أبحاث ودراساتسلايدر

“المبادئ الحاكمة للدستور” بين المنطق والقانون

منذ انطلاقة الربيع العربي، التي ما تزال مستمرة على الرغم من الكبوات والعثرات، صارت عبارة “المبادئ الحاكمة للدستور” أو “المبادئ فوق الدستورية” تتردد بشكل متكرر في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ليس غريبًا في عملية الانتقال إلى الديمقراطية التي لا تنفصل عن عملية بناء الدولة الحديثة، التي لا تتحقق إلا بوجود دستور عصري مناسب، يحدد المبادئ التي تقوم عليها هذه الدولة، وينظم ويضبط آليات عملها.

واليوم مع ما تشهده الساحة العربية من تغيرات جذرية، سلمية أو عنفية، لم يعد الحديث في الأمور الديمقراطية مجرد كلام نظري وحوارات نخبوية تجري في الدوائر والصالونات الخاصة بالنخب بعيدًا عن الواقع، فالنقاشات التي تجري اليوم في هذا الميدان باتت جزءًا حقيقيًا من هذا الواقع الذي يتغير سياسيًا واجتماعيًا، وهو جزء جوهري وجدلي في علاقته مع عملية التغيير نفسها، التي لا يمكن القيام بها بالشكل الصحيح، إن لم تكن مواكبة مع الفكر الصحيح، القائم على معطيات العقل والعلم والواقع والعصر، والمعتمد على كل ما أنجزته الإنسانية المعاصرة في ميدان بناء المجتمع والدولة الإنسانيين الحديثين.

وهكذا يصبح من الضروري جدًا مناقشة كل المسائل السياسية والاجتماعية المرتبطة بقضية بناء الدولة الحديثة، وفي هذا السياق تحتل الأمور الدستورية أحد مواقع الصدارة، لما لها من أهمية كبيرة في بناء وعمل الدولة العصرية.

هذه المسألة أصبحت ذات أهمية استثنائية في اللحظة الراهنة بالنسبة لنا كسوريين، وبالأخص مع إتمام عملية تشكيل اللجنة الدستورية، التي ستباشر عملها قريبًا لإعداد دستور جديد للبلاد، يرسم شكل وحدود الحل السياسي، بعد صراع عنيف تجاوز ثماني سنوات، ولم ينتهِ بعد.

من الواضح في هذه اللحظة، أن هذا الدستور المنتظر أصبح قاعدة الحل السياسي المفترض، لكن، عمليًا، من المبكر جدًا إبداء التفاؤل في انطلاق هذا الحل بشكل حقيقي، لكن الحكم بشكل مسبق بفشل اللجنة الدستورية، التي أصبح الحل منوطًا بها في اللحظة الراهنة، هو مبالغة في التشاؤم أيضًا، والموضوعية في المواقف تقتضي إصدار الأحكام بناء على معطيات عملية عن كيفية عمل هذه اللجنة على أرض الواقع، وهو أمر لن يطول انتظاره، وسيبدأ يتضح قريبًا.

وعلى أية حال، تبقى هذه اللجنة حلقة في مسلسل البحث عن حل، وأيًا كان دورها في هذا الحل، فهي ترتبط بمسألة أساسية، وهي مسألة الدستور السوري المطلوب لسورية المستقبل، وهي مسألة يجب أن نوليها الاهتمام الكافي ما دمنا مؤمنين بمستقبل سوري أفضل.

إن صياغة دستور جديد هي قضية ملحة لكل عملية تغيير سياسي جذري، وهذا يعطي أهمية كبرى للطريقة التي تتم بها عملية الصياغة هذه، وللأسس والمبادئ التي تعتمد عليها، كأيّة عملية إنتاج أخرى، تتحدد جودة المنتج بمدى كفاءة وسلامة عملية الإنتاج نفسها.

تتلخص الوظائف الأساسية للدستور وفقا لآراء بعض المختصين في هذا المجال، في ثلاث وظائف، وهي:

تحديد وتنظيم العلاقة بين فروع السلطة الثلاث، وبين الدولة والشعب والفرد، وبين الأكثرية والأقلية. وتسعى كل الدساتير الحديثة لتحقيق توازن كاف في هذه الميادين، بحيث تمنع تغوّل السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وتمنع تغول الدولة على الشعب والفرد، وتغول الأكثرية على الأقلية، فتضع الدساتير القواعد الرئيسية الناظمة والضابطة لعمل السلطات الثلاث، بحيث تمارس كل سلطة وظائفها التخصصية باستقلالية ومن دون تدخل من السلطات الأخرى، ولكن بشكل يتكافأ ويتكامل فيه عمل السلطات الثلاث، وتكون فيه كل سلطة من هذه السلطات خاضعة للقوانين، وخاضعة لرقابة السلطتين الأخريين بموجب هذه القوانين، التي يجب أن تكون من حيث المبدأ مُصاغة بشكل يحقق التوازن ويضمن الكفاءة في عمل تلك السلطات، كما تضع الدساتير الضوابط لآلية عمل الدولة وعلاقتها مع المواطنين، بحيث لا تسمح بحدوث أية انتهاكات أو اعتداءات على حقوق وحريات الإنسان، كما تنظم وتضبط العلاقات بين الأكثرية والأقلية أيضًا، بشكل يحمي حقوق وحريات الإنسان، وبما يحقق مبدأ المساواة بين جميع المواطنين على أساس إنسانيتهم ومواطنيتهم.

لصياغة الدساتير بشكل ديمقراطي، يتم عادة تشكيل جمعية تأسيسية يتم انتخابها بشكل مباشر من قبل الشعب لهذه الغاية، وبالتالي تصبح هذه الجمعية مفوضة من قبل الشعب ومسؤولة أمامه في هذه المهمة الموكلة إليها، أو يتم تكليف “لجنة دستورية” لتقوم بصياغة الدستور، ثم يتم الاستفتاء على الدستور من الشعب، وفي هذه الحالة تنشأ إشكالية تتعلق بشرعية الجهة أو الجهات التي تقوم بتكليف هذه اللجنة وبكيفية اختيار أعضائها، والأسلوب الأكثر مقبولية في هذه الحالة هو قيام القوى السياسية الفاعلة على الأرض بالتشاور، إذ ليس من المقبول أن تقوم السلطة التنفيذية أو التشريعية القائمة بمهمة التكليف هذه، لأنها هي نفسها تُعدّ من منتجات الحالة الدستورية السابقة، التي أصبح من الضروري تعديلها، نتيجة عدم كفايتها، وبالتالي تصبح عملية التكليف هذه من قبل السلطات القائمة حاملة لمخاطر نقل عدم الكفاية إلى الدستور الجديد، المفروض فيه تجاوز حالة نقص الكفاية تلك، وهذه الحال تتعلق بالنظم السياسية المستقرة، أما في حال الخلاف أو النزاع، فلا تعود السلطات القائمة متمتعة بالشرعية الكافية للقيام بمثل هذا التكليف من الأساس، وبالإضافة إلى ما تقدم يمكن إجراء انتخابات تشريعية، يتم فيها انتخاب مجلس نواب جديد، ويقوم هو بدوره بتشكيل لجنة دستورية، ومن حسنات هذه الطريقة أنها تحل الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الأحزاب حول مشكلة مستوى التمثيل الشعبي، لكن من سيئاتها أنها تنعكس فيها سلبيات المرحلة السابقة على المرحلة الجديدة عبر عملية الانتخاب.

وكما نلاحظ، ففي كل الحالات تكون عملية صياغة الدستور ديمقراطيًا مرتبطة بإجراء ديمقراطي آخر هو “التصويت”، الذي يتم مسبقًا عند انتخاب “جمعية تأسيسية” أو بعد الصياغة عند “الاستفتاء” على الدستور المصاغ، أو عند انتخاب سلطة تشريعية جديدة، وهذا يعني أن إرادة الشعب هي التي تعطي الدستور شرعيته.

طبعًا هذا الكلام لا ينطبق دومًا على كل الحالات، ففي الأوضاع شديدة التأزم، حيث تكون الحلول الجذرية مستعصية، يُلجأ إلى تسويات تخرج عادة بأنصاف حلول، وهي في أحسن الأحوال يمكن اعتبارها مرحلة تمهيدية للحلول الحقيقية، وإذا ما أردنا التعامل بموضوعية مع الوضع السوري المستفحل، فهذا أقصى ما يمكن انتظاره -مع التفاؤل- من اللجنة الدستورية السورية.

ففي الوضع المتدهور اليوم على الساحة السورية، لا يمكن انتخاب جمعية تأسيسية بشكل حقيقي ولا التشاور بين القوى السياسية الموجودة لتشكيل لجنة دستورية، ولا التصويت على الدستور الذي تصوغه مثل هذه اللجنة، ولا إجراء انتخابات تشريعية.

لكن حتى في الحالات التي يكون كل ذلك ممكنًا، تبقى ثمة إشكالات حساسة تتعلق بعملية صياغة الدستور، وفحوى هذه الإشكالات تكمن في الشروط التي تحكم عملية الصياغة نفسها، فهل يجب أن يكون هناك مبادئ محددة مسبقا تحكم عملية الصياغة هذه، أم إن هذه العملية مفتوحة وغير مقيدة بأية مبادئ أو حدود مسبقة يجب مراعاتها أو عدم تجاوزها؟

هذه المسألة طُرحت مرارًا على الساحة العربية الراهنة، وما زالت تطرح، فقد طُرحت في مصر بعد نجاح ثورة كانون الثاني/ يناير، أثناء العمل على صياغة دستور جديد للبلاد، وهي اليوم تُطرح في السودان بعد سقوط الديكتاتورية، كما تُطرح أيضا على الساحة السورية، وهذه المبادئ أو الشروط المسبقة تسمى بـ “المبادئ فوق الدستورية” أو “المبادئ الحاكمة للدستور”!

وقد تكون الغاية منها وضع قيود على العملية الدستورية تتناسب مع إرادات أو مصالح قوى تخشى من عملية التغيير، أو الحصول على ضمانات من قبل القوى المناصرة للتغيير بأن العملية الدستورية ستمضي في اتجاه التغيير الصحيح، وأنها لن تُحرف أو تلتف على الاستحقاقات المطلوبة!

فإذا عدنا إلى التجاذبات السياسية التي كانت تجري على الساحة المصرية بعد سقوط نظام مبارك في عامي 2011 و2012، سنجد أن هذه المسألة قد أثيرت ونالت قسطًا وافرًا من الاهتمام الإعلامي، حيث طالبت القوى العلمانية والليبرالية بدعم من الجيش بوضع “مبادئ حاكمة للدستور”، الذي قامت على صياغته جمعية تأسيسية ترجح فيها كفة القوى الإسلامية، وكان سيُطرح للتصويت على شارع تغلب عليه القوى الإسلامية، ما جعل كلًا من القوى المدنية والجيش تتخوف من هيمنة الإسلاميين على الدولة، وإعطاء هذه الهيمنة شرعية دستورية عبر صياغة دستور في ظروف مواتية للإسلاميين، وقد أرادت القوى العلمانية والليبرالية من طرح هذه المبادئ وضع ضمانات تضمن عدم أسلمة الدولة، فيما أراد الجيش الحفاظ على نفوذه السلطوي التقليدي على الساحة المصرية، وكان موقف (الإخوان المسلمين) وحلفائهم من القوى الإسلامية رافضًا لهذا الطرح، وقد عدّه بعض قيادييهم “بلطجة سياسية”، وأصروا على عدم شرعية مثل هذا الطرح، مطمئنين إلى غلبتهم في الجمعية التأسيسية وعلى الشارع السياسي، بما يمكنهم من دفع مسار العملية السياسية بما يخدم توجهاتهم ومصالحهم، وقد ساعدهم في ذلك مواقف بعض الخبراء الدستوريين، الذين لم يكونوا مؤيدين سياسيًا لقوى الإسلام السياسي، ولكنهم قالوا من منطلق احترافي: إن وجود مواد فوق دستورية أو حاكمة للدستور هو أمر مخالف للعلوم الدستورية.

بطبيعة الحال لم يكن (الإخوان المسلمين) وغيرهم من قوى الإسلام السياسي، حريصين على “قانونية” العملية الدستورية، ولكنهم كانوا حريصين على استغلالها لإضفاء الشرعية على ما يمكن أن تثمره سياسيًا هيمنتهم على الجمعية التأسيسية والشارع الانتخابي، وهذا السلوك “الإسلاموي”، يمكن تكراره بشكل مشابه من قبل قوى أخرى كالديكتاتوريات الحاكمة، التي يمكنها أن تستغل هيمنتها السياسية على المجتمع لإنتاج مسرحية ديمقراطية، تعطيها غطاء شرعيًا عصريًا!

هنا قد يقول قائل في ما يتعلق بالتجربة المصرية: مهما كانت النوايا، فالطريقة المتبعة شرعية، وهي معززة بأساسين شرعيين هما: رأي الخبراء الدستوريين، والاحتكام إلى الشارع الانتخابي.

وقبل الرد على مثل هذا الطرح، لا بد من التنويه إلى أننا نستخدم هنا التجربة المصرية كمثال، لأنها قابلة للتكرار بشكل مشابه على الساحات العربية الأخرى، وليس من قبل القوى الإسلامية وحدها، إذ يمكن للديكتاتوريات الحاكمة أن تسعى للعب مثل هذه اللعبة.

عند الحديث عن أية صياغة لدستور، فيجب الوعي مسبقًا بأننا نتحدث عن عملية ديمقراطية بامتياز، فالفاعلية الدستورية لا يكون لها وجود حقيقي إلا في الأنظمة الديمقراطية، التي يكون فيها دور الدستور أساسيًا في تنظيم عملها كأنظمة، أما في ما عدا ذلك من أنظمة فالدساتير لا تكون إلا غطاء شكليًا لإضفاء الشرعية على الديكتاتوريات التقليدية أو غير التقليدية وإعطائها بعض مظاهر “الحداثة” أو مظاهر  “دولة القانون”.

بالطبع، لا يمكن تجاهل آراء المختصين الدستوريين في ما يتعلق بـ “قانونية” المبادئ الحاكمة للدستور، ولكن ما يجب عدم إغفاله هنا أن هذا التقييم القانوني يقوم من حيث المبدأ، على أساس ديمقراطي وقوانين ديمقراطية وفي تقاليد ديمقراطية، وهو يقونن عمليات دستورية تجري في منظومات ديمقراطية، ما يجعل هذه العمليات حكما محكومة بالقواعد والمعايير الديمقراطية، وبالتالي تصبح هذه القانونية مجتزأة ومفصولة عن المنظومة التي تتكامل معها عضويًا، عند نقلها إلى بيئات غير ديمقراطية، وإن كانت تحاول الدمقرطة.

وليس هناك أية عملية سياسية ديمقراطية أو غير ديمقراطية غير محكومة بمبادئ وقوانين، والقول بغياب مثل هذه الحواكم هو مثل القول بانفصال مشروع هندسي عن القوانين والمعطيات العلمية.

بالنسبة لعملية صياغة الدستور، فلكي تكون محكومة بمبادئ أو قواعد غير دستورية، لا يشترط في هذه القواعد والمبادئ أن تكون مُصاغة في وثيقة، وعلى شكل مواد تشبه المواد الدستورية، ولكنها تكون مُثبتة خارج النطاق الدستوري، على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة، التي تضع بشكل غير معلن أو معلن، حواكم لأي دستور، فماذا نسمي مثلا إصرار الإسلاميين على إدراج مواد في الدستور تحدد دين رئيس الدولة، ومصدر التشريع الأساسي فيها؟ أوَ ليست هذه المواد استجابة لثوابت دينية إسلامية حاكمة من خارج الميدان الدستوري؟ نفس الكلام ينطبق على سلوك القوميين العرب، وعلى سلوك أنظمة الحكم الحزبية، لكن بالمعايير الديمقراطية الحقيقية يُعدّ إدراج أية فقرات دينية أو قومية أو حزبية أو ما شابه، سلوكًا غير شرعي، فهذه المعايير لا تقبل بنفس الوقت بوجود “مواد فوق دستورية” ولا بوجود مرجعيات غير ديمقراطية -دينية أو قومية أو حزبية أو ما شابه- للدستور.

في الديمقراطية، عند القيام بصياغة دستور جديد، لا تحتاج الهيئة المكلفة مثلًا لمادة حاكمة فوق دستورية تقول لها “يجب عدم التمييز بين الجنسين” أو “يجب المساواة بين جميع الناس بمعزل عن الجنس والدين والقوم والانتماء السياسي” أو ما شابه، فهذه الأمور هي ثوابت نهائية في المعايير الديمقراطية، وأي دستور يتضمن موادًا تخل بهذه الثوابت أو أية ثوابت ديمقراطية أخرى يكون باطلًا ولا يُعترف به، ولا يطرح على أي استفتاء، وخلاصة هذا الكلام أن الدساتير في الديمقراطية، بصفتها الوثيقة القانونية والحقوقية العليا في النظام الديمقراطي، لا يمكنها أن تتفق مع وجود أية وثيقة فوق دستورية وحاكمة للدستور، ولكن هذا لا يعني عدم وجود مبادئ حاكمة للدساتير، فهذه الدساتير محكومة بالمبادئ الديمقراطية، ولذا على كل من يتذرع بـ “القانونية” في التعامل مع المبادئ الحاكمة للدستور، أن يكون هو نفسه ملتزمًا من البداية بالمعايير الديمقراطية وألا يخالفها، ثم يحاول بعدها تغطية مخالفته بقناع ديمقراطي.

لكن ماذا عن التصويت؟ أفلا يمكن إعطاء الشرعية لقضية ما، بناء على نتائج عملية تصويتية؟ وفي حالة الدستور، أفلا يمكن اعتبار دستور يقر موادًا دينية أو قومية أو حزبية أو ذكورية مثلًا شرعيًا، إذا ما صوّت الناس لصالحه؟

ديمقراطيًا، هذه شرعية باطلة، ومثل هذه العملية في الديمقراطية لا تُعدّ ديمقراطية، ولكنها تُعد “أوخلوقراطية” (ochlocratic) أو “موبوقراطية” (mobocratic) أي “شعبوية” أو “ديماغوجية” لأنها تستغل اعتقادات وعواطف الناس، ولا تعتمد على وعيهم السياسي، فالانتخابات والاستفاءات والتصويتات والاستطلاعات وما شابه ذلك في الديمقراطية، ليست عمليات مفتوحة من دون ضوابط أو محكومة بأية أحكام، وهي مثل عملية صياغة الدستور، تخضع لمبادئ الديمقراطية، ومن أهمهما مبدأ حماية حقوق الإنسان، الذي يتضمن المساواة التامة بين الناس، ومبدأ العقلانية الذي يعني اعتبار العقل هو المرجعية العليا في التشريع.

وهكذا لا يُقبل أي تصويت على مسألة تخل بحقوق الإنسان أو بثوابت العقل مهما كانت نتائجه، وبالتالي فالتصويت مثلًا على أي دستور يتضمن فقرات دينية أو ذكورية يُعد باطلًا، لأنه بناء على باطل من الأساس، فالأمور الدينية في الفكر الديمقراطي الحديث تُعد من ناحية ذاتَ طبيعة فئوية، كونها تخص جماعة من دون سواها، ومن ناحية ثانية، ذات طبيعة غير عقلانية، كونها تتعامل مع الغيب والماوارئيات وتعتمد بشكل رئيس على الإيمان والاعتقاد، وبذلك لا تتوافق مع مبدئي المساواة بين الناس والعقلانية، أما الذكورية فهي أيضا ضد المساواة الإنسانية وهي تقاليد غير عقلانية، ما يجعلها في موقع التناقض مع العقل والضمير الإنسانيين.

هذه الأمور يجب علينا كسوريين تعميق ثقافتنا بها على نطاق واسع، فنحن، على الرغم من كل مأساوية الأوضاع التي ما زال واقعنا خاضعا لها، نمرّ بمرحلة تغيير متعدد الصعد، والثقافة الدستورية هي جزء أساسي من الثقافة الديمقراطية، التي يجب امتلاكها لتحقيق التغيير المطلوب إلى الأفضل، والمعرفة الدستورية في اللحظة الراهنة تضاف إلى أهميتها الدائمة أهمية لحظية ترتبط بوجود اللجنة الدستورية، فإن حققت هذه اللجنة شيئًا إيجابيًا، فسيكون علينا عندها التعامل مع ما حققته بالنقد البناء الهادف إلى التطوير، وإن لم تحقق، فسيبقى في هذه الحالة الاستحقاق الديمقراطي قائمًا ومقتضيًا بشكل جوهري للثقافة الديمقراطية والمعرفة الدستورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق