مقالات الرأي

حقيقة النموذج السوري في صيغته الروسية

يبدو أن موسكو ندمت على موقفها من الوضع في ليبيا، عندما امتنعت عن التصويت في ذلك الحين، وتم اتخاذ قرار مجلس الأمن 1973 بحماية المدنيين. وجرى ما جرى، ومن نتائج ذلك أن أصبحت روسيا خارج اللعبة، وخسرت المليارات نتيجة توقف صفقات بيع الأسلحة لطرابلس وخروج الشركات النفطية من ليبيا. ونتذكر كيف أن بوتين وصف تدخل الناتو في ليبيا بأنه “حملة صليبية”. علمًا أن الحملة الصليبية المقدسة الحقيقية كانت حملةَ روسيا في سورية، وجاء ذكر ذلك -بصراحة- على لسان مسؤول كبير في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، إضافة إلى الصلوات التي أقيمت في قاعدة حميميم، ومباركة الكنيسة للطيارين قبل أن ينفذوا طلعاتهم الجوية بقصف المدنيين والمواقع السكانية، في مختلف مناطق سورية!

منذ أن بدأت الثورة السورية، أعلن لافروف أن روسيا لا ترحّب بالثورات. وعندما طلب وفد المعارضة السورية منه أن يتفهّم مطالب الشعب السوري، بتغيير النظام الأسدي المستبد القمعي والفاسد؛ رد لافروف بعبارة واضحة: “إما أن تتفاهموا مع النظام وتقبلوا به، أو انتظروا بحرًا من الدماء”! وهذا ما حدث، إذ جرت بالفعل أنهار من الدماء. وهذا يذكرنا بشعار المافيا الأسدية: “الأسد أو نحرق البلد”. وقد حرقوا البلد.

هل التطابق في التصريحات والشعارات المنطلقة من موسكو ودمشق مصادفة أم هو تعبير عميق عن جوهر هذه الأنظمة؟

تشهد موسكو في الأسابيع الأخيرة نشاطًا سياسيًا محمومًا، ترافق بتصريحات على أعلى مستوى حول نجاحات السياسة الروسية في الشرق الأوسط والعالم.

ففي أسبوع الطاقة الروسي في موسكو، وفي منتدى فالداي للحوار في سوتشي، وفي فعاليات دولية أخرى، صدرت تصريحات من الرئيس الروسي ومن الوزير لافروف، حول نجاح السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وبخاصة في نموذجها السوري، واعتبرته انتصارًا لاستعادة دور روسيا في المنطقة والعالم.

على ضوء الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي إلى الرياض، تحدّث لافروف عن الدور المهم للمملكة وتأثيره في الملف السوري. وبالطبع فإن موسكو تسعى جاهدة منذ أشهر طويلة إلى إقناع العالم بتقديم تمويل لإعادة إعمار الاقتصاد السوري. فمرة استخدمت موسكو فكرة إعادة اللاجئين السوريين، وأرسلوا وفودًا من الخارجية ووزارة الدفاع إلى الخليج وألمانيا، ولكن من دون جدوى. كما قام الوزير لافروف بجولة خليجية منذ أشهر، ولم يستطع أن يُقنع المسؤولين هناك، سواء في الدول الموافقة على إعادة الإعمار وإعادة السفارات إلى دمشق، مثل الإمارات والبحرين وعمان، أو تلك التي ما زالت ترفض بوضوح أي مشاركة في إعادة الإعمار من دون تغيير سياسي.

ويعيد المسؤولون في روسيا هذه الأيام طرح المقترح الذي تقدمت به موسكو منذ أشهر، حول الأمن الجماعي في منطقة الخليج، وتحاول جذب هذه الدول بما فيها إيران ودول كبرى، لتوقيع اتفاقية تضمن عدم التدخل في شؤون الدول، واحترام السيادة وحسن الجوار، وعدم التدخل الأجنبي في شؤون دول الخليج. ولكن هذه الرؤية الروسية لا يمكن أن تقبل بها واشنطن التي تمتلك قواعد عسكرية في المنطقة، وتتخذ سياسة معادية لطهران. كما أن الخبراء يشيرون إلى تجاهل هذه الوثيقة الروسية للدور الإيراني التخريبي في المنطقة الخليجية والعربية عمومًا، من خلال إنشاء ميليشيات طائفية وزعزعة الاستقرار في عدة دول، مثل سورية ولبنان واليمن والعراق.

تحاول موسكو اليوم استخدام ورقة اللجنة الدستورية والانتهاء من تشكيلها، لتقول للعالم: ها نحن أنهينا العمليات القتالية في سورية، وبدأت المرحلة السياسية، ونريد دعمًا دوليًا. ووصل الأمر بالمندوب الروسي في مجلس الأمن إلى أن يطرح مغالطة، وهي أن الدول الغربية تعرقل الأمور فهي قد وعدت -كما قال المندوب الروسي- بدعم الإعمار بعد تشكيل اللجنة الدستورية، ولكن الحقيقة ليست كذلك. فلم نسمع بأن دولة ما في العالم وعدت بالمساهمة في تمويل الإعمار، قبل إجراء تغيير سياسي.

الروس اليوم بأمس الحاجة إلى إقناع الدول الأوروبية والخليجية، بأن العملية السياسية أصبحت ممكنة، وتدعو للانخراط في إعادة البناء والإعمار وتقديم التمويل له، علمًا أن التمويل المطلوب يقدر بعدة مئات من المليارات، وهذا ما تفتقر إليه روسيا وإيران حلفاء النظام المخلصين.

ومن جهة أخرى، سمعنا منذ سنوات دبلوماسيًا أميركيًا يقول إنه حتى لو أردنا تقديم تمويل لسورية لإعادة الإعمار، فإننا لا نثق بنظام الأسد، لأنهم سيسرق تلك الأموال. ومنذ يومَين، صرّح جيمس جيفري (المسؤول الأميركي عن الملف السوري) بأن النظام السوري مجموعة من اللصوص والحرامية، وهو يتقاتلون فيما بينهم على تقاسم الأموال والسرقات. ويشير هنا إلى ما حدث في الآونة الأخيرة، من مصادرة أموال عائلة مخلوف، وإجبار رجال أعمال موالين للنظام على دفع ضرائب على أموالهم وممتلكاتهم للنظام، ويقال إن ذلك بسبب طلب روسي لـ 3 مليارات دولار من الأسد، وهي إما ديون مستحقة أو ثمن تقديم روسيا مشتقات نفطية ومواد غذائية للنظام.

ونعود إلى النموذج السوري للتسوية السياسية الذي تتحدث عنه موسكو! فما الذي فعلته روسيا في سورية؟ منذ اليوم الأول للثورة السورية اتخذت موسكو موقفًا استراتيجيًا إلى جانب النظام الأسدي، بالرغم من أنه نظام إجرامي وقمعي وفاسد، وهذا ليس مستغربًا، حيث تحافظ موسكو على علاقات ودية مع كل الأنظمة الشمولية في العالم، ومنها نظام الأسد.

حاولت موسكو الدفاع عن النظام السوري بكافة الوسائل الإعلامية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، واستخدمت الفيتو أكثر من 10 مرات دفاعًا عن نظامٍ قتل ما يقارب المليون سوري، وهجّر 14 مليون خارج البلاد وداخلها، ودمّر بقصفه الوحشي ملايين المنازل وشرد الأطفال.

تبجحت موسكو مرارًا، على أعلى مستوى، بالحجم الهائل للطلعات الجوية في سورية، وبتجريبها لمئات الأصناف من الأسلحة الجديدة في سورية، ومنها الصواريخ المجنحة الباليستية. وتسربت حديثًا معلوماتٌ في الصحافة الروسية بأن روسيا جرّبت منظومة الصواريخ إس 500 في سورية، علمًا أن وزارة الدفاع نفت هذا الخبر. وكما يقول المثل: لا دخان بدون نار.

لم تقدّم موسكو، ولا مرة واحدة، خطةً لحل سياسي مقبول وعادل في سورية، بل أصرّت على تلميع وإعادة تأهيل النظام وساعدته طوال الوقت. فمثلًا بعد استخدام النظام للسلاح الكيميائي في الغوطة صيف 2013، قامت موسكو بإنقاذ النظام بدل معاقبته، واقترحت على الأميركيين نزع الأسلحة الكيميائية (وبالطبع لم تنزع كلها) وإبقاء الأسد يسرح ويمرح ويقتل السوريين.

تتوج الدعم الروسي لنظام الأسد، بالتدخل العسكري في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، بحجة محاربة الإرهاب، لكن الهدف الحقيقي هو الحفاظ على النظام الأسدي وقمع الثورة والمعارضة المسلحة، واستخدمت مسارات أستانا وسوتشي، بمساعدة تركية وإيرانية، وقدّمت للنظام خدمات كبيرة.

موسكو انتصرت عسكريًا على الشعب السوري، ولكن النظام السوري أصبح هزيلًا وضعيفًا، وفقد مقومات الاستمرار المادية والمعنوية. وتجد موسكو نفسها أمام تحدٍ كبير: هل يمكن لبشار أن يحفظ ويضمن مصالح روسيا في سورية؟ في وقت لا يضمن الأسد بقاءه هو نفسه في السلطة، ولا يقدر على خلق استقرار. وبالتالي فالمصالح الروسية مهددة، وروسيا تخشى من أي تغيير سياسي في سورية قد يجعلها تخرج من المولد بلا حمّص.

فهل استخدام القوة المفرطة في قمع الشعب السوري هو النموذج الروسي الأفضل لدول المنطقة؟ وهل فرض أنظمة شمولية قمعية فاسدة هو النموذج الأفضل لدول المنطقة؟ أم يجب احترام إرادة الشعوب ومنحها حقها في العيش الحر الكريم.

بالرغم من الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، بتركيبتها الهزيلة التي يمتلك النظام فيها أغلبية واضحة؛ فإن مشكلة الشعب السوري ليست في اللجنة الدستورية ولا حتى في الدستور، بل في تطبيقه. فمن سيشرف على التطبيق ومن يضمن ذلك؟ من الواضح أنه لا توجد قوة دولية تمتلك الإرادة السياسية، لتحقيق تغيير في سورية يلبي مطالب الشعب السوري في العيش الكريم في ظل دولة القانون، بل هناك أجندات دولية جيوسياسية واستراتيجية، تريد ترتيب الوضع السوري كجزء من ترتيبات تخص المنطقة عمومًا، عنوانها التقسيم والتفتيت للدول القائمة، وإيجاد خريطة سياسية جديدة للمنطقة تقوم على التوزيع الاثني والطائفي والديني، وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد (الإسرائيلي الأميركي) وتكون “دولة إسرائيل” العبرية هي الأقوى في المنطقة والقادرة على الهيمنة.

لا ننسى أن واشنطن وموسكو كلاهما يصرّح بأن “أمن دولة إسرائيل” أولوية رقم واحد لهما. وبالتالي تتضح لنا أسباب التفاهمات الروسية الأميركية في الملف السوري.

ولكن ماذا عنا نحن السوريين؟

بالطبع الملف السوري أصبح بيد الدول الكبرى والإقليمية، في وقت نفتقر فيه إلى هياكل معارضة تمثل الشعب السوري وتحافظ على ثوابت ثورته، ويبدو أن الطريق الوحيد للسوريين هو رفع الصوت الوطني السوري المستقل، من خلال تشكيل جسم سياسي وطني جامع بقيادة مكونة من نخب وطنية مستقلة ذات سمعة نزيهة وتحظى باحترام السوريين.

أمام هذا الضياع لقضية الشعب السوري العادلة؛ لا بد من رفع الصوت عاليًا بأنه غير مسموح لأحد أن يبيع هذه القضية ويتاجر بها، من أجل أجندات شخصية أو سياسية ضيقة.

وهنا نُحيّي كل الجهود الشعبية والشبابية الداعمة للثورة والرافضة للتلاعب بمصير سورية، سواء بطريقة اللجنة الدستورية أو غيرها. ويجدر بالقوى المتصدرة للمشهد المعارض أن تتوخى الحذر من التفريط بحق الشعب السوري في تقرير مصيره، وعدم توقيع أي وثيقة قد تكبّل السوريين وتزيد من معاناتهم في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق