذاك المكان المظلم.

كنت أواسي نفسي حين أشاهد المعتقلات اللاتي تركن أولادهن، فلم أنس حتى اليوم تلك المعتقلة التي كانت تحاول الانتحار، بعد أن سلبوها طفلها الذي لم يتجاوز عمره أشهرًا عدة، حاولت أن تقطع وريدها بزجاجة كسرتها، منعناها وحاولنا مواساتها، لكن كان بكاؤنا هو العزاء الوحيد لنا ولها، لقد أحرقت أمومتها قلوبنا، بعد أن عجزت حروف العربية الثمانية والعشرين عن مواساتها، وكانت الدموع هي الشيء الوحيد القادر على غسل القهر داخلنا.

ذات يوم، وبالتحديد في نهاية آذار/ مارس 2016، كنت مستلقية على ظهري، فدخل عنصر إلى الزنزانة وناداني برقمي، ففي الأفرع لا اسم لنا سوى الأرقام، شعرت بالرعب ولم يكن أمامي إلا الخروج معه بخطى متثاقلة، فهذه المرة ككل مرة لا أعرف إلى أين الوجهة، ربما كنت سأنتقل إلى زنزانة أخرى.

أخبرني بعد خروجي أنه تمّ إطلاق سراحي، وطلب مني الدخول إلى الزنزانة لآخذ أغراضي، لم أصدق ما سمعت أذني، دخلت إلى الزنزانة وأخبرت صديقاتي اللواتي كنّ معي، أنه تم إطلاق سراحي، امتزجت في تلك اللحظة دموع فرحنا وحزننا معًا، فقد اعتدتُ وجودهن معي، جمعتنا تلك الزنزانة على ألم واحد، وأفقدتنا إنسانية واحدة، ساعدوني في لبس ملابسي من شدة فرحهن بخروجي، ودّعتهن وتركتهن يواجهن قدرهن، لكن صوت قهري لم يرضَ أن يتركهن.

في طريقي إلى بوابة الفرع، التقيت معتقلات كنّ يوزعن الطعام علينا في الزنزانات، كان يطلق عليهن “فتيات السخرة”، كنّ صديقاتي في الاعتقال، فلكم تقاسمنا الأوجاع معًا، حاولت أن أناديهن لأودعدهن، لكن لم يكن من الممكن أن يقتربن مني، ومن بعيد احتضنت دموعي دموعهن، ورأيت في أعينهن ذاك الحب الذي لم أجده خارج سياج المعتقل.

كنت أسمع من المعتقلات اللواتي اعتُقلن مرة ثانية، أنه في حال أُطلق سراحي ينبغي علي أن أخرج من باب الفرع، وأركض أركض ولا ألتفت إلى الخلف، وكانت تلك الصورة تراود مخيلتي في تلك اللحظة، لكني فوجئت بأن عناصر النظام وضعوني في سيارة مع معتقلة أخرى، تأكدت حينها أني سأذهب إلى التعذيب أو الاغتصاب أو إلى أي شيء آخر ما عدا الحرية، انعطفت بنا السيارة باتجاه حاجز، ثم توقفت ونزل العناصر الذين كانوا معنا، سألت سائق السيارة عن المكان وعن وجهتنا، فأخبرني أننا في فرع الحرس الجمهوري، وأنني سأخرج في صفقة مصالحة، وعاد الصمت إلى السيارة من جديد.

حقق معي في ذاك الفرع ضابط برتبة عالية، استغرب من عمري، فقد كان مسجلًا في إضبارتي مواليد 1989 بدلًا من مواليد 1998، وكانت تهمتي تهريب عبوات ناسفة من برزة إلى الشمال السوري، والتعامل مع “هيئة تحرير الشام”، في تلك اللحظة فقط عرفت حجم الكذبة التي لُفقت لي، بدءًا من تجريدي من طفولتي، وصولًا إلى جرائم لم أسمع عنها قبل دخولي إلى المعتقل، وكانت تلك الساعات نهاية رحلتي مع المعتقل، لأخرج بعدها إلى بيت أهلي وزوجي، وأعود إلى حياتي الجديدة التي لم تُنسني طعم الاعتقال، ولن تنسيني إياه طوال عمري.

أنجبت بعد عامين من خروجي طفلي أحمد، خرجت من سورية إلى تركيا تاركة آلام المعتقل في خزانة ملابسي في منزلي، في أحد أحياء برزة، لكني لم أستطع أن أترك ذكرياتي مع المعتقلات اللواتي رافقنني في رحلة الاعتقال، فسبب اعتقالنا -كنساء سوريات- فقط أننا حملونا وزر النوايا في وطن.

_____

هامش: وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 81652 حالة اعتقال قسري في سورية، من آذار/ مارس عام 2011 حتى آب/ أغسطس 2018، بينهم 4837 امرأة، منع النظام السوري 99.9% من المعتقلات، من الاتصال بمحام أو بذويهم، وتُعتقل معظم الإناث في سورية من دون جريمة واضحة ومن دون أن يكون لها علاقة بالعمل الإغاثي أو العسكري أو السياسي المعارض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق