أدب وفنون

(حيتان شريفة): الإنسان عندما يستقوي بالسلطة

عندما يستقوي الإنسان بالسلطة، يكون في جوهره حيوانًا مفترسًا

 يضعنا الروائي العُماني محمد بن سيف الرحبي، في روايته (حيتان شريفة)، أمام شبكة سردية تحليلية لا إخبارية. بطلُها ماهلُ بن جمعة الملقَّب بـ (الحوت) الذي هبط أرض “سمائل” ولا أحدَ يعرفُ شيئًا عن أصله وفصله، ليتزوَّج من (شريفة) التي رمتها الأقدار بين يديه، والتي وصفته بأنَّه “جنِّي طلعَ من البحر على شكل إنسان اسمه الحوت، أنجبَ حيتانًا، تناسَلت وتكاثَرت”. منها ثلاثة حيتان: مسعود وصالح ومنصور، سينشرون الفسادَ والشرَّ في سلطنة عُمان؛ حيث الحوت مسعود يصبح وزيرًا لأكثر من خمسة عشر سنة في الوزارة (الفلانية)، ينهبُ وينهب، ويفتحُ مجارٍ لتمرير سيولة/ سيلًا بملايين الريالات، تضخ في جيبه وجيوب أخويه وسائر مريديه وأتباعه في الوزارة وشركائه عبر مؤسَّسات مقاولات، ولا أحد يجرؤ على محاسبته.

 محمد بن سيف الرحبي يقيم حركته السردية بتصاعدٍ ناعمٍ للأحداث، تتطوَّر عبر تضادات جوهرية وفعلية. فالحوت الأب “ماهلُ بن جمعة” هو سليلُ أو صاحب عقل خبيث لا يرى إلاَّ أناه. حارب مع الإنكليز، وها هو بعد الاستقلال يحاول أن يمحي، مع أولاده، التاريخَ المذهل والنبيل للناس في “حارة المكاتيب” بسمائل، التي هي البذرة الأولى لأحداث الرواية، حيث نتابع صدامًا فاعلًا بين الراوي وبين هذه الحيتان أبناء شريفة؛ إذ يتساءل محمد بن سيف الرحبي، كأنَّه يريد أن يُوهمنا أنَّنا مع روايةٍ بوليسية، بعد أن اجتمع مع رسول الوزير مسعود الذي قرأ الرواية ولا يعرف كيف وصلت إليه، وجاء يحاسبه على ما جاء فيها من فضائح: “ولكن كيف عرفَ أنِّي كتبتُ رواية؟!” في حين أنَّه كان يريد مبرِّرًا أو حجَّة لكشف أفعال وطباع عائلة الحوت الفظَّة واللا أخلاقية، لأنَّ للروائي/ المثقَّف دورًا مؤثِّرًا في تدوين وصياغة الوقائع العاطفية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لأمَّته. والرواية/ الحكاية، كما بدأ بن سيف الرحبي روايته وانتهى منها، هي فعلٌ يغوص عميقًا في الوجود، فعلٌ يُنتجُ فكرًا يتعقَّب الجوهر، باعتبار أنَّ الفكر يتبع ضرورته الاجتماعية. فهو يُرينا أنَّ “مسعود” الوزير ابن الحوت، يرى مواطنيه كأنَّهم قطيع حيوانات، فيما أخواه صالح ومنصور يتعاملان مع هذا القطيع على أنَّه مَخْبَرُ تجارب لتسلقهما وصعودهما وتميزهما الاجتماعي، حتى وإن كان منصور جامعُ الأموالِ نَصَّابًا ومُحتالًا.

يسبر الرحبي أعماق هذه الحيتان غير الشريفة، فنرى جفافَ عواطفها وجشعها ومدى قدرتها على ممارسة القهر المادي والمعنوي على ضحاياهم/ مواطنيهم وبدمٍ بارد. حتى إنَّ أحدهم “منصور” الحوتُ الأصغر الذي لا يخرجُ من سجن سمائل حتى يعود إليه، وكان قد قام بعمليات نصبٍ واحتيال عديدة، جمعَ منها ثرواتٍ يقولُ بتشفٍّ: “مَنْ يقول إنَّ العُمانيين ما عندهم فلوس؟! خلال أقل من سنة جمعتُ أكثر من 12 مليون ريال، من مئة وثلاثة وأربعين شخصًا فقط، مَنْ هؤلاء الذين يدَّعون أنَّهم مساكين وضعفاء”. مع هذا فهو في مقامٍ آخر سنراه ذاك (الثائر)، فعندما اندلعت إضرابات الربيع العربي 2011 في عُمان، انضمَّ إلى المُعارضين ورفع شعارات الثورة والحرية، كمُعارض زائف. إنَّه مثل ذاك الذي يقوم بالأعمال القذرة ولكنَّه أوَّل مَنْ يأخذ حصَّته من أرباحها. في العُرف القبلي، المُخطئ يهربُ من القبيلة وإن كان (شريفًا)، وإذا ما لاحقته عقدة الذنب فهو يذهبُ إلى أعماق الصحراء لينحرَ نفسه، قبل أن تقوم القبيلة بقتله وتطهير شرفها من فِعلته. فإذا كان ماهل بن جمعة الحوتُ الكبير، وكذلك أولاده، لا قبيلةَ لهم ولا عشيرةَ ينتسبون إليها، كما بيَّن محمد بن سيف الرحبي على مدار الزمن الروائي، فكيف لنا أن نطالبهم، وقد ارتكبوا مجازرَ بحقِّ المال العام للدولة، والخاص للناس، بأن يُعاقِبوا أنفسهم بالانتحار؟

محمد بن سيف الرحبي في تتبعه لسيرة الحيتان أولاد شريفة التي أرضعت أغلب مواليد حارة المكاتيب من صدرها، يصوّر لنا في روايته الوطنَ (الجميل) وهو يرزح تحت نير البشاعة، وهذا ما دعاه لأن يدافعَ عن الجمال، وهو الأمر الذي استفزَّ وأغضب الوزير مسعود، فأرسل ثانية أحد أتباعه ليهدَّد الروائي بأنَّ الوزير، بصفته الشخصية، سيرفع عليه قضية، وأنَّ الوزير عندما يرفع قضية على مواطن، وبخاصة إذا كان (كاتبًا)، سيغدو الخاسر على كلِّ لسان. ثمَّ يسأل التابعُ الكاتبَ: “وما يُدريك أنَّ مسعود ليس شريفًا؟ هل تعرفه شخصيًا؟ هل تعرف مواقفه المشرِّفة عندما كان وزيرًا. إنَّ مسعود يا أخي العزيز خدمَ وطنه، كما لم يخدمه أيُّ مسؤول آخر في البلد، أفنى أجمل سنوات حياته من أجل الوطن والمواطن، وبعد هذا كله يأتي مَنْ يسيء إليه، هذا لا يجوز عند الله سبحانه وتعالى، يكفي عدد المساجد التي بناها، وأنتَ تعرفُ جزاء مَنْ يفعل ذلك، بكلِّ مسجدٍ لهُ قصرٌ في الجنَّة، ولا يعمرُ مساجد الله إلاَّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر”.

يرفعُ الرحبي درجة التوتر الروائي، ففي ردِّ التابع على الروائي، نلاحظ انتقاله من جريمة إلى جريمة وهو يبرِّر لوزيره أفعاله (الملائكية)، حتى إنَّه من كثرتها فقد حجزَ لهُ قصورًا وقصورًا في الجنَّة. فالله، اللهُ يكافئه، فكيف أنتَ أيّها (الكاتب) تُعاقبُه؟! إنَّها السخرية السياسية التي تمزج الواقعي بالخيالي في الرواية، فـ (السامي) يتعرَّض للإذلال، ومن قِوى غير أخلاقية. هل حكم علينا بالألم على أنَّه مضمون الحياة الحقيقي، باعتبار أنَّ الشر هو الذي يسود هذه الحياة؟ كأنَّه السؤال المركزي الذي تطرحه الرواية. فالإنسان عندما يستقوي بالسلطة، كما يصوِّره بن سيف، هو في جوهره حيوانٌ مفترس، وإِنِ التَحَفَ أو تزنَّرَ أو تزيَّنَ بـ (المدنية)، فها هو القاتل يداه ملطختان بالدماء، وها هو يصلي.

محمد بن سيف الرحبي في روايته (حيتان شريفة) يتصادمُ مع البشاعة، إنَّها معركته، لأنَّ الامتناع عن المقاومة لا يهزمُ العنف، بل يُشَرْعِنُ المذابح، وهذا ما كان يُقلق ويُخيف الوزيرَ مسعود الذي استدعى المؤلِّف إلى مكتبه ليطمئنَّ إنْ كان قد عزفَ عن كتابة الرواية، كونها تكشفُ عن جرائمه سائلًا إيَّاه: كيف مشروع روايتك الجديدة؟ هل ما زلت تَكتبُها ومصرًا عليها؟ ويُجيبه: لقد انتهيتُ من كتابتها، وسأحاول إقناعَ الرقابة بإجازتِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق