أدب وفنون

آخر رمّانات العالم: رواية الأمل الأسود

ما يدمّرنا نحن الثوريين هو أنّ للرواية قدرتها المرعبة على فضح جرائمنا وآلامنا. إنّ ما ردّده ألبار كامي، في كتابه (الإنسان المتمرّد) بالقول: “هناك في الظاهر المتمردون الذي يريدون أن يموتوا، وأولئك الذي يريدون أن يُميتوا، ولكنهم هم هم، محترقين بنار الرغبة في الحياة الحقّة، محرومين من الكينونة، مفضلين حينئذ الجور المعمم على عدالة مشوهة”، هو ما يمكن أن نجد له تسريدًا عنيفًا وحادًّا، في رواية (آخر رمانات العالم) للكردي بختيار علي.

تدور أحداث الرواية في مكان مّا في كردستان: مكان مبهم من حيث تحديده بشكل واقعي صارم، وتنتمي إلى زمن ما ينتمي بدوره -أيضًا- إلى حالة غضبية، ربما يتنزل في سياق الانتفاضة أو الثورة الكردية. وبعامة، إنه زمن يكشف عن انتصار شريحة من الثوار. ليس مهمًا أن نسائل بختيار علي عن سبب هذا الإبهام، بقدر ما يجب أن نكشف عن حياة هؤلاء الذين ثاروا، كيف عاشوا حياتهم الخاصة في أزمنة النضال، وما هي ضريبة انتصارهم..

يصرخ بطل الرّواية بالقول: “كنتُ منقطعًا عن العالم في مكانٍ ينسى الله فيه الإنسان”. إنّه هذا السجين مظفّري صبحدم الذي أمضى أكثر من عشرين سنة في سجن صحراوي، لم يرَ بشريًّا هناك ولا كائنًا حيًّا.. وكان يوشوش للرّمل والآفاق المفتوحة دون اتجاهات، لم يكن يعرف أنّ رفاقه سينتصرون يومًا، وأنّ رفيقه يعقوبي صنوبر سيخرجه من هناك. ذاك الذي كان يستأنس بالنساء العابرات، وهو يقاتل في الجبال.

تبدأ اللعنة في هذه الرواية، منذ تلك اللحظة التي صنع فيها رجل عجوز ثلاث رمّانات زجاجية، بعدما فقد أبناءه في الحرب، قال مخاطبًا يعقوبي صنوبر: “خذ، أمسك هذه الرمانات، أيها القائد، فليكن هناك شيء يربطنا جميعًا بعضنا ببعض، فليكن هناك شيء يربط أبنائي بأولئك الأطفال الذين يولدون الآن”.

خرج مظفري صبحدم من السجن مسكونًا بهاجس البحث عن ابنه سرياس صبحدم، وحين سأل رفيقه فضّل الصمت، ثمّ امتنع عن الإجابة، ومن ثمّ أخبره بضياعه أو موته. كان بدوره مسكونًا بجمرة اللغز التي أصبحت أوسع من ثقب حنجرته. ولكن المدهش في أوّل الأحداث هو اكتشافنا لفاجعة مروّعة فعلًا: لماذا عمد يعقوبي صنوبر، بعد انتصاره معيّة الثوريين، إلى شطب اسم رفيقه السجين من كافّة السجلات المدنية؟ إنّ مظفّري صبحدم الذي تحرّر الآن ما هو إلا رجل ميّت، لا اسم ولا هويّة له، شخص كأنّه لم يكن في هذا الوجود، ولا نعرف هل سيتقدّم في البحث عن ابنه أم سيرتدّ للبحث عن ذاته اللغويّة المشطوبة من الوجود، ولكنّنا بتنا على يقين مرّ بأنّ الثورات تنتج مقاتلين ومناضلين، فرغت أرواحهم من الحسّ الإنساني.

أوغل بختيار عليّ في تعقيد خرافة الرّواية وأحداثها، وربّما تطرّف بشكل عظيم في تنزيلها ضمن أفق الواقعية السّحرية، فلعنة الرمّانات الثلاث تحوّلت أيضًا إلى لعبة أرقام، إذ نكتشف فيما بعد أنّه ثمّة عهد قديم دفنته إحدى الشخصيات تحت شجرة رمّان سمّيت بآخر رمّانات العالم، ونكتشف أيضًا عهدًا آخر، بين لاولاوي سبي وأختها شادرياي سبي، تمثّل في رفضهما الزواج مطلقًا، ونكتشف في المقابل عهدًا ثالثًا، بين الفتاتين وسرياس الفتى اللغز لهذه الرواية. تتواصل لعبة الرقم ثلاثة، مع كلّ خطوة يتقدم فيها مظفّري صبحدم باحثًا عن ابنه، وهنا تبدأ الصدمات تباعًا؛ إذ ليس ثمّة سرياس واحد، بل ثمّة ثلاثة يحملون نفس الاسم واللقب، الأوّل بائع يجوب الأسواق بعربته الوحيدة، مات مقتولًا في معركة ضدّ رجال الأمن، والثاني مقاتل حمل السلاح وانتهى به الأمر إلى السجن، والثالث شخص مشوّه بسبب انفجار قنبلة. فمن من هؤلاء سيكون ابن ذلك الرّجل الذي احترق قلبه؟ إنّ مأساة مظفّري صبحدم لم تعد مأساة رجل طحنته الحياة ودرسته، بل هي مأساة الإنسانية الضائعة فينا، نحن الذين أكلنا التصحّر اللاإنساني، في أزمنة الدكتاتوريات والمعارضات والجبهات القتالية، ونحن الذين “نمنع الإنسان من فهم الإنسان”.

ليس ثمّة تفسير لتلك اللعنة إلا بانفجار الرمّانات الزجاجية، وبكسر دائرة الأرقام: لقد مات سرياس الأوّل، ولم يتأكّد الأب بالرغم من مشاهدته القبر أنّه ابنه الحقيقيّ، وتواصل بطريقة سريّة مع سرياس الثاني، ولم يتأكّد أنّه ابنه الحقيقي أيضًا، لكنّه استطاع أخيرًا أن يحضن سرياس الثالث المشوّه في إحدى المستشفيات، وعلى الرغم من عدم تأكده هذه المرّة أيضًا، فها هو عهد رابع يفجّر اللعنة: لقد قطع مظفّري صبحدم هذا العهد مع الطفل المشوّه، وتمثّل في اللحاق به إلى حيث ستتمّ معالجته. سندرك في هذه اللحظة أنّ مكان تسريد خرافة الرواية بأكملها كان على ظهر سفينة، حيث يركب هذا الأب الحزين، وسندرك كذلك سرّ اللعنة بأكملها.

لقد أنجبَت امرأةٌ، استأنس بها يعقوبي صنوبر في أزمنة القتال، طفلَين، تركتهما وماتت. ولأنّه لا شيء يرعب الثوّار غير الفضيحة، عمد هذا الرجل إلى إطلاق التسمية نفسها عليهما، أسوة باسم الابن الذي تركه مظفري صبحدم السجين آنذاك، لا لشيء إلا لأنه خاف عليهم من الضياع. أخذهم إلى رجل غريب يدعى سيّد جلالي شمس وقال: “إنهم أطفال الثورة، أولاد الثورة، لا تنس أن الأطفال الثلاثة يحملون اسمًا واحدًا، وأنّ ثلاثتهم من أولاد الثورة”. يا لهذا العزاء الثوري: لقد ماتوا وكأنّهم على ذلك النّحو من إدانة الآباء والثورة والثوريين في آن الوقت. ويا لهذا العزاء الإنساني: إنّ ثلاثتهم في الموت أشبه بموت الأبناء الثلاثة لذلك الرجل الذي أهدى يعقوبي صنوبر الرمانات الزجاجية.

هل يجب أن نصرخ، ونحن نقتبس عبارة درويش التي ألقاها في وجه الشاعر سليم بركات بالقول: “ليس للكرديّ إلا الريح”؟ نعم، يبدو الأمر كذلك، فها هو مظفّري صبحدم على ظهر السفينة يصرخ مناديًا سرياس: “يا ابن النّار، هأنذا قادم إليك فهيّا أجبني”، ولكن السفينة -مع الأسف- داهمتها العاصفة وتاهت، وسرياس صبحدم لا يجيب، والموت على شاكلة جديدة، تجلبه الرّيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق