مقالات الرأي

التراث بين الفساد والخراب

في الأيام القليلة الماضية، شاركتُ في ندوة دولية في مدينة نابولي الإيطالية، دارت أعمالها حول الدور المنوط بالمواطنين بعيدًا من المؤسسات الرسمية في حماية ورعاية والترويج للتراث المادي واللامادي في حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد أناط بي المنظمون بأن ألقي محاضرة حول التدمير الذي لحق بالتراث على أنواعه في سورية بعد 2011. وعلى الرغم من شبه يقيني المسبق بأن القائمين على المؤتمر كانوا ينتظرون مني أن أتحدث عن الدمار المتعمد الذي لحق بالأوابد الأثرية في سورية أثناء العمليات العسكرية، وتحديدًا ما قامت به عصابات (داعش) من تدمير متعمّد في بعض الأحيان، وسرقة منظمة في أكثر الأحيان؛ فإنني قررت أن أمارس حقي في استغلال الوقت المخصص لمحاضرتي لاستعراض أعمّ وأشمل، يرجع بنا إلى سنوات “السلام” التي عاشها السوريون قبل 2011.

بدايةً، عرضتُ صورة لمجرم داعشي يحطم تمثالًا في متحف، واعتبرتُ أن تدمير التراث الإنساني قد وصل إلى العقل الغربي من خلال هذه المشاهد غالبًا. وعندما شعرت بموافقة الحضور على هذا التقدير، انتقلت إلى عرض صور الأحياء القديمة والأوابد الأثرية العديدة التي تم تدميرها بالقصف الجوي، خصوصًا في حلب وحمص، سائلًا الحضور عما إذا كانت لديهم معرفة بامتلاك الإرهابيين لسلاح الطيران. وحينها، ابتدأت في الحديث عمّا وقع من مآس، ومن تدمير بحق التراث السوري قبل الألفية الثانية. وقد توقفت مطولًا عند دور الأيديولوجيا في تدمير جزء مهم من التراث المادي، خلال تعاقب الأحداث وتعارض المواقف التي حددت الأطر والأدوات للتعامل مع هذا التراث. حيث أضافت سوءًا على سوء، في الإدارة التراثية، مجموعة من المصالح الضيقة والعقلية الثقافية/ الأمنية التي ارتبطت بمختلف أبعاد الموضوع التراثي. فحتى لو ابتعدنا عن الموقف الأيديولوجي المتحكم أحيانًا، فسنجد حتمًا تراكمًا عشوائيًا للفساد المؤسسي الذي ميّز الأداء الإداري السوري طوال عقود، وما زال، وهو يقود القائمين على التراث في خياراتهم.
مُدنٌ ألفية في كتب التاريخ، تم تدميرها خارج الحروب، لأهداف تتمحور حول الفساد والإفساد، كما أنها ترتبط بفهم متخلف للحضر وللحضارة. وأول ما يتبادر إلى الذهن، مشروع “باب الفرج” الذي أتى على قلب المدينة القديمة في حلب، خلال ثمانينيات القرن الماضي، والذي استثنى من تدميره، بعد أن أزال المساجد والكنائس، الكنيس اليهودي، تحسّبًا من ردة فعل “العدو” الإسرائيلي. وقد كان محافظ المدينة حينها يتمنى أن يزيل قلعة حلب ويبني مكانها مركزًا تجاريًا، ولكنه لم يتمكن من ذلك، لضرورة صورة واستخدامات القلعة للمؤسسة الاستبدادية التي تروّج لها في سياحتها، إلى درجة أنها دمّرت المعبد الحثي داخلها، لتبني عليه مدرجًا إسمنتيًا تقيم عليه حفلات الهرج والمرج العقائدي، كلما حلى لها ذلك.

كما أتحفتنا العقلية التدميرية للتراثَين المادي واللامادي، بمشروع “حلم حمص” القائم على إزالة النسيج الحضري التقليدي، وبالتالي تغيير التركيبة الديموغرافية بشكل مستتر، والاستعاضة عنه بمراكز تجارية وعمارات لا روح لها ولا قدرة لسكان مناطقها “الأصليين” على البقاء فيها. مشروعٌ سرعان ما تحوّل، بقدرة الفساد والإفساد، إلى كابوس كان له الدور الأكبر في الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المدينة، وتمخض عنها لاحقًا لإطلاق المشروع عمليةُ تدمير حربي لما تبقى من أوابدها المتنوعة.

وصولًا، وليس انتهاءً، إلى مشاريع تخريب دمشق القديمة التي تم تنفيذها دون أي اعتراض، وظهرت من بعدها المباني الرثّة القميئة مكان الأسواق والبيوت الدمشقية العريقة. هذا ما حصل في المدن الكبرى، أما في المواقع الأثرية المنتشرة بكثافة نادرة جعلت الآثاريين يعتبرون أن جنتهم الأرضية هي سورية، فقد جرت فيها سرقات موصوفة في وضح النهار، ليس من قبل البعثات التي يخوّلها القانون الاحتفاظ بنسبة معينة من اللقى، بل من الشخصيات النافذة التي سرعان ما أخرجت المسروقات إلى المزادات العالمية.

وبعد اشتداد المعارك في الداخل السوري، نهبت كل الجهات المشاركة في المقتلة آثار المناطق التي سيطرت عليها. وقد وصل هذا النهب إلى درجة من التنظيم، دفعت ببعض العصابات إلى تشكيل فصائل مقاتلة تحت تسميات دينية متنوعة، ليُخيّل لبعض السذّج أنها جزء من المقاومين للاستبداد.

في مسار “إعادة الإعمار” سيستمر تخريب التراث، عبر محو ما تبقى من مدن قديمة، أو تحويلها إلى منتجعات أشبه بمدن “ديزني لاند” تيمنًا بالنموذج اللبناني في وسط مدينة بيروت. وستبدأ قريبًا جدًا، إن هي لم تبدأ بعد، عمليات المضاربة المشروعة وغير المشروعة، على المباني والعقارات، بعد أن أدت الضربات الجوية والبحرية والكيميائية دورها في إفراغ المدن أو الأحياء من سكانها.

أثناء تدمير حلب بالطيران والقصف المكثّف، اتصلت بي إذاعة فرنسية، فظننت أن الأمر متعلق بمدينتي، لكنهم سرعان ما طلبوا مني التعليق على تدمير (داعش) للآثار في تدمر، التي كانت عيون العالم “الحر والمتمدن” تدمع لخرابها. فطلبتُ الحق بالإشارة إلى أنه في الوقت نفسه، هناك حيوات الآلاف من الناس تندثر تحت دمار حلب، فأصرّت المذيعة على التركيز على تدمر؛ فاعتذرتُ عن الحديث غير نادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق