مقالات الرأي

اللجنة الدستورية ما لها وما عليها

حتى لا نغرق في التفاؤل أو التشاؤم، بخصوص تشكيل اللجنة الدستورية ومباشرتها لعملها قريبًا، لا بد من محاولة الحكم عليها بصورة موضوعية، إذ إن مهمة اللجنة، كما يُراد لها، هي وضع دستور لسورية المستقبل. والدستور، كما هو معروف، هو الأساس الذي تنبثق عنه القوانين وهيكلية الإدارات والعلاقة بين السلطات وإقرار الحريات العامة وغيرها.

من حيث المبدأ، الخطوة ضرورية، ومن إيجابياتها التذكير بأنْ لا مهرب من التغيير، مهما طالت الحرب وتعفن الواقع وكثرت التدخلات الخارجية، وهي محاولة لكسر الجمود السياسي أيضًا، بانتظار الحل الحقيقي المستند إلى توافقٍ دولي أوسع على حلّ ما للمسألة السورية. لن يكون هذا الحل بالطبع في مصلحة السوريين على المدى القريب، لكنه في مصلحتهم على المديَين المتوسط والبعيد، حين سيضطر المتنافسون الخارجيون إلى الإقرار بأن سورية موجودة وستستمر، وأن أهلها هم من سيديرون شؤونها في نهاية المطاف، ولو تحت الهيمنة الدولية وبشروطها إلى حين؛ لأن البديل الأخطر هو إمكانية انتقال الحرب بالوكالة إلى حروب مباشرة بين الحلفاء – الأعداء، وهذا ما لا يريده الجميع، منذ البداية.

من جهة ثانية، يتقاطع تشكيل اللجنة الدستورية مع ما صدر عن مؤتمرات جنيف الأخيرة، التي انتهت بإقرار السلال الأربع: الدستور والانتخابات والانتقال السياسي والإرهاب، وحصل الخلاف وقتها على الأولويات؛ ما بين رغبة النظام في مناقشة مشكلة الإرهاب أولًا، ورغبة المعارضة في التركيز على عملية الانتقال السياسي. وبانتظار تنشيط مسار جنيف للحل السياسي أو دمج الجهود الدولية في كلّ من جنيف وأستانا، تبقى اللجنة الدستورية مجرد خطوة للتذكير بأن ثمة حلًا سياسيًا ما زال يلوح في الأفق.

لكن اللجنة الدستورية تعاني معضلات كثيرة، تجعل احتمال نجاحها في الوصول إلى دستورٍ، يؤسس لحياة السوريين في المستقبل، أمرًا في غاية الصعوبة. أولى هذه المعضلات هي تحكّم الأطراف الخارجية في تشكيلها، وما سيتبع ذلك من التدخل في سير أعمالها ومخرجاتها، كاستمرار لحالة تقاسم النفوذ، لكن من خلال بنود الدستور المزمع وضعه هذه المرة، وبالتالي التحكم في نظام الحكم المنتظر والسياسات وطريقة الحوكمة؛ إنها وصاية دولية مجتزأة وغير شرعية، وتحتاج، من أجل شرعنتها من قبل الأمم المتحدة، إلى العودة إلى جنيف، بما يعنيه ذلك من ضرورة إشراك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في العملية السياسية من جديد.

وثانيتهما أن اللجنة تبدو وكأنها تخطو في الفراغ، محاولةً إنزال الحل السياسي بالباراشوت، والحرب ما زالت قائمة، وليست في سياق إجراءات عدة تتطلبها عملية الانتقال السياسي، بخاصة توفير الظروف الملائمة للتعبير السياسي والمشاركة الواسعة في الحوارات، فباستثناء وسائل الإعلام الاجتماعية، كمساحة متوفرة للتعبير الحذر والمحدود عن الرأي، ما زالت أغلبية السوريين ترزح تحت مختلف أشكال الاستبداد في معظم المناطق، إن لم يكن في جميعها.

وثالثة المعضلات هي الترهّل العددي، الأمر الذي يتطلب وقتًا طويلًا لمناقشة أي بند، وبذلك سيستمرّ عمل اللجنة سنوات، وربما هذه هي مهمتها الأساس؛ أي استهلاك الوقت حتى يحصل التوافق النهائي على طبيعة الحل، عندئذٍ، تذهب اللجنة ومخرجاتها أدراج الرياح. من الناحية العددية، كانت تكفي مجموعة الأمم المتحدة وتزيد، بشرط شمول تمثيلها، واحتوائها على ذوي الاختصاص.

وتتمثل المعضلة الرابعة في آلية اتخاذ القرار، فإذا كان إقرار أي بند يحتاج إلى أغلبية 75 بالمية من الأصوات، أي 113 صوتًا، فإن اعتراض أي مجموعة من المجموعات الثلاثة سيلغيه، وهذا ما ينطبق على مجموعة النظام على وجه الخصوص، إذ تكفي نظرة سريعة على أسماء هذه القائمة لتبيان القصد من حشرهم معًا، ليس لمؤهلاتهم في إعداد الدساتير بالطبع، إنما ليكون لهم رأي معطل. كما ينطبق ذلك على قائمة المعارضة بدرجة أقل؛ بسبب طغيان النفوذ التركي عليها، مع ذلك، فإن التنوع النسبي في هذه القائمة يجعل من الصعب أن يتخذ أعضاؤها موقفًا موحدًا.

المعضلة الخامسة هي إهدار الوقت الثمين، وإذا كان تشكيل اللجنة قد احتاج إلى سنتين، فكيف ستسير الأمور في العمل على إنجاز المهام في ضوء عدم استقلالية القرارات، واضطرار الدول الراعية إلى الاجتماع من وقتٍ إلى آخر، من أجل التوفيق والتوافق لإقرار المواد الدستورية ذات الحساسية الخاصة. وبحسبة بسيطة؛ فقد يستمر عمل اللجنة سنوات في مثل هذه الظروف، وهذا يعني أنها ميدان للتسويف والمماطلة، وأنها بعيدة كل البعد من تحمُّل المسؤولية الجسيمة التي أنيطت بها.

ما سبق يشير بوضوح إلى أن الظروف التي أحاطت بتشكيل اللجنة الدستورية وتحكّم أطراف أستانا فيها، وعدم حيازتها على توافق دولي حاسم، يجعل مهمتها صعبة الإنجاز، وتعبيرها عن مصالح السوريين منقوصًا، حتى لو أراد أعضاؤها ذلك، فهي معدّة لتقبل الإملاءات وإرضاء الدول التي شكلتها. أما الدور الذي تمارسه الأمم المتحدة، كغطاء لهذه اللجنة، فيشير إلى الحالة البائسة التي وصلت إليها هذه المنظمة الدولية، واضمحلال دورها في ظروف تضارب مصالح الدول، وبخاصة تلك التي تمتلك حق “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي.

إن الخطأ ليس في اللجنة الدستورية بحد ذاتها، إنما في محاولة عزلها عن بقية إجراءات الانتقال السياسي، فتبدو وكأنها خطوة استباقية لقطع الطريق على جنيف، ومحاولة أخرى لتمرير الحلّ الروسي شبه المستحيل، والذي كان قد اصطدم بعقبتي إعادة الإعمار، واستطرادًا، عودة اللاجئين، من أجل أن تحقق دول تحالف أستانا أكبر قدر من المكاسب في هذه المرحلة التاريخية الحافلة بالتغيرات.

في الختام، يمكن القول إن اللجنة الدستورية، المنبثقة عن مؤتمرات أستانا وسوتشي، هي العربة الروسية – التركية – الإيرانية التي تمّ وضعها أمام سكة الحل السياسي الدولي في جنيف، هذا الحل الذي يحوز على أكبر إجماع دولي، ولا تعني مشاركة الأمم المتحدة، ممثلة بالمبعوث الأممي إلى سورية، إلا إضفاء شرعية شكلية، هي، على الأغلب، انعكاس لموافقة الولايات المتحدة بصورة ضمنية على تشكيل اللجنة، بانتظار ترتيب المواقف والمصالح في مرحلة لاحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق